[١٣- باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم وهو الغلو في الصالحين]
أما تركهم فهو مجرور عطفًا على المضاف إليه، ولما ذكر المصنف ﵀ بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، أراد أن يبين السبب في ذلك ليحذر، وهو الغلو مطلقًا لاسيما في الصالحين، فإنه أصل الشرك قديمًا وحديثًا لقرب الشرك بالصالحين من النفوس فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم.
وقول الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١. قال العلماء: الغلو هو مجاورة الحد في مدح الشيء أو ذمه، وضابطه تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ ٢. وكذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٣. أي: لا تتعدوا ما حدد الله لكم. وأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى، فنهاهم عن الغلو في الدين ونحن كذلك، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤.
والغلو كثير في النصارى، فإنهم غلوا في عيسى ﵇، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله، بل غلوا فيمن زعم أنه على دينه من أتباعه، فادعوا فيهم العصمة، فاتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا، وناقضتهم اليهود في أمر عيسى ﵇، فغلوا فيه فحطوه من منْزلته حتى جعلوه ولد بغي.
قال شيخ الإسلام: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط وضاهاهم في ذلك، فقد شابههم كالخوارج المارقين من الإسلام، الذين خرجوا في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ وقاتلهم حين خرجوا على المسلمين بأمر النبي ﷺ كما ثبت ذلك من عشرة أوجه في "الصحاح" و"المسانيد" وغير: ذلك،
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٧٧. ٢ سورة طه آية: ٨١. ٣ سورة النساء آية: ١٧١. ٤ سورة هود آية: ١١٢.
[ ٢٥٤ ]
وكذلك من غلا في دينه من الرافضة والقدرية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة. وقال أيضًا: فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام، وقد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام وذلك، بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١. وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها واتفق الصحابة ﵃ على قتلهم، ولكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق. وهو قول أكثر العلماء.
[سبب عبادة الأصنام]
قال: في "الصحيح" عن "ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
ش: قوله: في "الصحيح"، أي: "صحيح البخاري". وهذا الأثر اختصره المصنف، وقد رواه البخاري عن ابن عباس ولفظه: (وصارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث، فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف٢ عند سبأ، وأما يعوق، فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين في قوم نوح ) إلى آخره. وهكذا روي عن عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٧٧. ٢ كذا تبعًا لبعض نسخ البخاري، ولعلّ الصّواب: (الْجَوف) تبعًا لبعضها الآخر، كما قال ياقوت الحموي.
[ ٢٥٥ ]
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كانوا أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم. قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنهم كانوا أولاد آدم لصلبه، وكان ود أكبرهم وأبرهم به، هكذا رواه عمر بن شبه في "أخبار مكة" من طريق محمد بن كعب القرظي، وذكر السهيلي في "التعريف": أن يغوث بن شيث بن آدم فيما قيل، وكذا سواع وما بعده. فكانوا يتبركون بدعائهم، وكلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها إلى زمن مهلاييل، فعبدوها بتدريج الشيطان لهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.
ولا أدري من أين سرت تلك الأسماء أمن قبل الهند؟ فقد قيل: إنهم كانوا المبدأ في عبادة الأصنام بعد نوح ﵇، أم الشيطان ألهم العرب ذلك. انتهى وقد روى الفاكهي عن ابن الكلبي قال: كان لعمرو بن ربيعة رئي١ من الجن فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة وادخل بلا ملامة، ثم ائت سيف٢ جدة، تجد بها أصناما معدة، ثم أوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تُجَبْ. قال فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وهي الأصنام التي عبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك فسفا عليها
_________________
(١) ١ هو: الْجِنِّيّ يعرض للإنسان ويُطْلبه على ما يزعم من الغيب، أو يُلْهِمه الشِّعر. ٢ أي: ساحل.
[ ٢٥٦ ]
الرمل، فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم ودعا إلى عبادتها فأجيب.
وعمرو بن ربيعة: هو عمرو بن لحي، قاله الحافظ. قلت: وهو سيد خزاعة، وكان أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم ﵇. وكانت العرب قبله على دين أبيهم إبراهيم ﵇، حتى نشأ فيهم عمرو فأحدث الشرك، كما روى ابن جرير عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون١: "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال أكثم: أتخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟! فقال رسول الله ﷺ إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي". إسناده حسن.
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" ٢.
قوله: أن انصبوا. بكسر الصاد المهملة.
قوله: أنصابًا جمع نصب، وأصله ما نصب كغرض ونحوه، والمراد به هنا الأصنام المصورة على صورهم المنصوبة في مجالسهم.
قوله: حتى إذا هلك أولئك، أي: الذين نصبوها ليكون أشوق إليهم إلى العبادة، وليتذكروا برؤيتها أفعال أصحابها.
_________________
(١) ١ هو: صحابي جليل وعمّ الصّحابي سليمان بن صُرَد، وهما من نسل ابن لُحَيْيّ. ٢ البخاري: تفسير القرآن (٤٦٢٣)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٥٦) .
[ ٢٥٧ ]
قوله: ونسي العلم. أي: زالت المعرفة بحالها وما قصده من صورها، وغلب الجهال الذين لا يميزون بين التوحيد والشرك، وذهب العلماء الذين يعرفون ذلك.
قوله: عبدت. تقدم أنه دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. وفي رواية أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم فهذا هو السبب في عبادة هؤلاء الصالحين، وهو رجاء شفاعتهم عند الله، وكذلك هو السبب في عبادة صورهم، وهذه هي الشبهة التي ألقاها الشيطان على المشركين من الأولين والآخرين.
وقد بين الله ذلك في القرآن بيانًا شافيًا، وتقدم في هذا الكتاب من الكلام على ذلك ما يكفي لمن هداه الله.
قال: وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمر فعبدوهم.
ش: قوله: وقال ابن القيم. هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام، وصاحب المصنفات الكثيرة في فنون العلم. قال الحافظ السخاوي في حقه: العلامة الحجة، المتقدم في سعة العلم ومعرفة الخلاف وقوة الجنان، المجمع عليه بين الموافق والمخالف، صاحب التصانيف السائرة والمحاسن الجمة. مات سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
قوله: قال غير واحد من السلف إلى آخره. الظاهر أن ابن القيم ذكر ذلك بالمعنى لا باللفظ، وقد روي عن غير واحد من السلف معنى ذلك، منهم أبو جعفر الباقر وغيره، وتقدم ما يدل على ذلك.
[ ٢٥٨ ]
قوله: ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. أي: طال عليهم الزمان، ونسوا ما قصده الأولون بتصوير صورهم، فعبدوهم، فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم، كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك. وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم، كما أن ذاك هو الغالب على عباد القبور، ونحوهم، وهو أصل عبادة الأصنام، فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم، وتبركوا بها، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ومن صورته، وهذا أول شرك حدث في الأرض، وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان، فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم، وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد، فاعتادوها لذلك. فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا يعكف عليه، وتعلق عليه القناديل والستور ويطاف به ويستلم، ويقبل ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم، نقله منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكًا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد لله، وألا يعبد إلا الله، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أنّ مَنْ نَهى عن ذلك، فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منْزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم، ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١. وسرى
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٤٥.
[ ٢٥٩ ]
ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ ١.
قلت: وفي القصة فوائد نبه المصنف على بعضها.
منها: أن من فهم هذا الباب وما بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله، وتقليبه القلوب العجب.
ومنها: معرفة أن أول شرك حدث في الأرض بشبهة محبة الصالحين.
ومنها: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء.
ومنها: معرفة سبب قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تنكرها.
ومنها: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين، والثاني فعل أناس من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرًا فظن من بعدهم أنهم أرادوا غيره.
ومنها: معرفة جبلة الإنسان في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
ومنها: أن فيها شاهدًا لما نقل عن بعض السلف أن البدعة سبب للكفر، وأنها أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.
ومنها: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل.
ومنها: معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية: ٣٤.
[ ٢٦٠ ]
ومنها: مضرة العكوف على قبر لأجل عمل صالح.
ومنها: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
ومنها: معرفه عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
ومنها: -وهي أعجب العجب- قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن نهي الله ورسوله هو الكفر المبيح للدم والمال.
ومنها: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
ومنها: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك
ومنها: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده.
ومنها: أن سبب فقد العلم موت العلماء. انتهى بمعناه.
ومنها: شدة حاجة الخلق بل ضرورتهم إلى الرسالة، وأن ضرورتهم إليها أشد وأعظم من ضرورتهم إلى الطعام والشراب.
ومنها: الرد على من يقدم الشبهات التي يسميها عقليات على ما جاء من عند الله، لأن ذلك الذي أوقع المشركين في الشرك.
ومنها: مضرة التقليد وكيف آل بأهله إلى المروق من الإسلام.
[النهي عن الإطراء ومجاوزة الحد في المدح]
قال: وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ١ أخرجاه.
ش: قوله عن عمر. هو ابن الخطاب بن نفيل بنون وفاء مصغرًا بن عبد العزى بن رياح بتحتانية بن عبد الله بن قرط بضم القاف بن رزاح براء ثم زاي خفيفة بن عدي بن كعب
_________________
(١) ١ البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥)، وأحمد (١/٢٣) .
[ ٢٦١ ]
القرشي العدوي، أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد الصديق ﵄، ولي الخلافة عشر سنين ونصفًا، فامتلأت الدنيا عدلًا، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر، واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" ١. الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، قاله أبو السعادات. وقال غيره:
لا تطروني بضم التاء وسكون الطاء المهملة من الإطراء، أي: لا تمدحوني بالباطل، أو لا تجاوزوا الحد في مدحي.
قوله: (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)، أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى، فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد لله فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا عبد الله ورسوله. فأبى عباد القبور إلا مخالفة لأمره، وارتكابًا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة، وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستغاث به، ولا ينذر له، ولا يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، أن في ذلك هضمًا لجنابه، وغضًا من قدره، فرفعوه فوق منْزلته، وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبًا منه، فسألوه مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب.
وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب "الاستغاثة" عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفًا. وكان يقول: إن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. وحكى عن آخر من جنسه يباشر التدريس، وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول: إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع، ومن هؤلاء من يقول
_________________
(١) ١ البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥)، وأحمد (١/٢٣) .
[ ٢٦٢ ]
في قول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ إن الرسول ﷺ هو الذي يسبَّح بكرة وأصيلًا ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرسول معبودًا.
قلت: وقال البوصيري:
١٥٤ فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم الروح والقلم.
فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس، وكل ذلك كفر صريح. ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته ﵇ وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبدًا رسولًا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين.
ويصدق هذه المحبة أمران:
أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده، حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده" ١. ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك. ونهى أن يصلى إلى القبر أو يتخذ مسجدًا أو عيدًا، أو يوقد عليه سراج، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحا النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره النبي بقوله وفعله، وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.
الثاني: تجريد متابعته، وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من
_________________
(١) ١ أحمد (١/٢١٤) .
[ ٢٦٣ ]
أصول الدين وفروعه، والرضى بحكمه، والانقياد له والتسليم، والإعراض عما خالفه، وعدم الالتفات إلى ما خالفه، حتى يكون وحده هو الحاكم المتبع المقبول قوله، المردود ما خالفه، كما كان ربه تعالى وحده هو المعبود المألوه المخوف المرجو المستغاث به، المتوكل عليه، الذي إليه الرغبة والرهبة، الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد ومغفرة الذنوب، الذي من جوده الدنيا والآخرة، الذي خلق الخلق وحده، ورزقهم وحده، ويبعثهم وحده، ويغفر ويرحم ويهدي ويضل، ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائنًا من كان، لا النّبِيّ ﷺ ولا لجبريل ﵇ ولا غيرهما. فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم، النافع للمعظم في معاشه ومعاده، والذي هو لازم إيمانه وملزومه.
وأما التعظيم باللسان، فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير، كما فعل عباد القبور، فإنهم غلوا في مدحه إلى الغاية.
وأما التعظيم بالجوارح، فهو العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما جاء به، وجهاد ما خالفه.
وبالجملة فالتعظيم النافع هو التصديق فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وتحكيمه وحده، والرضى بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله فما وافقها من قوله ﷺ قبله، وما خالفها رده أو تأوله أو أعرض عنه، والله سبحانه يشهد وكفى به شهيدًا وملائكته ورسله وأولياؤه، أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، والله المستعان.
[النهي عن التنطع في الدين]
وقال المصنف: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ١.
_________________
(١) ١ النسائي: مناسك الحج (٣٠٥٧) .
[ ٢٦٤ ]
ش: هكذا ثبت هذا البياض في أصل المصنف، وذكره أيضًا غير معزو. والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو أسامة عن عوف عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "غداة العقبة وهو على ناقته: القط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ١. وهذا إسناد صحيح. وعوف، هو الأعرابي ثقة مشهور.
قوله: إياكم والغلو. إلى آخره. قل شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم، أي: هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك.
قال: ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون قالها ثلاثا" ٢.
ش: قوله: "هلك المتنطعون"٣. قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.
وقال أبو السعادات: هم المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم; مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولًا وفعلًا.
وقال غيره: هم الغالون في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، ويسترسل مع الشيطان في الوسوسة. وكل هذه الأقوال
_________________
(١) ١ النسائي: مناسك الحج (٣٠٥٧) . ٢ مسلم: العلم (٢٦٧٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٨)، وأحمد (١/٣٨٦) . ٣ مسلم: العلم (٢٦٧٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٨)، وأحمد (١/٣٨٦) .
[ ٢٦٥ ]
صحيحة، فإن المتكلفين من أهل الكلام متنطعون، والمتقعرون في الكلام ومخارج الحروف متنطعون، والغالون في عباداتهم متنطعون، وبالجملة فالتنطع: التعمق في قول أو فعل كما قال أبو السعادات. وقال النووي: فيه كراهة المتقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم.
قوله: (قالها ثلاثًا) . أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التحذير والتعليم، فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين، فما ترك شيئًا يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا أخبرنا به، وإنما ضل الأكثرون بمخالفة هذه الأحاديث وما في معناها، فغلوا وتنطعوا فهلكوا، ولو اقتصروا على ما جاءهم من ربهم على يدي رسول الله ﷺ لسلموا وسعدوا، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٥١.
[ ٢٦٦ ]