سُبْحَانَهُ فِي مُحكم الْقُرْآن عَن عَبده مُوسَى الكليم وحربه
فِرْعَوْن ذِي التَّكْذِيب والطغيان تَكْذِيبه مُوسَى الكليم بقوله
الله رَبِّي فِي السما نباني
[ ١ / ٤٨٣ ]
.. وَمن المصائب قَوْلهم إِن اعتقا
د الفوق من فِرْعَوْن ذِي الكفران فاذا اعتقم ذَا فأشياع لَهُ أَنْتُم وَذَا من أعظم الْبُهْتَان
فاسمع اذا من ذَا الَّذِي أولى بفر عون الْمُعَطل جَاحد الرَّحْمَن
وَانْظُر الى مَا جَاءَ فِي الْقَصَص الَّتِي تحكي مقَال امامهم بِبَيَان
وَالله قد جعل الضَّلَالَة قدوة
بأئمة تَدْعُو الى النيرَان فامام كل معطل فِي نَفْيه
فِرْعَوْن مَعَ نمْرُود مَعَ هامان طلب الصعُود الى السَّمَاء مُكَذبا
مُوسَى ورام الصرح بالبنيان بل قَالَ مُوسَى كَاذِب فِي زَعمه
فَوق السَّمَاء الرب ذُو السُّلْطَان فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني
أرقى اليه بحيلة الانسان وأظن مُوسَى كَاذِبًا فِي قَوْله
الله فَوق الْعَرْش ذُو سُلْطَان وكذاك كذبه بِأَن الهه
ناداه بالتكليم دون عيان هُوَ أنكر التكليم والفوقية الْعليا ٥ كَقَوْل الجهم ذِي صَفْوَان
فَمن الَّذِي أولى بفرعون اذا منا ومنكم بعد ذَا التِّبْيَان
هَذَا هُوَ الدَّلِيل السَّابِع عشر من أَدِلَّة علو الله على خلقه وَهُوَ أَنه سُبْحَانَهُ أخبر عَن عَبده مُوسَى الكليم وعدوه فِرْعَوْن أَن فِرْعَوْن اللعين كذب مُوسَى فِي قَوْله رَبِّي فِي السَّمَاء وَأَنه بنى الصرح ورام الصعُود الى السَّمَاء وَقَالَ ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾
[ ١ / ٤٨٤ ]
غَافِر ٣٦ ٣٧ فِي قَوْله إِن الله فِي السَّمَاء وَقد قَالَ ابو الْحسن الاشعري فِي (الابانة (لما ذكر بعض الآيا ت الدَّالَّة على علو الله تَعَالَى على عَرْشه قَالَ وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن فِرْعَوْن ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ ٣٧ كذب مُوسَى فِي قَوْله إِن الله فَوق السَّمَوَات انْتهى كَلَامه
قَوْله وَمن المصائب قَوْلهم إِن اعْتِقَاد الفوق من فِرْعَوْن ذِي الكفران الخ أَي من المصائب قَول النفاة إِن اعْتِقَاد الْعُلُوّ هُوَ مَذْهَب فِرْعَوْن فاذا اعتقدتموه فَأنْتم أشياع لَهُ وعَلى مذْهبه كَمَا قَالَ بَعضهم فِي تَفْسِير قَوْله ﴿وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٧ فِيمَا يَقُول من أَن لَهُ رَبًّا فِي السَّمَاء وَمَا قَالَ مُوسَى لَهُ ذَلِك قطّ وَلكنه لما قَالَ لَهُ ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء ٢٣ قَالَ مُوسَى ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الشُّعَرَاء ٢٤ ظن باعتقاده الْبَاطِل أَنه لما لم ير فِي الارض أَنه فِي السَّمَاء فرام الصعُود الى السَّمَاء لرؤية إِلَه مُوسَى انْتهى
ثمَّ بَين النَّاظِم وَجه أولويتهم بفرعون وَأَن مذْهبه جحد الْعُلُوّ فانه طلب الصعُود الى السَّمَاء مُكَذبا لمُوسَى ورام بِنَاء الصرح وَقَالَ أَظن مُوسَى كَاذِبًا فِي زَعمه إِن الله فَوق السَّمَاء وَكَذَلِكَ كذب فِرْعَوْن مُوسَى ﵇ فِي قَوْله إِن الله تَعَالَى ناداه وَكَلمه فَكَانَ مذْهبه انكار التكليم وفوقية كَقَوْل جهم وَأَتْبَاعه فقد تبين الْآن من هُوَ أولى بفرعون وان المعطلة اولى بِهِ فِي كل حَالَة وَالله اعْلَم
