ولا ريب أنَّ من الجهمية مَنْ يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وهو يريد القرآنَ الملفوظَ به مخلوق، وقد اشتُهر أنَّ الإمامَ البخاري قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فنشأ عن ذلك فسادٌ بينه وبين شيخه محمد بن يحيى الذهلي (^١) رحمهما الله (^٢)، والبخاريُّ بيَّن المسألةَ وقرَّرَ فيها مذهبَ أهلِ السنَّةِ في كتابه «خلق أفعال العباد» (^٣)، وفي «كتاب التوحيد» من صحيحه (^٤).
وقد أنكر السلفُ قولَ اللفظية؛ لأنهم يريدون باللفظ الكلام الملفوظ بصوت القارئ، وهو القرآن، فحكموا على ما يلفظ به القارئ بأنه مخلوق؛ فرجع ذلك إلى قولهم بأنَّ كلام الله مخلوق أو القرآن مخلوق، ولذا قال الإمام أحمد: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي» وهو ﵀ خبير بمقاصد الجهمية فلذا حكم على اللفظية والواقفة بأنهم جهمية، وسبب هذا الاشتباه أن اللفظَ مصدرُ لَفَظ يلفِظ لفظًا، والمصدرُ في اللغة العربية يُطلق ويُراد به المعنى المصدري، ويُطلقُ ويُراد به اسم المفعول، مثل: «الخلق»؛ يُطلَقُ على المخلوق إذا أُريد به المفعول،
_________________
(١) محمد بن يحيى الذهلي: إمام أهل الحديث بخرسان وكان من الحفَّاظ المتقنين والثقات المأمونين، كان أحمد بن حنبل يثنى عليه وينشر فضله، واعتنى بحديث الزهري فجمعه وصنفه وجوَّده، توفي سنة (٢٥٨ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٤/ ٦٥٦ رقم ١٨١٦)، والسير (١٢/ ٢٧٣ رقم ١٠٤).
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٥٣)، وهُدى الساري-ط الرسالة- (٢/ ٥٥١).
(٣) ينظر: خلق أفعال العباد (٢/ ٧٠ رقم ١٣٢ - ١٣٣).
(٤) ينظر: «باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم»، وما بعده من الأبواب.
[ ٤٩ ]
ويُطلَقُ على فعل الخالق إذا أُريد به المصدرُ، ومثله «الرد» بمعنى المردود، والردُّ بالمعنى المصدري، ردَّ يردُّ ردًّا، وهذا كثيرٌ.
وقس عليه من جنسه فتقول: هذا خلقُ اللهِ -تشير إلى بعض الأشياء-: أي مخلوقٌ لله مفعولٌ له، أمَّا الخلقُ بالمعنى المصدري فهو صفةٌ لله وفعلٌ من أفعاله قائم به، ومثلُه الأمر، يأتي بمعنى المأمور، ويأتي بالمعنى المصدري الذي هو الفعلُ، أمر يأمر أمرًا، وهكذا.
فصارت كلمةُ (لفظ) كلمةً مجملةً.
فإذا قال قائلٌ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فينبغي أن يُستفصَلَ منه، فيُقال: ما تريد بقولك هذا؟ فإن قال: أُريد أنَّ تلفظي ونطقي وصوتي وحركة جوارحي -لساني وشفتي- مخلوقةٌ، كان المعنى الذي وصف صحيحًا، فالكلامُ كلامُ الباري، والصوتُ والألحانُ صوتُ القارئ (^١).
وإذا قال: لفظي بالقرآن، أُريد ما أتلفَّظُ به، مخلوقٌ، قلنا: هذا باطلٌ، الكلامُ الذي تتلفَّظُ به وتؤدِّيه بصوتك كلامُ ربِّ العالمين، فاللهُ تعالى تكلَّم بالقرآن، وسمعه منه جبريلُ ﵇، وبلَّغه لمحمدٍ ﷺ، والصحابةُ سمعوا القرآن من الرسول ﷺ، والمسلمون سمع بعضُهم القرآنَ من بعضٍ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، أي: يسمع كلامَ الله من الرسول، أو من أحدِ الصحابةِ، أو من آحادِ المؤمنين، فالنَّاسُ لا يسمعون كلامَ اللهِ من الله، إنما يسمعونه من بعضهم، فيُؤدُّونه بأصواتهم وحركاتهم وأفعالهم (^٢).
_________________
(١) ينظر: التسعينية (٣/ ٩٦٤ - ٩٦٥)، والرد على المنطقيين (ص ٥٨٥ - ٥٨٦).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٧٥).
[ ٥٠ ]