ورحمته، ويضلُّ من يشاء بحكمته وعدله، يعطي ويمنع، يهدي ويضل، ويعزُّ ويذلُّ.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاء وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٦)﴾ [آل عمران].
وأما الإرادة الشرعيَّة؛ فمتعلِّقة بما أمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه. ومن شواهدها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب].
فهاتان إرادتان، قال أهل العلم (^١): إن الفرق بين الإرادتين من وجهين:
أما الإرادة الكونية فإنها عامة لكل الموجودات فهي شاملة لما يحبُّ سبحانه وما لا يحبُّ، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية؛ سواء في ذلك ما يحبه الله، أو يبغضه، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية التي هي بمعنى المشيئة، فإنه لا يخرج عن مشيئته، أو إرادته الكونية شيء ألبتة.
أما الإرادة الشرعية فهي تختص بما يحبه سبحانه، فالطاعات مرادة لله شرعًا، أما المعاصي فليست مرادة شرعًا، وما يقع من الطاعات، كالصلاة مثلًا نقول: هذه الصلاة تتعلَّق بها الإرادتان: الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية.
_________________
(١) انظر الحاشية السابقة.
[ ٧٠ ]
وهكذا سائر الطاعات واقعة بالإرادة الكونية، ومتعلِّقة كذلك بالإرادة الشرعية، فهي مرادة لله كونًا وشرعًا.
أما ما يقع من المعاصي فهي مرادة لله كونًا؛ لأنه لا يقع في الوجود شيء البتة إلا بإرادته، ومشيئته سبحانه.
لكن هل المعاصي محبوبة لله؟ لا بل هي مُبْغَضَة، وإن كانت واقعة بإرادته.
فالفرق بين الإرادتين من وجهين:
الأول: أن الإرادة الكونية عامة فكل ما في الوجود فهو مراد لله كونًا.
أما الإرادة الشرعية فإنها إنَّما تتعلق بما يحب ﷾.
قال أهل العلم: فتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، وطاعة المطيع.
وتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر، فالكافر مطلوب منه الإيمان لكنه لم يحصل، فهو مراد لله شرعًا، لكنه غير مراد كونًا، إذ لو شاء الله لاهتدى ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وكذلك الطاعة التي أُمِرَ بها العبد، ولم يفعلها مرادة لله شرعًا، لكنها لم تتعلق بها الإرادة الكونية؛ إذ لو تعلَّقت بها الإرادة الكونية لحصلت.
وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي.
الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدًا، أما الإرادة الشرعية فقد يقع مرادها، وقد لا يقع، فالله أراد الإيمان من الناس كلهم أراده
[ ٧١ ]
شرعًا - يعني - أمرهم به، وأحبَّ ذلك منهم، ولكن منهم من آمن، ومنهم من كفر.
هذا ما يتعلَّق بالآيات التي ذكر المؤلِّف، وكلها فيها إثبات الإرادة: إما الإرادة الكونية، أو الإرادة الشرعية.
وهل للمخلوق إرادة ومشيئة؟ نعم، قال ﷾: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
لكن إرادة المخلوق ومشيئة المخلوق مخلوقة، ومقيَّدة، وتابعة لمشيئة الله تعالى.
ومشيئة المخلوق قد يحصل مقتضاها، وقد لا يحصل، فقد يشاء الإنسان ما لا يكون، وقد يكون ما لا يشاء، وهذا شأن المخلوق، أمَّا الخالق فما شاءه فلا بد أن يكون، وما لا يشاؤه فلا يكون ألبتة؛ لأنه ﷾ لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عليه شيء فما شاء أن يفعله فعله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر].
* * * *
[ ٧٢ ]