[باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!]
أي: عبد القبر أو الرجل الصالح، ولما كان عباد القبور إنما دُهُوا من حيث ظنوا أنهم محسنون، فرأوا أن أعمالهم القبيحة حسنة، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ ١ الآية. نَوَّعَ المصنف التحذير من الافتتان بالقبور، وأخرجه في أبواب مختلفة، ليكون أوقع في القلب، وأحسن في التعليم، وأعظم في الترهيب، فإذا كان قصد قبور الصالحين لعبادة الله عندها فيه من
_________________
(١) ١ سورة فاطر آية: ٨.
[ ٢٦٦ ]
النهي والوعيد ما سَيَمُرُّ بك إن شاء الله، فكيف بعبادة أربابها من دون الله واعتيادها لذلك في اليوم والأسبوع والشهر مرات كثيرة.
قال: في "الصحيح" عن عائشة أن "أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ١.
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل.
ش قوله: في "الصحيح". أي في "الصحيحين".
قوله: أن أم سلمة. هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية; تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل ثلاث، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، ماتت سنة اثنتين وستين.
قوله: (ذكرت لرسول الله ﷺ) . كان ذكر أم سلمة هذه الكنيسة للنبي ﷺ في مرض موته، كما جاء مبينًا في رواية في "الصحيح". وفي "الصحيحين" أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ.
قوله: (كنيسة) . وفي رواية يقال: لها مارية، وهي بفتح الكاف وكسر النون: معبد النصارى.
قوله: (أولئك) . بفتح الكاف وكسرها.
قوله: (إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح) . هذا والله أعلم شك من بعض رواة الحديث، هل قال النبي ﷺ هذا أو هذا، ففيه التحري في الرواية، وجواز رواية الحديث بالمعنى.
قوله: (بنوا على قبره مسجدًا)، أي: موضعًا للعبادة، وإن لم يسم مسجدًا كالكنائس والمشاهد.
قوله: (وصوروا فيه تلك الصور) . الإشارة بتلك الصور إلى
_________________
(١) ١ البخاري: الصلاة (٤٣٤)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٨)، والنسائي: المساجد (٧٠٤)، وأحمد (٦/٥١) .
[ ٢٦٧ ]
ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها.
قوله: (أولئك شرار الخلق عند الله) . مقتضى هذا تحريم ما ذكر، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه. قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعنهم النبي ﷺ ومنع المسلمين عن مثل ذلك. قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك.
قوله: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين) إلى آخره. هذا من كلام شيخ الإسلام، ذكره المصنف عنه. يعني أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بها كثير من الخلق. الأولى: فتنة القبور، لأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيمًا مبتدعًا، فآل بهم إلى الشرك، وهي أعظم الفتنتين، بل هي مبدأ الفتنة. الثانية: وهي فتنة التماثيل، أي: الصور، فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين وعظموها، وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها الصور للقصد الذي ذكره القرطبي، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ومن هي صورته من دون الله، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين كاللات وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم من الصالحين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب
[ ٢٦٨ ]
إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون سدًّا للذريعة. قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليط فيه.
وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه.
[لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد]
قال: ولهما عنها قالت: "لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا" ١ أخرجاه.
_________________
(١) ١ البخاري: الصلاة (٤٣٦)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤،٦/١٢١)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) .
[ ٢٦٩ ]
ش: هكذا ثبت في أول هذا الحديث "ولهما" وفي آخره: "أخرجاه" بخط المصنف، وأحد اللفظين يغني عن الآخر، لأن المراد صاحبا "الصحيحين".
قوله: (لما نزل) . هو بضم النون وكسر الزاي. أي: نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵈.
قوله: (طفق)، بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح، وبه جاء القرآن ومعناه: جعل.
قوله: (خميصة)، بفتح المعجمة كساء له أعلام.
قوله: (فإذا اغتم بها كشفها)، أي: إذا احتبس نفسه عن الخروج كشفها عن وجهه.
قوله: "لعن الله اليهود والنصارى" إلى آخره. لعنهم ﷺ على هذا الفعل بعينه وهو اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، أي: كنائس وبيع يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، فإنها هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم وإن لم يسمها من بناها مساجد. وفيه رد على من أجاز البناء على قبور العلماء والصالحين تمييزًا لهم عن غيرهم، فإذا كان ﷺ لعن من بنى المساجد على قبور الأنبياء، فكيف بمن بناها على قبور غيرهم؟!
قوله: "يحذر ما صنعوا". الظاهر أن هذا من كلام عائشة ﵂، أي: أن الرسول ﷺ لعن اليهود والنصارى على ذلك تحذيرًا لأمته أن تصنع ما صنعوا.
