تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فاللهُ تعالى له يدان كما صرَّح بذلك في موضعين من القرآن.
وأمَّا أدلةُ السنَّةِ فكثيرةٌ؛ منها: حديثُ عبدِ الله بن عمرو ﵄ في صحيح مسلم (^١) أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّ المُقسِطينَ عند اللهِ على منابرَ من نورٍ عن يمين الرَّحمنِ ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا».
والشاهدُ قوله: «وكلتا يديه»، فله يدان، يمين وشمال، كما في الحديث المتقدِّمِ عند مسلم (^٢)، ولا وجه لمن حكم على رواية ذكر الشمال بالشذوذ وقد ارتضاها مسلم (^٣)، ويؤيد إثباتها من جهة المعنى أن القرآن والحديث كل منهما قد دل على فضل اليمين على الأخرى فقد خص الله قبض السموات بيمينه؛ ففُهم أن قبض الأرض باليد الأخرى كما صرح به في الحديث؛ لأن السموات أفضل من الأرض، ومن وجه آخر أخبر الرسول ﷺ أن المقسطين عن يمين الرحمن، وفي هذا تفضيل لهم لفضل اليمين على اليد الأخرى.
وقوله: «عن يمين الرَّحمنِ»: ليس هو معنى: «وكلتا يديه يمين»، بل معناهما مختلف، ف «كلتا يديه يمين» معناه: أنَّ يمينه واليد الأخرى
_________________
(١) برقم (١٨٢٧).
(٢) وهو رواية في حديث أبي هريرة المتقدم في قبض الأرض والسموات وقوله تعالى: «أنا الملك» أخرجه مسلم برقم (٢٧٨٨ - ٢٤) عن ابن عمر ﵄.
(٣) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٣٩).
[ ٧٠ ]
كلاهما ذاتُ يُمْنٍ وخيرٍ وبركةٍ، فهو كالاحتراز عن توهم النقص في اليد الأخرى بعد قوله عن يمين الرحمن، وقد فَرَّقَ القرآنُ بينهما في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وجاء في تفسير هذه الآية من السنَّة أنَّ الله تعالى يطوي السموات بيمينه ويَقبِض الأرضَ بيده الأخرى، وفي لفظٍ «بشماله» (^١).
ومن أدلَّةِ إثباتِ اليدين في السنَّة ما جاء في حديث الشفاعة: أن الناس يقولون لآدم: «يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» (^٢).
ومن ذلك حديثُ ابن مسعود ﵁ في قصة الحبر قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى النَّبي ﷺ فقال: إنَّا نجد أنَّ اللهَ يجعل السموات على أَصبع (^٣)، والأرضين على أَصبع، والشجر على أصبع، والماءَ والثرى على أصبع، وسائرَ الخلائقِ على أصبع، ويقول: أنا الملك. فضحك النَّبيُّ ﷺ حتى بدت نواجذُه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^٤).
_________________
(١) وقد بوَّب البخاري بالآية وذكر حديث أبي هريرة المتقدم في قبض الأرض والسموات وقوله تعالى: «أنا الملك» ينظر: الدر المنثور (٧/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أصبع وإصبع بكسر الهمزة وفتح الموحدة ويجوز تثليث الهمزة مع تثليث الباء فتكمل تسعة وعاشرها أصبوع. ينظر: مشارق الأنوار (١/ ٤٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨١١) -واللفظ له-، ومسلم (٢٧٨٦).
[ ٧١ ]