فالقرآن توحيدٌ، وقصصٌ، وشرائعُ: أوامرٌ، ونواهٍ.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ هذه خالصة للتوحيد ليس فيها إلا صفة الرب تعالى، ولهذا كان أحد الصحابة أميرًا على سريَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك» فسألوه؛ فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» (^١)، ونحوه في خبر ثانٍ: «إن حبها أدخلك الجنة» (^٢).
وهذه السورة فيها نفي وإثبات؛ فهي جارية على القاعدة.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ إثبات، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ هذه ثلاث جُمَل كلُّها دالَّةٌ على نفي.
ودلَّت هذه السورة على اسمين من أسمائه الحسنى: «الأحد، والصمد»، وهذان الاسمان لم يُذكَرا في غير هذه السورة، فأما اسمه «الأحد» فيدلُّ على وحدانيَّته، وهو يتضمَّن نفي الشريك، والشبيه فلا شريك له، ولا شبيه، واسمه «الصمد» فُسِّر بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب، وهو تعالى لا يأكل ولا يشرب؛ لأن هذا هو موجب غناه فهو
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (٧٧٤ م)، ومن طريقه موصولًا الترمذي (٢٩٠١) - وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني، ثم ساقه من طريق مبارك عن ثابت - وابن خزيمة ١/ ٢٦٩، وابن حبان (٧٩٢ و٧٩٤)، والحاكم ١/ ٢٤٠ وصححه على شرط مسلم، كلهم من حديث أنس ﵁. وانظر: فتح الباري ٢/ ٢٥٧.
[ ٤٨ ]
الغني ﷾ بذاته عن كل ما سواه، والآكل والشارب مفتقِر إلى ما يأكل وما يشرب وهو سبحانه الذي ﴿يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، وهو الذي يرزق ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات].
وقيل: معنى الصمد: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا من لوازم غناه وفَقْر العباد ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد (١٥)﴾ [فاطر].
وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد عظم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبَّار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلَّا له» (^١).
يعني: الصمد هو الكامل في جميع صفات الكمال، فهذان اسمان من أسمائه الحسنى ذُكرا على وجه التعيين، وبالتفصيل والتنصيص عليهما، فهذا من الإثبات المفصَّل.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣)﴾، لم يلد ردٌّ، وإبطال لما نسبه إليه المفترون من اليهود، والنصارى، والمشركين، والفلاسفة، وغيرهم ممَّن نسب إليه الولد - تعالى الله عمَّا يقولون -.
_________________
(١) تفسير الطبري ١٥/ ٣٤٦، وفتاوى ابن تيمية ٨/ ١٤٩ - ١٥٠.
[ ٤٩ ]