[ ١ / ٤٨٥ ]
قَالَ النَّاظِم يَا قوم وَالله الْعَظِيم لقولنا ألف تدل عَلَيْهِ بل أَلفَانِ
عقلا ونقلا مَعَ صَرِيح الْفطْرَة ال أولى وذوق حلاوة الايمان
كل يدل بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوق السَّمَاء مباين الاكوان
أَتَرَوْنَ أَنا ناركو ذَا كُله لجعاجع التعطيل والهذيان
يَا قوم مَا أَنْتُم على شَيْء الى أَن ترجعوا للوحي بالاذعان وتحكموه فِي الْجَلِيل ودقه
تحكيم تَسْلِيم مَعَ الرضْوَان قد أقسم الله الْعَظِيم بِنَفسِهِ ٥ قسما يبين حَقِيقَة الايمان
أَن لَيْسَ يُؤمن من يكون محكما غير الرَّسُول الْوَاضِح الْبُرْهَان
بل لَيْسَ يُؤمن غير من قد حكم الوحيين حسب فَذَاك ذُو ايمان هَذَا وَمَا ذَاك الْمُحكم مُؤمنا
إِن كَانَ ذَا حرج وضيق بطان هَذَا وَلَيْسَ بِمُؤْمِن حَتَّى يسلم للَّذي يقْضِي بِهِ الوحيان
يَا قوم بِاللَّه الْعَظِيم نشدتكم وبحرمة الايمان وَالْقُرْآن
هَل حدثتكم قطّ أَنفسكُم بذا فَسَلُوا نفوسكم عَن الايمان
لَكِن رب الْعَالمين وجنده وَرَسُوله الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ
هم يشْهدُونَ بأنكم أَعدَاء من ٥ ذَا شَأْنه ابدا بِكُل زمَان ٥ ولاي شَيْء كَانَ أَحْمد خصمكم ٥ أَعنِي ابْن حَنْبَل الرضى الشَّيْبَانِيّ
[ ١ / ٤٨٦ ]
.. ولاي شَيْء كَانَ بعد خصومكم
أهل الحَدِيث وعسكر الْقُرْآن ولاي شَيْء كَانَ أَيْضا خصمكم
شيخ الْوُجُود الْعَالم الْحَرَّانِي أَعنِي أَبَا الْعَبَّاس نَاصِر سنة الْمُخْتَار قامع سنة الشَّيْطَان
وَالله لم يَك ذَنبه شَيْئا سوى تجريده لحقيقة الايمان
إِذْ جرد التَّوْحِيد عَن شرك كَذَا تجريده للوحي عَن بهتان
فتجرد الْمَقْصُود عَن قصد لَهُ فلذاك لم ينضف الى انسان
مَا مِنْهُم أحد دَعَا لمقالة غير الحَدِيث وَمُقْتَضى الْفرْقَان
فالقوم لم يدعوا الى غير الْهدى ودعوتم أَنْتُم لرأي فلَان
شتان بَين الدعوتين فحسبكم يَا قوم مَا بكم من الخذلان قَالُوا لنا لما دعوناهم الى هَذَا مقَالَة ذِي هوى ملآن ذهبت مقادير الشُّيُوخ وَحُرْمَة الْعلمَاء بل عبرتهم العينان
وتركتم أَقْوَالهم هدرا وَمَا أصغت اليها مِنْكُم أذنان
لَكِن حفظنا نَحن حرمتهم وَلم نعد الَّذِي قَالُوهُ قدر بنان
يَا قوم وَالله الْعَظِيم كَذبْتُمْ وأتيتم بالزور والبهتان
ونسبتم الْعلمَاء للامر الَّذِي هم مِنْهُ أهل بَرَاءَة وأمان
وَالله مَا أوصوكم أَن تتركوا قَول الرَّسُول لقَولهم بِلِسَان
[ ١ / ٤٨٧ ]
لَهُ كلا وَلَا فِي كتبهمْ هَذَا بِلَا بِالْعَكْسِ أوصوكم بِلَا كتمان
إِذْ قد أحَاط الْعلم مِنْهُم أَنهم لَيْسُوا بمعصومين بالبرهان
كلا وَمَا مِنْهُم أحَاط بِكُل مَا قد قَالَه الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ
فلذاك أوصوكم بِأَن لَا تجْعَلُوا أَقْوَالهم كالنص فِي الْمِيزَان
لَكِن زنوها بالنصوص فان توا فقها فَتلك صَحِيحَة الاوزان
لكنكم قدمتم أَقْوَالهم أبدا على النَّص الْعَظِيم الشان
وَالله لَا لوَصِيَّة الْعلمَاء نفذتم وَلَا لوَصِيَّة الرَّحْمَن وركبتم الجهلين ثمَّ تركْتُم النصين مَعَ ظلم وَمَعَ عدوان
