[٤١- باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك]
ش: أي: لأجل احترامها وهو تعظيمها. وذلك من تحقيق التوحيد. ويستفاد منه المنع من التسمي بهذا ابتداء من باب الأولى، لكن في الأسماء المختصة بالله تعالى.
قال: عن أبي شريح أنه كان يسمى أبا الحكم فقال له النبي ﷺ: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم. فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ فقلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: أنت أبو شريح" ١. رواه أبو داود وغيره.
ش: هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف، ورواه النسائي ولفظ أبي داود من طريق يزيد بن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده عن أبيه هانئ، وهو أبو شريح أنه "لما وفد على رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم فلم
_________________
(١) ١ سنن النسائي: كتاب آداب القضاة (٥٣٨٧)، وسنن أبي داود: كتاب الأدب (٤٩٥٥) .
[ ٥٣٣ ]
تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء" ١ الحديث. قال ابن مفلح: وإسناده جيد، ورواه الحاكم وزاد: "فدعا له ولولده".
قوله: "عن أبي شريح". هو بضم المعجمة وفتح الراء وآخره مهملة مصغر، واسمه هانئ بن يزيد الكندي، قال الحافظ: وقيل: الحارثي الضبابي قاله المزي. وقيل: المذحجي وقيل: غير ذلك: صحابي نزل الكوفة، ولا عبرة بقول من قال: إنه الخزاعي، ولا من ظن أنه النخعي والد شريح القاضي، فإن ذلك خطأ فاحش.
قوله: "إنه كان يكنى أبا الحكم". قال بعضهم: الكنية قد تكون بالأوصاف كأبي الفضائل، وأبي المعالي، وأبي الخير، وأبي الحكم. وقد تكون بالنسبة إلى الأولاد كأبي سلمة، وأبي شريح وإلى ما يلابسه كأبي هريرة فإنه ﵇ رآه ومعه هرة فكناه بأبي هريرة، وقد تكون للعلمية الصرفة كأبي بكر.
قوله: "إن الله هو الحكم وإليه الحكم"، أما الحكم فهو من أسماء
الله ﵎ كما في هذا الحديث، وقد ورد عده في الأسماء الحسنى مقرونًا بالعدل، فسبحان الله ما أحسن اقتران هذين الاسمين! قال في "شرح السنة" الحكم: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٢ وقال بعضهم: عرف الخبر في الجملة الأولى، وأتى بضمير الفصل فدل على الحصر. وإن هذا الوصف مختص به لا يتجاوز إلى غيره.
وأما قوله: "وإليه الحكم"، أي: إليه الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣. وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ٤ وفيه الدليل على المنع من التسمي بأسماء الله المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها كالتكني بأبي الحكم ونحوه.
_________________
(١) ١ النسائي: آداب القضاة (٥٣٨٧)، وأبو داود: الأدب (٤٩٥٥) . ٢ سورة الرعد آية: ٤١. ٣ سورة القصص آية: ٨٨. ٤ سورة الأنعام آية: ٥٧.
[ ٥٣٤ ]
قوله: "إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم". أي: أنا لم أُكَنّ نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بين قومي فكنوني بها. وفيه جواز التحاكم إلى من يصلح للقضاء، وإن لم يكن قاضيًا، وأنه يلزم حكمه. ولهذا قال النبي ﷺ: "ما أحسن هذا". قال الخلخالي: للتعجب، أي: الحكم بين الناس حسن، ولكن هذه الكنية غير حسنة. وقال غيره: أي: الذي ذكرته من الحكم بالعدل. وقيل: ما أحسن هذا! أي: ما ذكرت من وجه الكنية. قال بعضهم: وهو الأولى. قلت: فعلى هذا يكون حكمه لقومه قبل إسلامه، إذ يبعد أن يكون قاضيًا لهم قبل أن يلقى رسول الله ﷺ ويتعلم منه; لأن هذه القصة كانت بعد إسلامه بقليل، لأنه كان مع وفد قومه حين أسلموا، وقدموا على رسول الله ﷺ. ولا يظن أن رسول الله ﷺ يُحَسِّنُ أمر حكام الجاهلية.
قوله: "قال: شريح ومسلم وعبد الله". صريح في أن الواو لا تقتضي الترتيب وإنما تقتضي مطلق الجمع، فلذا سأل رسول الله ﷺ عن الأكبر، إذ لو كانت دالة على الترتيب لم يحتج إلى سؤال عن أكبرهم.
قوله: "فأنت أبو شريح"، أي رعاية للأكبر منا في التكريم والإجلال، فإن الكبير أولى بذلك. قال في "شرح السنة": فيه أن يكنى الرجل بأكبر بنيه، فإن لم يكن له ابن، فبأكبر بناته. وكذلك المرأة تكنى بأكبر بنيها فإن لم يكن لها ابن فبأكبر بناتها. انتهى. وفيه تقديم الأكبر، وفيه أن استعمال اللفظ الشريف الحسن مكروه في حق من ليس كذلك، ومنه أن يقول المملوك لسيده وغيره: "ربي" نبه عليه ابن القيم.
[ ٥٣٥ ]