٢١. وأنْصَارُه والهَاجِرُون دِيارَهم … بنُصْرَتِهِم (^١) عن كَيَّةِ (^٢) النَّارِ زُحْزِحُوا
(وأنْصَارُه): المرادُ: أنصارُ النَّبي ﷺ، وهم: الأوسُ والخزرجُ، واللهُ تعالى ذكرهم بهذا الوصف، فاللهُ تعالى سمَّاهم الأنصار، وكذلك رسولُ الله ﷺ.
والأنصارُ: جمعُ نصير. (والهَاجِرُون دِيارَهم): يريد بذلك المهاجرين، وأَخَّرَ ذِكر المهاجرين مراعاةً للنَّظم، ولا بأس بهذا؛ فقد جاء على لسان النَّبي ﷺ قوله: «اللهمَّ لا عيشَ إلَّا عيش الآخرة، فاغفرْ للأنصار والمهاجرة» (^٣)، وإلَّا فالأصلُ هو تقديمُ المهاجرين؛ فالمهاجرونُ مُقدَّمون على الأنصار في القرآن في كلَّ المواضع: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ …﴾ [الحشر: ٨ - ٩] الآيتين.
وقوله: (الهَاجِرُون): أَي: التاركون ديارَهم، فالمهاجرون هم الذين فارقوا أَوطانهم فرارًا بدينهم، ونُصرةً لله ورسوله، فجاؤوا إلى النَّبي ﷺ في المدينة من مكة وشتَّى الأقطار، فاجتمع أهلُ البلدِ وهم الأنصار مع الضيوف الوافدين المهاجرين.
_________________
(١) في طبعة الشطي: (بنصرهم) والمثبت من شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين.
(٢) في طبعة الشطي: (ظلمة) والمثبت من شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ: البخاري (٦٤١٤) عن سهل بن سعد ﵁، ومسلم (١٨٠٥ - ١٢٧) عن أنس ﵁.
[ ١٠٧ ]
وقد جاءت نصوصٌ في فضل المهاجرين والأنصار؛ منها قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقولُه سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ومما جاء في فضل الأنصارِ عن النبيِّ ﷺ قولُه: «آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيةُ النفاقِ بُغْضُ الأنصارِ» (^١) وقال: «لا يُحبُّهم إلَّا مؤمنٌ ولا يُبغضهم إلَّا منافقٌ» (^٢).
وإذا كان هذا في الأنصار؛ فالمهاجرون من باب أولى، فهم أنصارٌ في المعنى، فمعنى النُّصرة حاصلٌ من الكل.
وقوله: (ديارَهم): مفعولٌ به؛ أي: والذين هجروا ديارَهم وأموالَهم، كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر].
فأثبتَ لهم صفةَ النصرة، وأثنى عليهم بطلب فضلِ اللهِ ورضوانه، كما أثنى عليهم بنصرةِ دينهم.
يقول النَّاظم: (بنصرتهم عن كَيَّةِ النَّار زُحْزِحُوا) (^٣): أي: بنصرتهم لرسول الله ﷺ، وبنصرتهم لدينِ اللهِ عن كية النَّار زُحزحوا.
والمقصودُ من هذا وذاك: أنهم زُحزحوا عن النَّار فنَجوا بإيمانهم ونصرِهم لدينِ الله، ونصرهم لرسولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧) -واللفظ له-، ومسلم (٧٤) عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥) من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) لوائح الأنوار (٢/ ٨٧).
[ ١٠٨ ]
والزحزحةُ: الإبعادُ بشيءٍ من التدرُّج، والدفع شيئًا فشيئًا، قال اللهُ تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ومن زُحزحَ عن النَّار دخل الجنَّة، ولكن تمام الفوزُ إنما يكون بدخول الجنَّةِ، وأوَّلُ الفوزِ النَّجاةُ من النَّار بالزحزحة عنها ومُجاوزتها، فمَن جاوز النَّارَ تجاوز كلَّ الأخطارِ، ونجا من كلِّ مكروهٍ.
ولا شكَّ أنَّ المهاجرين والأنصار لهم الحظُّ الوافرُ من ذلك الفضل؛ فهم أولى الناسِ بالنَّجاة من النَّار ودخولِ الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فوعدهم اللهُ الرضوانَ والفوزَ بالجنان.
وقد قال ﷺ في أهل بيعةِ الرضوان: «لا يدخل النَّارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرةِ» (^١).
* * *
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (١٤٧٧٨)، وأبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠)، وأخرجه مسلم (٢٤٩٦) بلفظ: «لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها» عن أم مبشر ﵂.
[ ١٠٩ ]