فهذان اسمان دالان على أزليته، وأبديته - يعني - على دوام وجوده في الماضي، والمستقبل.
واسمه سبحانه «الظاهر» يعني: العالي، والظهور من معانيه العلو، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، بل هو فوق كل شيء ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام].
وهو «الباطن» الذي ليس دونه شيء، فبصره نافذ لجميع المخلوقات، وسمعه واسع لجميع الأصوات، وعلمه محيط بكل شيء لا يحجب سمعه شيء، ولا يحجب بصره حجاب، بصره نافذ يرى عباده، وعلمه محيط بكل شيء.
وليس معنى الباطن أنه تعالى داخل في المخلوقات، بل هو بائن من خلقه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام]، اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على كمال حكمته، وخبرته، فهو خبير بدقائق الأشياء، وهو أخصُّ في المعنى من اسمه العليم.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُور (٢)﴾ [سبأ]، كأن هذه الجمل تفصيل لمضمون اسمه الخبير.
و﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ما: صيغة عموم؛ - يعني -: يعلم كلَّ ما يلج في الأرض: من الأحياء؛ كالحيوانات التي لها مساكن تأوي إليها
[ ٥٩ ]
في الأرض، ومن النباتات، ومن الناس، وما يدخل فيها من الجمادات، كالمياه التي تغور في الأرض.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من هذه الأمور.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة، ومن الأمر الذي ينزل من عنده ﷾.
يعلم هذا كله، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ عنده خزائن الغيب التي استأثر بعلمها، ومنها الخمس التي لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، فهذه خمس تفرَّد الله بعلمها لا يعلمها ملك مقرَّب، ولا نبي مرسَل (^١).
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾، ما: صيغة عموم؛ أي: كل ما في البر يعلمه الله.
﴿وَالْبَحْرِ﴾، أي: ويعلم ما في البحر، عام يشمل ما فيه من الحيوانات، والنباتات، والجمادات التي لا يحصيها إلا خالقها.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ يشمل كل رطبٍ ويابسٍ؛ لأن هذه كلها نكرات في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تعمُّ.
كل هذه الدقائق وكل هذه المخلوقات معلومة للرب ﷾، والله محيط بها، وهي مثبتة في الكتاب المبين - كتاب المقادير -.
_________________
(١) قد جاء هذا في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٦٠ ]