قال القرطبي: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام.
قوله: (ولولا ذاك)، أي: لولا تحذير النبي ﷺ ما صنعوا ولعن من فعل ذلك.
[ ٢٧٠ ]
قوله: (لأبرز قبره)، أي: لدفن خارج بيته ومنه الحديث: "كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس. أي: جالسًا خارج بيته" ١.
قوله: (غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا) . روي بفتح الخاء وضمها بالبناء للفاعل والمفعول، قالوا: فأما رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك، وأما رواية الضم، فيحتمل أن تكون عائشة هي التي خشيت كما في لفظ آخر، غير أني أخشى. أو هي ومن معها من الصحابة. قلت: وهذا أظهر. ورواية: غير أني أخشى، لا تخالفه.
قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره.
قلت: وفي الحديثين مسائل نبه المصنف على بعضها. منها: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدًا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل. ومنها: النهي عن التماثيل بتغليظ الأمر. ومنها: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. ومنها: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. ومنها: لعنه إياهم على ذلك. ومنها: مراده بذلك تحذيره إيانا عن قبره، ومنها: العلة في عدم إبراز قبره، ومنها: ما بلي به ﷺ من شدة النّزع.
قلت: ومنها التنبيه على علة تحريم ذلك، وعلة لعن من فعله.
[النهي عن اتخاذ القبور مساجد]
قال: ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن
_________________
(١) ١ أحمد (٦/٢٤٠) .
[ ٢٧١ ]
يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ١. فقد نهى عنه وهو في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- مَنْ فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجدًا، وهو معنى قوله: أخشى أن يتخذ مسجدًا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا. وكل موضع قُصِدَتِ الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصَلَّى فيه يُسَمَّى مسجدًا كما قال ﷺ "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ٢.
ش: قوله: عن جندب بن عبد الله. أي: ابن سفيان البجلي أبو عبد الله، وينسب إلى جده، صحابي مشهور مات بعد الستين.
قوله: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، أي: أمتنع من هذا وأنكره. والخليل: هو المحبوب غاية المحبة، مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خللًا
هذا هو الصحيح في معناه، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وغيرهم.
قال القرطبي: وإنما كان ذلك لأن قلبه ﷺ قد امتلأ من محبة الله، وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره.
قوله: "فإن الله قد اتخذني خليلًا". فيه التصريح بأن الخلة أكمل من المحبة قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد ﷺ حبيب الله، فمن جهلهم، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، قال: وقد أخبر النبي ﷺ أن الله قد اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن
_________________
(١) ١ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٢ البخاري: التيمم (٣٣٥)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١)، والنسائي: الغسل والتيمم (٤٣٢) والمساجد (٧٣٦)، وأحمد (٣/٣٠٤)، والدارمي: الصلاة (١٣٨٩) .
[ ٢٧٢ ]
الخطاب ﵃ وغيرهم. وأيضًا فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وفيه جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك.
قوله: "ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" ١. فيه دليل على أن الصِّدِّيق أفضل الصحابة، حيث صرح ﷺ أنه لو اتخذ خليلًا غير ربه، لاتخذ أبا بكر، فيه رد على الرافضة وعلى الجهمية الذين هم شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد قاتلهم الله، قاله المصنف. وفيه إشارة إلى خلافته، لأن من كانت محبته لشخص أشد، فهو أحق الناس بالنيابة عنه، لا سيما وقد قال ذلك في مرض موته، خصوصًا وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب لما صلى بهم عمر.
واسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة بإجماع من يعتد به من أهل السنة، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة.
قوله: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد )، إلى آخر الحديث. قال الخلخالي: وإنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا يخرج على وجهين، أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن.
قلت: (الحديث أعم من ذلك)، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها.
_________________
(١) ١ البخاري: المناقب (٣٦٥٦)، وأحمد (١/٢٧٠) .
[ ٢٧٣ ]
قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته)، أي: كما في حديث جندب.
قوله: (ثم إنه لعن) -وهو في السياق- من فعله، أي: كما في حديث عائشة.
قوله: (والصلاة عندها من ذلك)، وإن لم يبن مسجدًا، يعني: أن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، وإن لم يبن مسجدًا، فتحرم الصلاة في المقبرة وإلى القبور، بل لا تنعقد أصلًا لما في هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها، من لعن من اتخذها مساجد.
وروى مسلم عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" ١ وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" ٢. رواه أحمد وأهل السنن، وصححه ابن حبان والحاكم من طرق على شرط الشيخين، وفي "صحيح البخاري" أن: "عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر القبر". وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة ما نهاهم عنه نبيهم ﷺ من الصلاة عند القبور. وفعل أنس لا يدل على اعتقاد جوازه، فإنه لعله لم يره، ولم يعلم أنه قبر أو ذهل عنه، فلما نبهه عمر تنبه.
وفي هذا كله إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ، بل العلة في ذلك الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعباد ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ من الشرك، ويدل على
_________________
(١) ١ مسلم: الجنائز (٩٧٢)، والترمذي: الجنائز (١٠٥٠)، والنسائي: القبلة (٧٦٠)، وأبو داود: الجنائز (٣٢٢٩)، وأحمد (٤/١٣٥) . ٢ الترمذي: الصلاة (٣١٧)، وأبو داود: الصلاة (٤٩٢)، وابن ماجه: المساجد والجماعات (٧٤٥) .
[ ٢٧٤ ]
ذلك أن النبي ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون.
وقد لعن النبي ﷺ متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما هو لعن فاعله، لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبًا يوفض إليها المشركون كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها.
قال ابن القيم: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه، وذرائعه، وفهم عن الرسول ﷺ مقاصده جزم جزمًا لا يحتمل النقيض، أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتيه: صيغة: (لا تفعلوا) وصيغة: (إني أنهاكم) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه، أو عدم من تحقيق لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا التعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيمًا، وأشد فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر، ودخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية، وسلب خصائص الإلهية.
[ ٢٧٥ ]
قلت: وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعي وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق.
قوله: فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، أي: لما علموا من تشديده في ذلك وتغليظه، ولعن من فعله، فكيف يتخذون على قبره مسجدًا؟ وإنما خشوا أن يعتاده بعض الجهال للصلاة عنده، من غير شعور من الصحابة بذلك، فلذلك دفنوه في بيته.
قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا)، أي: وإن لم يبن مسجدًا. قوله: "بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا"، الظاهر أن الأول في الأمكنة المعدة للصلاة، وإن لم يبن فيها مسجدًا. وهذا في أي موضع صلي فيه، وإن لم يعد لذلك، كالمواضع التي يصلي فيها المسافر ونحو ذلك. فعلى هذا إذا صلى عند القبور ولو مرة واحدة وإن لم يكن هناك مسجد، فقد اتخذها مساجد.
قوله: كما قال ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ١ أي: فسمى الأرض مسجدًا، وليست مسجدًا مبنيًّا، لكن لما كان يسجد فيها سميت مسجدًا. فدل هذا الحديث أن من صلى عند القبور أو إليها فقد اتخذها مساجد. وهذا الحديث طرف من حديث صحيح متفق عليه عن جابر.
قال البغوي في "شرح السنة": أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، وأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفًا عليهم وتيسيرًا، ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس.
وقوله: (طهورا) . أراد به التيمم. وفي حديث جندب من الفوائد أيضًا، العبرة في مبالغته ﷺ في النهي عن بناء المساجد على القبور، كيف بيّن لهم ذلك أولًا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في النّزع لم يكتف بما تقدم، بل
_________________
(١) ١ البخاري: التيمم (٣٣٥)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١)، والنسائي: الغسل والتيمم (٤٣٢) والمساجد (٧٣٦)، وأحمد (٣/٣٠٤)، والدارمي: الصلاة (١٣٨٩) .
[ ٢٧٦ ]
لعن من فعل ذلك. فدلت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة على تحريم البناء على القبور مطلقًا، فلذلك اكتفى المصنف بإيرادها عن غيرها، كحديث جابر أن النبي ﷺ نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه مسلم وغيره وزاد أبو داود والحاكم: وأن يكتب عليه.
[شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد]
قال: ولأحمد بسند جيد، عن ابن مسعود مرفوعًا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ١ رواه أبو حاتم [وابن حبان] في " صحيحه".
ش: قوله: "إن من شرار الناس". هو بكسر الشين جمع شر.
قوله: "من تدركهم الساعة وهم أحياء". أي: من تقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ في الصور وهم أحياء، وهذا كحديثه الآخر الذي في مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق".
فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين حديث ثوبان: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق" ٢. وما في معناه.
قيل: حديث ثوبان مستغرق للأزمنة، عامّ فيها، وهذا مخصص وسيأتي زيادة لذلك عند الكلام على حديث ثوبان إن شاء الله تعالى.
قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد". "الذين" في محل نصب عطفًا على "من" الموصولة، أي: إن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها. وهذا المعنى متواتر عن النبي ﷺ معلوم بالاضطرار من دينه. وكل ذلك شفقة على الأمة وخوفًا عليهم أن يقودهم ذلك إلى الشرك بها وبأصحابها، كما قاد إلى ذلك اليهود والنصارى. فأبى عباد القبور إلا الضرب بهذه الأحاديث الجدار ونبذها وراء الظهر، أو الدفع في
_________________
(١) ١ ابن ماجه: الفتن (٤٠١٩) . ٢ الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٥٨)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٤) .
[ ٢٧٧ ]
صدورها وأعجازها بحمل ذلك على غير قبور الأنبياء والصالحين. أما قبورهم فتجوز الصلاة إليها وعندها، وبناء المساجد والقباب عليها رجاء أن تصل إليهم العواطف الروحانية. ولا ريب أن هذا مراغمة ومحادة لله ورسوله، وهذا هو قول اليهود: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة، النساء]، فإن النبي ﷺ إنما لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، كما هو نص حديث عائشة ﵂ وغيره، وقبور غيرهم إنما أخذ النهي عن البناء عليها من هذه الأحاديث ونحوها بقياس الأولى، أو من عموم أحاديث أخر، فمن أعظم المراغمة والمناصبة والمحادة لله ورسوله، أن تحمل على غير ما وردت فيه، ويباح ما وردت بالنهي عنه، ولعن من فعله، ولكن هذا شأن عباد القبور ﴿أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد. ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقًا، وإما في المملوكة.
قال الإمام أبو محمد بن قدامة: "ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها".
وقال شيخ الإسلام: "أما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي، بتحريمه. قال: ولا ريب في
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ٥٠.
[ ٢٧٨ ]
القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك. إلى أن قال: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، أو الملوك وغيرهم، تتعين إزالتها بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين".
وقال ابن القيم: "يجب هدم القباب التي على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ". وقال أبو حفص: "تحرم الحجرة بل تهدم. فإذا كان هذا كلامه في الحجرة فكيف بالقبة". وقال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس". وقال أيضًا: "تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع، وتكون على وجه الأرض. وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم ابن الجميزي والظهير التزمنْتِي وغيرهما". وقال القاضي ابن كج: "ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة". وقال الأذرعي: "وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال الكثيرة، فلا ريب في تحريمه".
قلت: وجزم النووي في "شرح المهذب" بتحريم البناء مطلقًا، وذكر في "شرح مسلم" نحوه أيضًا. وقال القرطبي في حديث جابر: "نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه، وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة، واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعبد القبور ويعظمها، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النص ينبغي أن يقال: هو حرام كما قال به بعض أهل العلم". وقال ابن رشد: "كره مالك البناء على القبر، وجعل البلاطة المكتوبة، وهو من بدع أهل الطول، أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة،
[ ٢٧٩ ]
وهو مما لا اختلاف فيه". وقال الزيلعي في "شرح الكنْز": "ويكره أن يبنى على القبر. وفي "الخلاصة" ولا يجصص القبر ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء". وذكر أيضًا قاضي خان "أنه لا يجصص القبر، ولا يبنى عليه، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص وعن البناء فوق القبر، والمراد بالكراهة عند الحنفية كراهة التحريم التي هي في مقابلة ترك الواجب". وقد ذكر ذلك ابن نجيم في "شرح الكنْز". "ومثل هذا كثير في كلام العلماء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، والمقصود أن كلام العلماء موافق لما دلت عليه السنة الصحيحة في النهي عن البناء على القبور".
واعلم أنه قد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها على التفصيل إلا الله، ما يغضب من أجله كل من في قلبه رائحة إيمان، كما نبه عليه ابن القيم وغيره.
فمنها: اعتيادها للصلاة عندها، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
ومنها: تحري الدعاء عندها. ويقولون: من دعا الله عند قبر فلان استجاب له، وقبر فلان الترياق المجرب، وهذا بدعة منكرة.
ومنها: ظنهم أن لها خصوصيات بأنفسها في دفع البلاء وجلب النعماء. ويقولون: إن البلاء يدفع عن أهل البلدان بقبور من فيها من الصالحين، ولا ريب أن هذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع. فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله، فلما عصوا الرسول وخالفوا ما أمرهم الله به، سلط الله عليهم من انتقم منهم. وكذلك أهل المدينة لما تغيروا بعض التغير، جرى عليهم عام الحرة من النهب والقتل وغير ذلك
[ ٢٨٠ ]
من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر.
ومنها: الدخول في لعن رسول الله ﷺ باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها.
ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد، كما هو الواقع، ودين الله بضد ذلك.
ومنها: اجتماعهم لزيارتها واختلاط النساء بالرجال، وما يقع في ضمن ذلك من الفواحش وترك الصلوات، ويزعمون أن صاحب التربة تَحَمَّلَهَا عنهم، بل اشتهر أن البغايا يسقطن أجرتهن على البغاء في أيام زيارة المشايخ، كالبدوي وغيره تقربًا إلى الله بذلك، فهل بعد هذا في الكفر غاية؟
ومنها: كسوتها بالثياب النفيسة المنسوجة بالحرير والذهب والفضة ونحو ذلك.
ومنها: جعل الخزائن والأموال ووقف الوقوف لما يحتاج إليه من ترميمها ونحو ذلك.
ومنها: إهداء الأموال ونذر النذور لسدنتها العاكفين عليها الذين هم أصل كل بلية وكفر، فإنهم الذين يكذبون على الجهال والطغام بأن فلانًا دعا صاحب التربة فأجابه، واستغاثه فأغاثه، ومرادهم بذلك تكثير النذر والهدايا لهم.
ومنها: جعل السدنة لها كسدنة عباد الأصنام.
ومنها: الإقسام على الله في الدعاء بالمدفون فيها.
ومنها: أن كثيرًا من الزوار إذا رأى البناء الذي على قبر صاحب التربة سجد له. ولا ريب أن هذا كفر بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هذا هو عبادة الأوثان، لأن السجود للقبة عبادة لها، وهو من جنس عبادة النصارى للصور التي في كنائسهم على صور من يعبدونه بزعمهم الباطل، فإنهم عبدوها ومن هي صورته، وكذلك
[ ٢٨١ ]
عباد القبور لما بنوا القباب على القبور آل بهم إلى أن عبدت القباب ومن بنيت عليه من دون الله ﷿.
ومنها: النذر للمدفون فيها، وفرض نصيب من المال والولد، وهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ﴾ ١. بل هذا أبلغ فإن المشركين ما كانوا يبيعون أولادهم لأوثانهم.
ومنها: أن المدفون فيها أعظم في قلوب عباد القبور من الله وأخوف، ولهذا لو طلبت من أحدهم اليمين بالله تعالى أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبًا أو صادقًا، وإذا طلبت بصاحب التربة لم يقدم إن كان كاذبًا. ولا ريب أن عباد الأوثان ما بلغ شركهم إلى هذا الحد، بل كانوا إذا أرادوا تغليظ اليمين، غلظوها بالله كما في قصة القسامة وغيرها.
ومنها: سؤال الميت قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والإخلاص له من دون الله في أكثر الحالات.
ومنها: التضرع عند مصارع الأموات والبكاء بالهيبة والخشوع لمن فيها أعظم مما يفعلونه مع الله في المساجد والصلوات.
ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله وهي المساجد، فيعتقدون أن العبادة والعكوف فيها أفضل من العبادة والعكوف في المساجد، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين، فإنهم يعظمون المسجد الحرام أعظم من بيوت الأصنام يرون فضله عليها، وهؤلاء يرون العكوف في المشاهد أفضل من العكوف في المساجد.
ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ في زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة، كما قال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" ٢. والإحسان إلى المزور بالترحم عليه، والدعاء له
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٣٦. ٢ ابن ماجه: ما جاء في الجنائز (١٥٦٩) .
[ ٢٨٢ ]
والاستغفار، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب عباد القبور الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم ونصرهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله من الدعاء والترحم عليه والاستغفار له.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله عباد القبور بها، فإنه يؤذيهم ما يفعلونه عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعله النصارى، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١.
ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكبير، والإثم العظيم، وكل هذه المفاسد العظيمة وغيرها مما لم يذكر، إنما حدثت بسبب البناء على القبور، ولهذا تجد القبور التي ليس عليها قباب لا يأتيها أحد ولا يعتادها لشيء مما ذكر إلا ما شاء الله، وصاحب الشرع أعلم بما يؤول إليه هذا الأمر، فلذلك غلظ فيه وأبدأ وأعاد، ولعن من فعله، فالخير والهدى في طاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته. والعجب ممن يشاهد هذه المفاسد العظيمة عند القبور، ثم يظن أن النبي ﷺ إنما نهى عن اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، كما يظنه بعض متأخري الفقهاء، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر المجازر والحشوش بل ذكر التحرز من البول والغائط أولى. وإنما ذلك لأجل نجاسة الشرك التي وقعت من عباد
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف آية: ٥-٦.
[ ٢٨٣ ]
القبور لما خالفوا ذلك ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون.
[ ٢٨٤ ]