والإيمان بذلك له أثر، إذا وقر في القلب الشعور بأنه تعالى: سميع بصير؛ أحدث له المراقبة، لكن تضعف هذه المراقبة عند ضعف الشعور والاستحضار لسمع الرب وبصره، أما من استحضر أن الله يسمع كلامه سوف يَحْسُب حِسابًا لما يتكلَّم به؛ لأنه يستحضر أن الله يسمعه، لكن يُؤتَى الإنسان من غفلته عن اطِّلاع الله عليه، وسمعه.
وتفصيل صفتي السمع والبصر كثير في القرآن.
والله تعالى يسمع كلام المؤمنين، وكلام الكافرين، وكلام الناس العادي، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] هذا من الكلام العادي تحاور في قضيتها، ويسمع المتنقِّصين لربهم ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] ويسمع كلام الرسل في دعوتهم، وما يرد عليهم قومهم، كما قال سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف] بصير ﷾ ببصر، وبصره نافذ بجميع المخلوقات، فهو السميع البصير، ولما قرأ النبي ﷺ هذه الآية (^١) «وضع إبهامه على أذنه، والسبابة على عينه» (^٢).
_________________
(١) أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء].
(٢) رواه أبو داود (٤٧٢٨)، وابن خزيمة في «التوحيد» ص ٤٢، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٩٨٧، وابن حبان (٢٦٥)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١٣/ ٣٧٣: أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم.
[ ٦٧ ]
قال أهل العلم: لبيان أن المراد بالسمع والبصر حقيقتهما أنه ذو سمع حقيقة، وذو بصر حقيقة.
ثم ذكر المؤلف الآيات الدالة على إثبات المشيئة والإرادة ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] هكذا يقول الرجل الصالح المؤمن لصاحبه الكافر المغرور بجنَّته حين سمعه يقول: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف].
يقول: لو أنك عندما دخلت جنَّتك تذكَّرت أنَّها إنما حصلت بمشيئة الله، وتذكَّرت أنه لا قوة لك ولا لغيرك إلا بالله، وكان الواجب عليك أن تقول: ما شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا باللَّه، أما أن تقول: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً، فهذا كفر، وإنكار للبعث، وإنكار لفضل الله ﷾، وإنكار لربوبيته سبحانه؛ لأنه هو المنعم المتفضِّل هو الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء.
وقوله: ﴿مَا شَاء اللَّهُ﴾ يعني: هذا ما شاء الله - أي - هذا كائن بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ما شاء الله لا بد منه، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما يحصل في الوجود من: الذوات، والصفات، والحركات؛ فبمشيئته سبحانه لا يخرج عنها شيء أبدًا.
[ ٦٨ ]