وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٣.
قال العماد ابن كثير: "وهذا مما يأمر الله تعالى به، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة. ولهذا
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ٩١. ٢ مسلم: الجهاد والسير (١٧٣١)، والترمذي: الديات (١٤٠٨) والسير (١٦١٧)، وأبو داود: الجهاد (٢٦١٣)، وابن ماجه: الجهاد (٢٨٥٨)، وأحمد (٥/٣٥٢،٥/٣٥٨)، والدارمي: السير (٢٤٣٩) . ٣ سورة النحل آية: ٩١.
[ ٦٢٢ ]
قال: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ١. ولا تعارض بين هذا وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ ٢. وبين قوله ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ٣، أي: لا تتركوها بلا تكفير. وبين قوله ﷺ في"الصحيحين": "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني" ٤. لا تعارض بين هذا كله وبين الآية المذكورة هنا وهي: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ٥؛ لأن هذه الأيمان المراد بها: الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع، ولهذا قال مجاهد في الآية: يعني: الحلف أي: حلف الجاهلية.
ويؤيده ما رواه الإمام احمد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" ٦. وكذا رواه مسلم، ومعناه: أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام حماية كفاية عما كانوا فيه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٧، تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ٩١. ٢ سورة البقرة آية: ٢٢٤. ٣ سورة المائدة آية: ٨٩. ٤ البخاري: الأيمان والنذور (٦٦٨٠)، ومسلم: الأيمان (١٦٤٩)، وابن ماجه: الكفارات (٢١٠٧)، وأحمد (٤/٤٠١،٤/٤٠٤،٤/٤١٨) . ٥ سورة النحل آية: ٩١. ٦ مسلم: فضائل الصحابة (٢٥٣٠)، وأبو داود: الفرائض (٢٩٢٥)، وأحمد (٤/٨٣) . ٧ سورة النحل آية: ٩١.
[ ٦٢٣ ]
قوله:"عن بريدة"، هو ابن الحصيب الأسلمي. وهذا الحديث من رواية ابنه سليمان عنه. قاله في"المفهم".
قوله:"قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى"، فيه من الفقه: تأمير الأمراء، ووصيتهم. قال الحربي: السرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها. والجيش: ما كان أكثر من ذلك. وتقوى الله: التحرز بطاعته من عقوبته. قلت: وذلك بالعمل بما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه.
قوله:"ومن معه من المسلمين خيرًا"، أي: ووصاه بمن منهم أن يفعل معهم خيرًا; من الرفق بهم، والإحسان إليهم، وخفض الجناح لهم، وترك التعاظم عليهم.
وقوله:"اغزوا باسم الله"، أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله مخلصين له.
قلت: فتكون الباء في"باسم الله" هنا للاستعانة، والتوكل على الله.
قوله:"قاتلوا من كفر بالله"، هذا العموم يشمل جميع أهل
[ ٦٢٤ ]
الكفر المحاربين وغيرهم، وقد خصص منهم من له عهد، والرهبان والنسوان، ومن لم يبلغ الحلم، وقد قال متصلًا به "ولا تقتلوا وليدًا"، وإنما نهى عن قتل الرهبان والنسوان، لأنه لا يكون منها قتال غالبًا، وإن كان منهم قتال أو تدبير قتلوا.
قلت: وكذلك الذراري والأولاد.
قوله:"ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا"، الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها. والغدر: نقض العهد. والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل، كقطع أنفه وأذنه والعبث به. ولا خلاف في تحريم الغلول والغدر، وفي كراهية المثلة.
قوله:"وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال - أو خصال"، الرواية بأل للشك وهو من بعض الرواة، ومعنى الخلال والخصال واحد.
قوله:"فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم"، قيدناه عمن يوثق بعلمه وتقييده بنصب"أيتهن"على أن يعمل فيها"أجابوك"لا على إسقاط حرف الجر. و"ما"زائدة. ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: جئتك إلى كذا وفي كذا، فيعدى إلى الثاني بحرف الجر.
