ويلزم القائلين بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ أن يقولوا تكلَّمَ به؛ لأنَّ قولنا: «تكلَّم اللهُ به»، توضيحٌ لقولنا: «كلام الله».
والقولُ بالوقفِ مذهبٌ باطلٌ، أنكرَهُ أئمةُ أهلِ السنَّة، ومنهم الإمامُ أحمدُ ﵀، وقال: إنَّ الواقفةَ الذين يقولون: القرآنُ كلامُ اللهِ، لا نقول مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ؛ جهميَّةٌ، وقال مرَّةً: هم شرٌّ من الجهمية المصرِّحين بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (^١)؛ لأنَّ الذي يُصرِّحُ قد أوضحَ مذهبَه، فلا خفاءَ ولا التباسَ على السنيِّ في شأنه؛ فمَن قال: «القرآنُ مخلوقٌ»؛ فقد أَبان مذهبَه، وعرف الناسُ تجهُّمَه، وحَذِروا باطلَه، ولاسيَّما مع اشتهار نكيرِ السَّلفِ لهذه البدعةِ التي لم يقل بها غيرُ أَتباعِ الجعدِ بن دِرهم، والجهمِ بن صفوان (^٢).
لكنَّ الواقفةَ ينخدعُ الجهَّالُ بمسلكِهم، وقد سلك هذا الطريقَ بعضُ الجهميةِ مراوَغةً وتَقِيَّةً تستَّرًا وتلبيسًا، لأنَّه يعلم أنه لو قال: القرآنُ مخلوقٌ؛ نبذَه أهلُ السنَّةِ، وأنكروا عليه، وأغلظوا له، وإن قال: القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، خرج عن مذهبه الذي يستبطنه، فيُمسك عن القول معتقدًا عقيدةَ جهمٍ، سالكًا مسلكَ الخداعِ والمكرِ الخبيثِ.
وهذا قد يستسيغُه بعضُ الجهَّالِ بحسن نيَّةٍ، بل بعضُ العلماءِ رأوا أنَّ الخوضَ في هذه المسألةِ لا طائل تحتَه ولا موجِبَ له، والحقُّ أنَّ
_________________
(١) ينظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٧٩).
(٢) وممن حكم على الواقفة بالبدعة: الإمام عبد الملك بن الماجشون، وإسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد وغيرهم كثير، وعدّوهم من الجهمية وعاملوهم معاملتهم. ينظر: الشريعة (١/ ٥٢٦)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٥٧).
[ ٤٥ ]
البدعةَ إذا أُظهِرت، وتُكلِّم بها، ودُعِيَ إليها، فلا بدَّ من التحذيرِ منها وأهلها، وتحديدِ الموقفِ تِجاهها؛ لأنَّ التوقُّفَ مضمونه الشكُّ، والسكوت عليه يتضمنُ إقرارَ هذا الشك، وتوجيهَ احتمالِ صحَّةِ قولِ الجهمية، فمُقتضى التوقُّفِ أنَّ مذهبَهم ليس بالباطل البيِّنِ الذي يجبُ إنكارُه (^١)، ولهذا قال إمامُ أهلِ السنَّةِ: إنَّ الواقفةَ أخبثُ، وإنَّهم شرٌّ من الجهمية، وقال: الواقفةُ جهميَّةٌ.
ولخطرهم نهى الناظمُ عن طريقتهم فقال: (ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا كما قال أتباع لجهمٍ)، وفي هذا تصريحٌ بأنَّ الواقفةَ في القرآن، الذين يقولون: إنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، ولا نقولُ: مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ، هم طائفةٌ من الجهمية.
و(جهم): هو إمامُ المعطلةِ في هذه الأمَّةِ.
وقولُ الناظمِ: (وأسجحوا): من أَسجحَ بالشيء إذا لانت به نفسُه (^٢)، فأَتباعُ جهمٍ لانت نفوسُهم ومالت قلوبُهم إلى هذا المعتقد، فَسَهُلَ عليهم القولُ به.
_________________
(١) ولشيخنا -سدده الله- مقال في موقعه الرسمي بعنوان: «لا أجد عذرًا لخطئكم العظيم إلا ضعف قواكم الفكرية»، حرَّره في: ٢٨ ذي القعدة ١٤٣١ هـ. وهو ردٌّ وتعقيب على مقال للأستاذ أبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري، نحى فيه منحى الوقف.
(٢) ينظر: لسان العرب (٢/ ٤٧٥).
[ ٤٦ ]