والله تعالى يُرَغِّب عبادَه في الإيمان والتقوى والعملِ الصالح بذكر ما أعدَّ لهم من النَّعيم المقيم: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة]، وهذا المعنى يُثَنَّى في القرآن كثيرًا بألفاظٍ متنوعةٍ، وكذلك وعيدُ أهلِ النَّارِ، واللهُ يجمع بينهما فيَقرِن بين ذِكرِ الجنةِ والنارِ كما في قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة]، إلى غير ذلك من الآيات.
والخلاصة أنَّ قولَ الناظمِ:
وإنَّهمُ والرَّهْطَ لا ريبَ فيهمُ … على نُجُبِ الفردوس بالخلد تسرحُ
يُشيرُ فيه إلى ما وردَ في حقِّ العشرةِ المبشرين بالجنَّة ﵃ وأرضاهم، وهم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وسعيدُ بنُ زيدٍ، وسعدُ ابنُ أبي وقاص، وطلحةُ بنُ عُبيد الله، وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وأبو عبيدة ابنُ الجراح، والزبيرُ بن العوام، ﵃ أجمعين.
وقد ذكرَ الأربعةَ الأُوَلين، وهم: الخلفاء الراشدون في البيتين السابقين، وذكرَ بقيتهم في هذين البيتين، فقال توضيحًا للرَّهط في قوله: (والرهطَ لا ريبَ فيهمُ):
[ ٩٢ ]
سعيدٌ وسعدٌ وابنُ عوفٍ وطلحةٌ … وعامرُ فِهْرٍ والزُّبير المُمَدَّحُ
ووجهُ رفعِ سعيدٍ وما عطف عليه؛ أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ: هم سعيدٌ … إلخ.
وهؤلاء ستةٌ؛ فأمَّا (سعيد): فهو سعيدُ بنُ زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، يلتقي مع أمير المؤمنين عمر ﵄ في جدِّه نُفيل (^١).
و(سعدٌ) (^٢): هو ابنُ أبي وقَّاصٍ، القائدُ المشهورُ الذي قاد المعاركَ في الفتوح الإسلامية، واسمُ أبيه مالك، فهو سعدُ بن مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، من بني زُهرة، يلتقي مع النبيِّ ﷺ في كلاب، أحدِ أجدادِ النبيِّ ﷺ، والد قُصي.
و(ابنُ عوفٍ) (^٣): هو عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بنِ عبد عوف ابن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، الزهري القرشي، وهو الذي قال فيه الرسولُ ﷺ لَمَّا اختصم هو وخالدُ بن الوليد: «لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثلَ أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيْفَه» (^٤)، يريد عبدَ الرحمن وأمثالَه من السابقين الأولين.
_________________
(١) ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٣٣٧ رقم ٣٢٧٧).
(٢) ينظر: الإصابة (٤/ ٢٨٦ رقم ٣٢٠٨).
(٣) ينظر: الإصابة (٦/ ٥٤٣ رقم ٥٢٠٢).
(٤) أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١) بنحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأخرجه بهذا السياق: مسلم (٢٥٤٠) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٩٣ ]
و(طلحة) (^١): هو ابنُ عُبيدِ الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي صاحب المواقف والفضائل، وهو الذي كان مع النَّبي ﷺ في وقعةِ أُحد، وكان يذبُّ عنه، وكان يقي الرسول ﷺ النبلَ بيده، ويُناضلُ عنه حتى أُصيب فَشُلَّت يده في سبيل الله (^٢)، نصرةً لرسول الله ﷺ.
و(عامر فِهْرٍ) (^٣): يريدُ به أبا عبيدة عامر بن فهر، فهو فِهري، كما تقول: أبو بكرٍ تيمي من بني تيم، وعمرُ عدوي، وعثمانُ أُموي، وعليٌّ هاشمي، وكذلك عامرُ فِهرٍ فِهري، وهو أبو عبيدةَ عامرُ بنُ عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ابن ضبة بن الحارث بن فِهرٍ القُرشي، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ: «إنَّ لكل أمةٍ أمينًا، وإنَّ أمينَنا أيَّتُها الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (^٤).
وفِهْر: أحدُ أجدادِ النَّبيِّ ﵊، وهو الجدُّ العاشرُ، فرسول الله ﷺ هو محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر (^٥)، والمشهورُ أنَّه هو الذي لُقِّب بقريش (^٦).
_________________
(١) ينظر: الإصابة (٥/ ٤١٧ رقم ٤٢٨٨).
(٢) أخرج البخاري (٤٠٦٣) عن قيس بن أبي حازم، قال: قال: «رأيت يد طلحة شلَّاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد».
(٣) ينظر: الإصابة (٥/ ٥٠٨ رقم ٤٤٢١).
(٤) أخرجه البخاري (٣٧٤٤)، ومسلم (٢٤١٩ - ٥٣) عن أنس بن مالك ﵁.
(٥) ينظر: زاد المعاد (١/ ٧١).
(٦) ينظر الخلاف في: سيرة ابن هشام (١/ ٩٣)، والإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر (ص ٤٢).
[ ٩٤ ]
ثم ذكر الناظمُ آخرَ العشرة (الزُّبَيْر) (^١)؛ وهو الزبيرُ بنُ العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، الذي قال فيه الرسول ﷺ: «إنَّ لكل نبيٍّ حواريًا، وحواريَّ الزبير» (^٢).
ولكلٍّ منهم فضائلُ خاصَّة اختُصَّ بها ووردت في حقِّه، وهي مدونةٌ في كتب السنَّة وفي كتب العقائد، وتراجم الصحابة، وهذه البشارةُ بالجنَّة فضيلةٌ مشتركةٌ بينهم فرضي الله عنهم وأرضاهم.
وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه بشرهم بالجنَّة وجمعهم في حديثٍ واحدٍ فقال ﷺ: «أبو بكر في الجنَّة، وعمرُ في الجنَّة، وعثمانُ في الجنَّة، وعلي في الجنَّة، وطلحةُ في الجنَّة، والزبيرُ في الجنَّة، وعبدُ الرحمن بن عوف في الجنَّة، وسعد في الجنَّة، وسعيد في الجنَّة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنَّة» (^٣).
ولمَّا روى سعيد بن زيد هذا الحديث عن النَّبي ﷺ عدَّ تِسعةً وسكت، فسُئل: مَنْ العاشر؟ فقال: سعيد، أو قال: أنا (^٤)، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
_________________
(١) ينظر: الإصابة (٤/ ١٧ رقم ٢٨٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٤٦) -واللفظ له-، ومسلم (٢٤١٥)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٧٥)، والترمذي (٣٧٤٧) -واللفظ له- عن عبد الرحمن بن عوف ﵁. وصححه ابن حبان (٧٠٠٢)، والألباني في تخريج الطحاوية (ص ٤٨٧). وقال الترمذي: «وقد رُوي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حُميد، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ نحو هذا، وهذا أصح من الحديث الأول.» وهو الحديث الآتي بعده.
(٤) أخرجه أحمد (١٦٤٤)، وأبو داود (٤٦٤٨)، والترمذي (٣٧٥٧) وحسنه، وصححه ابن حبان (٦٩٩٦). وللحديث طرق أخرى تنظر في: السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٦١٨ رقم ٢٠٨).
[ ٩٥ ]