قلت: فيكون في ناصب"أيتهن"وجهان: ذكرهما الشارح. الأول: منصوب على الاشتغال. والثاني: على نزع الخافض.
قوله:"ثم ادعهم إلى الإسلام"، كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم"ثم ادعهم"بزيادة"ثم"والصواب إسقاطها. كما روي في غير كتاب مسلم. كمصنف أبي داود، وكتاب الأموال لأبي عبيد; لأن ذلك هو ابتداء تفسير الثلاث الخصال.
وقوله:"ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين"، يعني المدينة. وكان في أول الأمر وجوب الهجرة إلى المدينة
[ ٦٢٥ ]
على كل من دخل في الإسلام، وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرهم.
قوله:"فإن أبوا أن يتحولوا"، يعني: أن من أسلم ولم يهاجر ولم يجاهد لا يعطى من الخمس ولا من الفيء شيئًا. وقد أخذ الشافعي ﵀ بالحديث في الأعراب، فلم ير لهم من الفيء شيئًا، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم فترد على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة عنده، ومصرف كل مال في أهله. وسوى مالك ﵀ وأبو حنيفة رحمهما الله بين المالين، وجوزا صرفهما للضعيف.
قوله:"فإن هم أبوا فاسألهم الجزية"، فيه حجة لمالك وأصحابه، والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر، عربيًا كان أو غيره، كتابيًا كان أو غيره. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنها تؤخذ من الجميع، إلا من مشركي العرب ومجوسهم. وقال الشافعي: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، عربًا كانوا أو عجمًا، وهو قول الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، وتؤخذ من المجوس.
قلت: لأن النبي ﷺ أخذها منهم، وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
وقد اختلفوا في القدر المفروض من الجزية، فقال مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الورِق، وهل ينقص منها الضعيف أو لا؟ قولان. وقال الشافعي: فيه دينار على الغني والفقير، وقال أبو حنيفة ﵀، والكوفيون: على الغني ثمانية وأربعون درهمًا، والوسط أربعة وعشرون درهمًا، والفقير اثنا عشر درهمًا وهو قول أحمد بن حنبل ﵀.
قال يحيى بن يوسف الصرصري الحنبلي ﵀:
وقاتل يهودًا والنصارى وعصبة ال مجوس فإن هم سلموا الجزية اصدد.
على الأدون اثني عشر درهمًا افرضن وأربعة منبعد عشر ينزيّد.
لأوسطهم حالًا، ومن كان موسرًا ثمانية مع أربعين لتنقد
[ ٦٢٦ ]
وتسقط عن صبيانهم ونسائهم وشيخ لهم فانٍ وأعمى ومقعد
وذي الفقر والمجنون أو عبد مسلم ومن وجبت منهم عليه فيهتدي
وعند مالك وكافة العلماء على الرجال الأحرار البالغين العقلاء دون غيرهم، وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره ويجب تحويلهم إلى بلاد المسلمين أو حربهم.
وقوله:"وإذا حاصرت أهل حصن"، الكلام إلى آخره فيه حجة لمن يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره، ووجه الاستدلال به: أنه ﷺ قد نص على أن الله تعالى قد حكم حكمًا معينًا في المجتهدات، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه فهو المخطئ.
قوله:"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه "، الحديث. الذمة: العهد، وتخفر: تنقض. يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء للعهد، كجملة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد معتد، كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله تعالى. والله أعلم.
قوله:"وقول نافع وقد سئل عن الدعوة قبل القتال"، ذكر فيه: أن مذهب مالك يجمع فيه بين الأحاديث في الدعوة قبل القتال. قال: وهو أن مالكًا قال: لا يقاتل الكفار قبل أن يدعوا، ولا تلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تلتمس غرتهم.
وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح، لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين، فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببًا مميلًا لهم إلى الانقياد إلى الحق، بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد
[ ٦٢٧ ]
يظنون أنهم يقاتلون للملك وللدنيا فيزيدون عتوًّا وبغضًا. والله أعلم.
[ ٦٢٨ ]