فصل
هَذَا وسادسها وسابعها النز ل كَذَلِك التَّنْزِيل لِلْقُرْآنِ
وَالله أخبرنَا بِأَن كِتَابه تَنْزِيله بِالْحَقِّ والبرهان
أَيكُون تَنْزِيلا وَلَيْسَ كَلَام من فَوق الْعباد أذاك ذُو إِمْكَان
أَيكُون تَنْزِيلا من الرَّحْمَن والرحمن لَيْسَ مباين الأكوان
وَكَذَا نزُول الرب جَلَاله فِي النّصْف من ليل وَذَاكَ الثَّانِي
من ذَاك يسألني فيعطي سؤله من ذَا يَتُوب إِلَيّ من عصيان
فَيَقُول لست بسائل غَيْرِي بأحوال الْعباد أَنا الْعَظِيم الشان
من ذَاك يسألني فَأغْفِر ذَنبه فَأَنا الْوَدُود الْوَاسِع الغفران
من ذَا يُرِيد شفاءه من سقمه فَأَنا الْقَرِيب مُجيب من ناداني
ذَا شَأْنه سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ حَتَّى يكون الْفجْر فجرا ثَانِي
يَا قوم لَيْسَ نُزُوله وعلوه حَقًا لديكم بل هما عدمان
كَذَاك لَيْسَ يَقُول شَيْئا عنْدكُمْ لَا ذَا وَلَا قولا سواهُ ثَان
كل مجَاز لَا حَقِيقَة تَحْتَهُ أول وزد وأنقص بِلَا برهَان
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الدَّلِيل السَّادِس وَالسَّابِع من أَدِلَّة الْعُلُوّ وهما التَّنْزِيل وَالنُّزُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
[ ١ / ٤١٢ ]
غَافِر ٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ النَّحْل ١٠٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فصلت ٤٢ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي (بَدَائِع الْفَوَائِد) فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ غَافِر ٢ إِلَى قَوْله ﴿الْمصير﴾ غَافِر ٣ افْتتح الْآيَة بقوله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ والتنزيل يسْتَلْزم علو الْمنزل عِنْد (من) لَا تعقل الْعَرَب من لغاتها بل وَلَا غَيرهَا من الْأُمَم إِلَّا ذَلِك وَقد أخبر أَن تَنْزِيل الْكتاب مِنْهُ فَهَذَا يدل على شَيْئَيْنِ أَحدهمَا علوه ﵎ على خلقه وَالثَّانِي أَنه هُوَ الْمُتَكَلّم بِالْكتاب الْمنزل لَا غَيره فَإِنَّهُ أخبر أَنه مِنْهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون مِنْهُ قولا كَمَا أَنه مِنْهُ تَنْزِيلا فَإِن غَيره لَو كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ لَكَانَ الْكتاب من ذَلِك الْغَيْر فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا يُضَاف إِلَى الْمُتَكَلّم بِهِ وَمثل هَذَا ﴿وَلَكِن حق القَوْل مني﴾ السَّجْدَة ١٣ وَمثله ﴿نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ النَّحْل ١٠٢ وَمثله ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فصلت ٤٢ فَاسْتَمْسك بِحرف (من) فِي هَذِه الْمَوَاضِع فَإِنَّهُ يقطع شغب الْمُعْتَزلَة والجهمية وَتَأمل كَيفَ قَالَ تَنْزِيل مِنْهُ وَلم يقل تَنْزِيله فتضمنت الْآيَة إِثْبَات علوه وَكَلَامه وَثُبُوت الرسَالَة انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
وَقَوله وَكَذَا نزُول الرب الخ يُشِير إِلَى حَدِيث النُّزُول وَهُوَ متواتر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (ينزل رَبنَا ﵎ كل لَيْلَة حِين يبْقى ثلث اللَّيْل فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسألني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ (أخرجه أَصْحَاب الصِّحَاح كالبخاري وَمُسلم وَأخرجه غَيرهمَا قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ وَقد ألفت أَحَادِيث النُّزُول فِي جُزْء وَذَلِكَ متواتر أقطع بِهِ قَالَ الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي (شرح الْمُوَطَّأ (لما تكلم على حَدِيث النُّزُول قَالَ هَذَا حَدِيث ثَابت من جِهَة النَّقْل صَحِيح
[ ١ / ٤١٣ ]
الْإِسْنَاد لَا يخْتَلف أهل الحَدِيث فِي صِحَّته وَهُوَ مَنْقُول من طرق سوى هَذِه من أَخْبَار الْعُدُول عَن النَّبِي ﷺ وَفِيه دَلِيل على أَن الله ﷿ فِي السَّمَاء على الْعَرْش من فَوق سبع سموات كَمَا قَالَه الْجَمَاعَة وَهُوَ من حجتهم على الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم إِن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ المقدسة قَالَ وَالدَّلِيل على صِحَة قَول أهل الْحق قَول الله تَعَالَى وَذكر بعض الْآيَات إِلَى أَن قَالَ وَهَذَا أشهر وَأعرف عِنْد الْعَامَّة والخاصة من أَن يحْتَاج إِلَى أَكثر من حكايته لِأَنَّهُ إضطرار لم يخالفهم عَلَيْهِ أحد وَلَا انكره عَلَيْهِم مُسلم وَقَول النَّاظِم فَيَقُول لست بسائل غَيْرِي الخ يُشِير إِلَى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَغَيرهمَا بِسَنَد صَحِيح انه تَعَالَى يَقُول لَا يسْأَل عَن عبَادي غَيْرِي
وَقَوله يَا قوم لَيْسَ نُزُوله وعلوه حَقًا لديكم بل هما عدمان يَعْنِي أَن النُّزُول والعلو عِنْدهم باطلين فَلهَذَا حرفوا نُصُوص الْفَوْقِيَّة وَالنُّزُول كَمَا روى بَعضهم حَدِيث النُّزُول (ينزل) بِالضَّمِّ وَهَذَا كَمَا قَرَأَ بَعضهم ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ النِّسَاء ١٦٤ وَنَحْو ذَلِك من تحريفهم اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَبَعْضهمْ يُفَسر النُّزُول بنزول الرَّحْمَة أَو نزُول ملك أَو غير ذَلِك فَيُقَال لَهُ الرَّحْمَة الَّتِي تثبتها إِمَّا أَن تكون عينا قَائِمَة بِنَفسِهَا وَإِمَّا أَن تكون صفة قَائِمَة بغَيْرهَا فَإِن كَانَت عينا وَقد نزلت إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لم يُمكن أَن تَقول (من يدعوني فأستجيب لَهُ كَمَا لَا يُمكن الْملك أَن تَقول ذَلِك وَأَن كَانَت صفة من الصِّفَات فَهِيَ لَا تقوم بِنَفسِهَا بل لَا بُد لَهَا من مَحل ثمَّ لايمكن الصّفة أَن تَقول هَذَا الْكَلَام أَو محلهَا ثمَّ إِذا نزلت الرَّحْمَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَلم تنزل إِلَيْنَا فَأَي مَنْفَعَة فِي ذَلِك
[ ١ / ٤١٤ ]
وَالْحَاصِل كَمَا قَالَ النَّاظِم إِن هَذِه النُّصُوص عِنْد المعطلة مجَاز لَا حَقِيقَة وَلِهَذَا قَالَ عَنْهُم أول وزد وانقص بِلَا برهَان
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى