[٣٧- باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله]
أي: من الوعيد; لأن ذلك يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك.
[ ٥١٦ ]
قال: عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حَلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله" ١. رواه ابن ماجة بسند حسن.
ش: هذا الحديث رواه ابن ماجة في "سننه" وترجم عليه "من حُلف له بالله فليرض" ٢. حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان، عن نافع عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" ٣ الحديث. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم عند الحاكم وغيره، فإنه متصل ورواته ثقات، بل قد روى مسلم عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا" ٤. وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" ٥. وليس فيه هذه الزيادة.
قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" ٦. تقدم ما يتعلق به في الباب قبله.
قوله: "من حلف بالله فليصدق" ٧، أي: وجوبًا; لأن الصدق واجب، ولو لم يحلف بالله فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله فكيف إذا أكده باسم الله؟ .
قوله: "ومن حُلف له بالله فليرض" ٨ أي: وجوبًا كما يدل عليه قوله: "ومن لم يرض فليس من اللَّه" ٩. ولفظ ابن ماجة: "ومن لم يرض بالله فليس من الله" ١٠. وهذا وعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ١١. قال ابن كثير: أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوي وغيرها، ما لم يفض إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها فلا يقبل حلفه، ولهذا لما "رأى عيسى ﵇ رجلًا يسرق فقال له: سرقت قال:
_________________
(١) ١ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ٢ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ٣ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ٤ البخاري: الجمعة (١١٩٤)، ومسلم: الحج (١٣٩٩)، والنسائي: المساجد (٦٩٨)، وأبو داود: المناسك (٢٠٤٠)، وأحمد (٢/٤،٢/٥٧،٢/٥٨،٢/٦٥،٢/٧٢،٢/٨٠،٢/١٠١،٢/١٠٧،٢/١٥٥)، ومالك: النداء للصلاة (٤٠٢) . ٥ البخاري: الأيمان والنذور (٦٦٤٦)، ومسلم: الأيمان (١٦٤٦)، والترمذي: النذور والأيمان (١٥٣٤)، وأبو داود: الأيمان والنذور (٣٢٤٩)، وأحمد (٢/٧،٢/١١،٢/١٧،٢/٢٠،٢/٧٦،٢/٩٨،٢/١٤٢)، ومالك: النذور والأيمان (١٠٣٧)، والدارمي: النذور والأيمان (٢٣٤١) . ٦ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ٧ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ٨ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ٩ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ١٠ ابن ماجه: الكفارات (٢١٠١) . ١١ سورة آل عمران آية: ٢٨.
[ ٥١٧ ]
كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني" ١. رواه البخاري وفيه وجهان.
أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى ﵇ للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالًا من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا نفي لذلك، ثم أكده باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء".
قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي ﷺ "رأى عيسى رجلًا يسرق"، فأثبت ﷺ سرقته.
الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم ﵇ صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح [كما في الأعراف ٢١] ".
قلت: هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وحدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوي، كمن يتحاكم عند الحاكم فيحكم على خصمه باليمين، فيحلف فيجب عليه أن يرضى.
_________________
(١) ١ البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٤٤)، ومسلم: الفضائل (٢٣٦٨)، والنسائي: آداب القضاة (٥٤٢٧)، وابن ماجه: الكفارات (٢١٠٢)، وأحمد (٢/٣١٤،٢/٣٨٣) .
[ ٥١٨ ]