قُلْنَا لكم فتعلموا قُلْتُمْ أما نَحن الائمة فاضلو الازمان
من أَيْن وَالْعُلَمَاء أَنْتُم فاستحوا أَيْن النُّجُوم من الثرى التحتاني
لم يشبه الْعلمَاء الا انتم أشبهتم الْعلمَاء فِي الاذقان
وَالله لَا علم وَلَا دين وَلَا عقل وَلَا بمروءة الانسان
عاملتم الْعلمَاء حِين دعوكم للحق بل بالبغي والعدوان
إِن أَنْتُم الا الذُّبَاب اذا رأى طعما فِي المساقط الذبان
واذا رآ فَزعًا تطاير قلبه مثل البغاث يساق بالعقبان
واذا دعوناكم الى الْبُرْهَان كَا ن جوابكم جهلا بِلَا برهَان
[ ١ / ٤٨٨ ]
.. نَحن المقلدة الالى ألفوا كَذَا آبَاءَهُم فِي سالف الازمان
قُلْنَا فَكيف تكفرون وَمَا لكم علم بتكفير وَلَا ايمان
اذ أجمع الْعلمَاء أَن مُقَلدًا للنَّاس كالاعمى هما أَخَوان
وَالْعلم معرفَة الْهدى بدليله مَا ذَاك والتقليد مستويان
حرنا بكم وَالله لَا أَنْتُم مَعَ الْعلمَاء تنقادون للبرهان كلا وَلَا متعلمون فَمن ترى
تَدعُوهُ نحسبكم من الثيران لَكِنَّهَا وَالله أَنْفَع مِنْكُم
للارض فِي حرث وَفِي دوران نَالَتْ بهم خيرا ونالت مِنْكُم الْمَعْهُود من بغي وَمن عدوان
فَمن الَّذِي خير وأنفع للورى أَنْتُم أم الثيران بالبرهان
شرع النَّاظِم ﵀ فِي ذكر الادلة الدَّالَّة على ثُبُوت الْعُلُوّ إِجْمَالا فَقَالَ يَا قوم وَالله الْعَظِيم لقولنا الخ أَي أَن الدَّلَائِل الدَّالَّة على علوه تَعَالَى على خلقه ومباينته لَهُم من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول والفطرة ألف دَلِيل بل ألفا دَلِيل وَذَلِكَ ظَاهر بِحَمْد الله لمن تتبعه ثمَّ شرع فِي بَيَان وجوب تحكيم الرَّسُول ﷺ فِي الدق والجل وَالتَّسْلِيم لَهُ والرضى بِحكمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ النِّسَاء ٦٥ قَالَ النَّاظِم ﵀ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أقسم سُبْحَانَهُ بِأَجل مقسم بِهِ وَهُوَ نَفسه ﷿ على أَنه لَا يثبت لَهُم الايمان وَلَا يكونُونَ من أَهله حَتَّى يحكموا رسو
[ ١ / ٤٨٩ ]
زه ويذهبون الى رَأْي سُفْيَان فَقَالَ أعجب لقوم سمعُوا الحَدِيث وَعرفُوا الاسناد وَصِحَّته يَدعُونَهُ ويذهبون الى رَأْي سُفْيَان وَغَيره قَالَ الله ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ النُّور ٦٣ أَتَدْرِي مَا الْفِتْنَة الْفِتْنَة الْكفْر قَالَ الله تَعَالَى ﴿والفتنة أكبر من الْقَتْل﴾ الْبَقَرَة ٢١٧ فَيدعونَ الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم الى الرَّأْي ذكر ذَلِك شيخ الاسلام
وَقَالَ الامام أَحْمد ﵁ لَا تقلدوني وَلَا تقلدوا مَالِكًا وَالثَّوْري والاوزاعي وَلَكِن تعلمُوا كَمَا تعلمنا
قَوْله اذ أجمع الْعلمَاء أَن مُقَلدًا الخ قد نقل هَذَا الاجماع الْحَافِظ ابو عمر بن عبد الْبر
قَوْله مثل البغاث قَالَ الْفراء بغاث الطير بِفَتْح الْبَاء وضمهوكسرها شِرَارهَا اومالا يصيد مِنْهَا ثمَّ قيل هُوَ جمع بغاثة وَهِي اسْم للذّكر والانثى مثل نعَامَة ونعام وَقيل هُوَ فَرد وَجمعه بفتان كغزال وغزلان قَالَه فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (والعقبان جمع عِقَاب بِضَم الْعين طَائِر مَعْرُوف
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى