إتْيَان رب الْعَرْش ﷻ ومجيئه للفصل بالميزان
فَانْظُر الى التَّقْسِيم والتنويع فِي الْقُرْآن تلفيه صَرِيح بِبَيَان ان الْمَجِيء لذاته لَا أمره
كلا وَلَا ملك عَظِيم الشان اذ ذَانك الامران قد ذكرا وَبَينهمَا مَجِيء الرب ذِي الغفران
وَالله مَا احْتمل المجيىء سوى مجيى ء الذَّات بعد تبين الْبُرْهَان
من أَيْن يَأْتِي يَا أولي الْمَعْقُول إِن كُنْتُم ذَوي عقل مَعَ الْعرْفَان
من فَوْقنَا أَو تحتنا (وأمامنا)
أَو عَن شَمَائِلنَا وَعَن أَيْمَان
[ ١ / ٥١٤ ]
.. وَالله لَا يَأْتِيهم من تَحْتهم أبدا تَعَالَى الله ذُو السُّلْطَان
كلا وَلَا من خَلفهم وأمامهم وَعَن الشَّمَائِل أَو عَن الايمان
وَالله لَا يَأْتِيهم الا من ال علو الَّذِي هُوَ فَوق كل مَكَان
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ إتْيَان رب الْعَرْش ﷻ ومجيئه الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآن والاحاديث قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ وَقَالَ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة أَو يَأْتِي رَبك أَو يَأْتِي بعض آيَات رَبك﴾ الانعام ١٥٨ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ الْآيَة وَيَأْخُذ من الْقُرْآن ان المجىء لذاته لَا أَمر وَلَا ملك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة أَو يَأْتِي رَبك أَو يَأْتِي بعض آيَات رَبك﴾ الْأَنْعَام ١٥٨ لِأَن المعطلة يفسرون المجىء والآتيان بمجىء امْرَهْ اَوْ ملك والمجىء فِي الآيه وهى قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة﴾ الانعام ١٥٨ لَا يحْتَمل غير مَجِيء الرب بِذَاتِهِ تَعَالَى لَان مَجِيء الْمَلَائِكَة قد تقدم ومجيء الامر وَهُوَ بعض الْآيَات تَأَخّر ومجيء الرب بَينهمَا فَلَا يحْتَمل ذَلِك غير مَجِيء الرب سُبْحَانَهُ
قَالَ شيخ الاسلام ابو عُثْمَان الصَّابُونِي فِي (عقيدته وَيثبت اصحاب الحَدِيث نزُول الرب كل لَيْلَة الى السَّمَاء الدُّنْيَا من غير تَشْبِيه لَهُ بنزول المخلوقين وَلَا تَمْثِيل وَلَا تكييف بل يثبتون مَا أثْبته رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٥١٥ ]
وينتهون فِيهِ اليه ويمرون الْخَبَر الصَّحِيح الْوَارِد على ظَاهره ويكلون علمه الى الله ﷾ وَكَذَلِكَ يثبتون مَا أنزلهُ الله فِي كِتَابه من ذكر الْمَجِيء والاتيان الْمَذْكُورين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ وَقَوله ﷿ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ قَالَ وَأخْبرنَا ابو بكر بن زَكَرِيَّا سَمِعت أَبَا حَامِد ابْن الشَّرْقِي سَمِعت حمدَان السّلمِيّ وَأَبا دَاوُد الْخفاف قَالَا سمعنَا اسحاق ابْن ابراهيم الْحَنْظَلِي يَقُول قَالَ لي الامير ابو عبد الله بن طَاهِر يَا أَبَا يَعْقُوب هَذَا الحَدِيث الَّذِي ترويه عَن رَسُول الله ﷺ (ينزل رَبنَا كل لَيْلَة الى السَّمَاء الدُّنْيَا (كَيفَ ينزل قَالَ قلت أعز الله الامير لَا يُقَال لامر الرب كَيفَ إِنَّمَا ينزل بِلَا كَيفَ قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله الْحَافِظ يَقُول سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا يحيى بن ابراهيم الْعَنْبَري سَمِعت ابراهيم ابْن أبي طَالب سَمِعت أَحْمد بن سعيد بن ابراهيم ابا عبد الله الرباطي يَقُول حضرت مجْلِس الامير عبد الله بن طَاهِر ذَات يَوْم وَحضر اسحاق ابْن إِبْرَاهِيم فَسئلَ عَن حَدِيث النُّزُول أصحيح هُوَ قَالَ نعم فَقَالَ لَهُ بعض قواد عبد الله يَا أَبَا عبد الله تزْعم أَن الله ينزل كل لَيْلَة قَالَ نعم قَالَ كَيفَ ينزل قَالَ اسحاق أثْبته فَوق فَقَالَ أثْبته فَوق فَقَالَ اسحاق قَالَ الله ﷿ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ فَقَالَ الامير عبد الله هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ اسحاق إعز الله الامير من يجيىء يَوْم الْقِيَامَة من يمنعهُ الْيَوْم وَقَالَ ابو عُثْمَان قَرَأت فِي رِسَالَة أبي
[ ١ / ٥١٦ ]
بكر الاسماعيلي إِلَى أهل جيلان إِ ن الله ينزل الى السَّمَاء الدُّنْيَا على مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ وَقد قَالَ الله ﷿ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ وَقَالَ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ تؤمن بذلك كُله على مَا جَاءَ بِلَا كَيفَ فَلَو شَاءَ سُبْحَانَهُ أَن يبين كَيفَ ذَلِك فعل فَانْتَهَيْنَا الى مَا أحكمه وكفينا عَن الَّذِي تشابه إِذْ كُنَّا قد أمرنَا بِهِ فِي قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ آل عمرَان ٧ انْتهى فاذا قد ثَبت مَجِيء الرب تَعَالَى وإتيانه من الْكتاب وَالسّنة فمعلوم انه لَا يَأْتِي الا من فَوق تَعَالَى الله عَمَّا يصفه بِهِ الجاحدون والمعطلون علوا كَبِيرا
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى