أي: ولا عذاب. وتحقيق التوحيد: هو معرفته، والاطلاع على حقيقته، والقيام بها علمًا وعملًا، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلًا، ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة، وتعظيمًا وعبادة. وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله؟ وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود.
وما أحسن ما قال ابن القيم:
فلِواحِدٍ كن واحدًا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان
وذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
قوله: وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى وصف إبراهيم ﵇ في هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيبًا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية فاتباع الأوامر، وترك النواهي، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇.
الأولى: أنه ﴿كَانَ أُمَّةً﴾، أي: قدوة وإمامًا معلمًا للخير، وإمامًا يقتدى به. روي معناه عن ابن مسعود. وما كان كذلك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين اللذين بهما تنال الإمامة في الدين.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ١٢٠.
[ ٧٤ ]
كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١.
الثانية: أنه كان ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾، أي: خاشعًا مطيعًا، دائمًا على عبادته وطاعته كما قال شيخ الإسلام: القنوت في اللغة: دوام الطاعة. والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده، فهو قانت في ذلك كله. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٢ فجعله قانتًا في حال السجود والقيام. انتهى.
فوصفه في هاتين الصفتين بتحقيق العبودية في نفسه أولًا علمًا وعملًا. وثانيا: دعوة وتعليمًا واقتداء به، وما كان يقتدى به إلا لعمله به في نفسه، ووصفه في الثانية بالاستقامة على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. فتضمنت العلم والعمل والاستقامة والدعوة.
الدعوة الثالثة: أنه كان حنيفًا، والحنف الميل، أي: مائلًا منحرفًا قصدًا عن الشرك كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
الرابعة: أنه ما كان من المشركين. أي: هو موحد خالص من شوائب الشرك مطلقًا، فنفى عنه الشرك - على أبلغ وجوه النفي، بحيث لا ينسب إليه شرك وإن قل ـ، تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇.
وقال المصنف في الكلام على هذه الآية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ٦، لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ ٧، لا للملوك ولا للتجار المترفين ﴿حَنِيفًا﴾ لا يميل يمينًا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٨ خلافا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين. قلت: وهو من
_________________
(١) ١ سورة السجدة آية: ٢٤. ٢ سورة الزمر آية: ٩. ٣ سورة فصلت آية: ٣٣. ٤ سورة الأنعام آية: ٧٩. ٥ سورة الروم آية: ٣٠. ٦ سورة النحل آية: ١٢٠. ٧ سورة النحل آية: ١٢٠. ٨ سورة النحل آية: ١٢٠.
[ ٧٥ ]
أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، لكنه ينبه بالأدنى على الأعلى.
وقوله: لئلا يستوحش. تنبيه على بعض معنى الآية، وهو المنفرد وحده في الخير. وقد روى يابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا﴾ ١، كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتا﴾ ٢، ولا تنافي بينه وبين كلام ابن مسعود المتقدم.
قوله: وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى الجنات بصفات، أعظمها الثناء عليهم بأنهم ﴿بربهم لا يشركون﴾، أي: شيئا من الشرك في وقت من الأوقات فإن الإيمان النافع مطلقًا لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقًا. ولما كان المؤمن قد يعرض له ما يقدح في إيمانه من شرك جلي أو خفي، نفى عنهم ذلك، ومن كان كذلك فقد بلغ من تحقيق التوحيد النهاية، وفاز بأعظم التجارة، ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
قال ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد، لم يتخذ ﴿صاحبة ولا ولدًا﴾ وأنه لا نظير له.
[صفات المتوكلين الذين يدخلون الجنة بغير حساب]
قال عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم، قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "٥.فقال: قد أحسن من انتهى إِلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ١٢٠. ٢ سورة النحل آية: ١٢٠. ٣ سورة المؤمنون آية: ٥٩. ٤ سورة المؤمنون آية: ٥٩. ٥ مسلم: الإيمان (٢٢٠)، وأحمد (١/٢٧١) .
[ ٧٦ ]
والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منْزله فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال. سبقك بها عكاشة ".
ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرًا ومطولًا. ومسلم واللفظ له، والترمذي، والنسائي.
قوله: (عن حصين بن عبد الرحمن)، هو: السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة، تغير حفظه في الآخر، مات سنة ست وثلاثين ومائه، وله ثلاث وتسعون سنة. وسعيد بن جبير هو الإمام الفقيه من جلة أصحاب ابن عباس، روايته عن عائشة، وأبي موسى مرسلة، وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين.
قوله: (انقض) هو بالقاف والضاد المعجمة، أي: سقط. والبارحة هي أقرب ليلة مضت. قال أبو العباس ثعلب: يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهكذا قال غيره، وهي مشتقة من برح: إذا زال.
قوله: (أما إني لم أكن في صلاة) . القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه ما رأى النجم إلا لأنه يصلي، فأراد أن ينفي عن نفسه إيهام العبادة، وأنه يصلي مع أنه لم يكن فعل ذلك، وهذا يدل
[ ٧٧ ]
على فضل السلف الصالح وحرصهم على الإخلاص، وشدة ابتعادهم عن الرياء بخلاف من يقول: فعلت وفعلت ليوهم الأغمار أنه من الأولياء، وربما علق السبحة في عنقه، أو أخذها في يده يمشي بها بين الناس إعلامًا للناس أنه يسبح عدد ما فيها من الخرز.
وقد قال الإمام محمد بن وضاح: حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة [معها تسبيح] تسبح به فقطعه وألقاها، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد جئتم ببدعة ظلمًا، أو: لقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علمًا؟!.
قوله: (ولكني لُدغْتُ) . هو بضم أوله وكسر ثانيه مبني لما لم يسم فاعله، أي: لدغته عقرب أو نحوها.
قوله: (قلت: ارتقيت)، لفظ مسلم: استرقيت، أي: طلبت من يرقيني
قوله: (فما حمله على ذلك؟)، فيه طلب الحجة على صحة المذهب.
قوله: (حديث حدثناه الشعبي)، أي: حملني عليه حديث حدثناه الشعبي، واسمه عامر بن شرحبيل الهمداني - بسكون الميم - الشعبي، ولد في خلافة عمر وهو من ثقات التابعين وحفاظهم وفقهائهم، مات سنة ثلاثة ومائة.
قوله: (عن بريدة) - بضم أوله وفتح ثانيه - تصغير بردة - بن الحصيب - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين - ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي، صحابي شهير. مات سنة ثلاث وستين. قاله ابن سعد.
قوله: " لا رقية إلا من عين أو حمة "١. هكذا روي هنا موقوفًا، وقد رواه أحمد وابن ماجة عنه مرفوعًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعًا. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات.
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (٢٢٠)، وأحمد (١/٢٧١) .
[ ٧٨ ]
والعين: هي إصابة العائن غيره بعينه، والحمة - بضم المهملة وتخفيف الميم - سم العقرب وشبهها.
قال الخطابي: ومعنى الحديث: "لا رقية أشفى أو أولى من رقية العين والحمة" وقد رقى النبي ﷺ ورقي ". قلت: وسيأتي ما يتعلق بالرقى إن شاء الله تعالى.
قوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع)، أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن، لأنه أدى ما وجب وعمل بما بلغه من العلم، بخلاف من يعمل بجهل أو لا يعمل بما يعلم فإنه مسيء آثم
وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم وهديهم وتلطفهم في تبليغ العلم، وإرشادهم من أخذ بشيء - إن كان مشروعًا - إلى ما هو أفضل منه، وأن من عمل بما بلغه عن الله وعن رسوله فقد أحسن، ولا يتوقف العمل به على معرفة كلام أهل المذاهب أو غيرهم.
قوله: (ولكن حدثنا ابن عباس) . هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم النبي ﷺ دعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ١. فكان كذلك. قال عمر: "لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد"، أي: ما بلغ عشره في العلم، مات بالطائف سنة ثمان وستين.
قال المصنف: فيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
قوله: (عرضت على الأمم) . وفي رواية الترمذي والنسائي من رواية عَبْثَر بن القاسم، عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: لما أسري بالنبي ﷺ جعل يمر بالنبي ومعه الواحد.
قال الحافظ: فإن كان ذلك محفوظًا، كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد
_________________
(١) ١ أحمد (١/٢٦٦) .
[ ٧٩ ]
الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضًا غير الذي وقع بمكة، كذا قال، وليس بظاهر، بل قد يكون رأى ذلك ليلة الإسراء ولم يحدث به إلا في المدينة. وليس في الحديث ما يدل على أنه حدث به قريبًا من العرض عليه.
قوله: (فرأيت النبي ومعه الرهط): هو الجماعة دون العشرة، قاله النووي.
قوله: (والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد) . فيه أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، وأن بعضهم لا يتبعه أحد، وفيه الرد على من احتج بالأكثر، وزعم أن الحق محصور فيهم، وليس كذلك، بل الواجب اتباع الكتاب والسنة مع من كان وأين كان.
قوله: (إذ رفع لي سواد عظيم) . السواد: ضد البياض، والمراد هنا: الشخص الذي يرى من بعيد، أي: رفع لي أشخاص كثيرة.
قوله: فظننت أنهم أمتي. استشكل الإسماعيلي كونه ﷺ لم يعرف أمته حتى ظن أنهم أمة موسى ﵇ ; وقد ثبت حديث أبي هريرة: "كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ فقال: إنهم غر محجلون من أثر الوضوء" ١.
وأجاب بأن الأشخاص التي رآها في الأفق لا يدرك منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم. وأما ما في حديث أبي هريرة فمحمول على ما إذا قربوا منه، ذكره الحافظ.
قوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه)، أي: موسى بن عمران، كليم الرحمن، وقومه: الذين اتبعوه وفيه فضيلة موسى وقومه.
قوله: (فنظرت فإذا سواد عظيم) . لفظ مسلم - بعد قوله: هذا موسى وقومه ـ، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك.
قوله: (ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب)، أي: لتحقيقهم التوحيد.
_________________
(١) ١ ابن ماجه: الطهارة وسننها (٢٨٤)، وأحمد (١/٤٠٣،١/٤٥٣) .
[ ٨٠ ]
قال الحافظ: المراد بالمعية المعنوية، فإن السبعين ألفًا المذكورين من جملة أمته، لكن لم يكونوا في الذين عرضوا إذ ذاك، فأريد الزيادة في تكثير أمته بإضافة السبعين ألفًا إليهم. قلت: وما قاله ليس بظاهر
فإن في رواية ابن فضيل: "ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفًا". وقد ورد في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وصف السبعين ألفًا بأنهم تضيء وجوهم إضاءة القمر ليلة البدر.
وفيهما عنه مرفوعًا: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة " ١. وجاء في أحاديث أخر أن مع السبعين ألفًا زيادة عليهم، فروى أحمد والبيهقي في البعث حديث أبي هريرة في السبعين ألفًا فذكره وزاد. قال: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا " ٢. قال الحافظ: وسنده جيد.
وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند [ابن] أبي عاصم قال: فهذه طرق يقوي بعضها بعضًا. قال: وجاء في أحاديث أخر أكثر من ذلك، فأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن حبان في "صحيحه " من حديث أبي أمامة رفعه " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين كذا ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي " ٣.
وروى أحمد وأبو يعلى من حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿ فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا " ٤.قال الحافظ: وفي سنده راويان: أحدهما: ضعيف الحفظ والآخر لم يسمّ) .
قلت: وفيه أن كل أمة تحشر مع نبيها.
قوله: (ثم نهض)، أي: قام.
_________________
(١) ١ البخاري: بدء الخلق (٣٢٥٤)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣٤)، والترمذي: صفة الجنة (٢٥٣٧)، وابن ماجه: الزهد (٤٣٣٣)، وأحمد (٢/٢٣٠،٢/٢٣١،٢/٢٤٧،٢/٢٥٣،٢/٢٥٧،٢/٣١٦،٢/٤٧٣،٢/٥٠٢،٢/٥٠٤،٢/٥٠٧)، والدارمي: الرقاق (٢٨٢٣) . ٢ أحمد (٢/٣٥٩) . ٣ الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٣٧)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٨٦)، وأحمد (٥/٢٥٠،٥/٢٦٨) . ٤ أحمد (١/٦) .
[ ٨١ ]
قوله: (فخاض الناس في أولئك) . قال النووي هو بالخاء والضاد المعجمتين، أي: تكلموا وتناظروا.
قال: وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق.
وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعملٍ، وفيه حرصهم على الخير; ذكره المصنف.
قوله: فقال " هم الذين لا يسترقون ". هكذا ثبت في "الصحيحين" وفي رواية مسلم التي ساقها المصنف هنا زيادة: "ولا يرقون"، وكأن المصنف اختصرها - كغيرها - لما قيل: إنها معلولة.
قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ: لا يرقون، لأن الراقي محسن إلى أخيه. وقد قال ﷺ وقد سئل عن الرقى - قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" ١ وقال: "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا" ٢. قال: وأيضا فقد "رقى جبريل النبي ﷺ "، "ورقى النبي ﷺ أصحابه" ٣.
قال: والفرق بين الراقي والمسترقي في أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن. قال: وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون. وكذا قال ابن القيم; ولكن اعترضه بعضهم بأن قال: تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه.
والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المرقى، لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال: والذي يفعل به غيره ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل ﵇ دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي ﷺ له أيضًا دلالة؛ لأنّه في مقام التشريع، وتبيين الأحكام كذا قال هذا القائل وهو خطأ من وجوه:
الأول: أن هذه الزيادة لا يمكن تصحيحها إلا بحملها على وجوه لا يصح حملها عليها كقول بعضهم: المراد لا يرقون بما كان شركًا أو
_________________
(١) ١ مسلم: السلام (٢١٩٩) . ٢ مسلم: السلام (٢٢٠٠)، وأبو داود: الطب (٣٨٨٦) . ٣ البخاري: الطب (٥٧٤٦)، ومسلم: السلام (٢١٩٤)، وأبو داود: الطب (٣٨٩٥)، وابن ماجه: الطب (٣٥٢١)، وأحمد (٦/٩٣) .
[ ٨٢ ]
احتمله فإنه ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلا. وأيضًا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية على غيره; فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا.
الثاني: قوله: (فكذا يقال ) إلخ لا يصح هذا القياس، فإنه من أفسد القياس وكيف يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل؟! مع أنه قياس مع وجود الفارق الشرعي، فهو فاسد الاعتبار، لأنه تسوية بين ما فرق الشارع بينهما بقوله: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" ١. رواه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة، وصححه ابن حبان والحاكم أيضًا. وكيف يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببًا للسبق إلى الجنان؟! وهذا بخلاف من رقى أو رقي من غير سؤال، فقد رقى جبريل النبي ﷺ. ولا يجوز أن يقال: إنه ﵇ لم يكن متوكلًا في تلك الحال.
الثالث: قوله: (ليس في وقوع ذلك من جبريل ﵇ ) إلخ، كلام غير صحيح بل هما سيدا المتوكلين، فإذا وقع ذلك منهما، دل على أنه لا ينافي التوكل فاعلم ذلك.
قوله: "ولا يكتوون"، أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم استسلامًا للقضاء وتلذذًا بالبلاء.
أما الكي في نفسه، فجائز كما في " الصحيح " عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ بعث إلي أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه" ٢. وفي " صحيح البخاري " عن أنس: "أنه كوي من ذات الجنب والنبي ﷺ حي" ٣.
وروى الترمذي وغيره عن أنس: "أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" ٤. وفي " صحيح البخاري "عن ابن عباس مرفوعًا: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار. وأنا أنهى عن الكي" ٥. وفي لفظ: "وما أحب أن أكتوي" ٦.
_________________
(١) ١ الترمذي: الصلاة (٣٢٠)، والنسائي: الجنائز (٢٠٤٣)، وأبو داود: الجنائز (٣٢٣٦)، وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (١٥٧٥)، وأحمد (١/٢٢٩،١/٢٨٧،١/٣٢٤،١/٣٣٧) . ٢ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٣ البخاري: الطب (٥٧٢١) . ٤ البخاري: المرضى (٥٦٧٣)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٨١٦)، وأحمد (٢/٢٥٦،٢/٢٦٤،٢/٣٢٦،٢/٣٨٥،٢/٣٩٠،٢/٤٦٩،٢/٤٧٣،٢/٥٢٤) . ٥ الترمذي: السير (١٦٠٤)، والنسائي: القسامة (٤٧٨٠)، وأبو داود: الجهاد (٢٦٤٥) . ٦ البخاري: الصلاة (٤٣٤)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٨)، والنسائي: المساجد (٧٠٤)، وأحمد (٦/٥١) .
[ ٨٣ ]
قال ابن القيم: فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع. أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه. ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركيه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهية.
قوله: "ولا يتطيرون"، أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وسيأتي بيان الطيرة وما يتعلق بها في بابها إن شاء الله تعالى.
قوله: "وعلى ربهم يتوكلون"١. ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه الذي هو خلاصة التفريد، ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء، والرضى به ربًا وإلهًا، والرضى بقضائه، بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء، وعده من النعماء، فسبحان من يتفضل على من يشاء بما يشاء، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، [البقرة، من الآية: ١٠٥] .
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا كما يظنه الجهلة، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢، أي: كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببا مكروهًا، لاسيما والمريض - يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه - بخيط العنكبوت أما نفس مباشرة الأسباب، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا؟ في " الصحيحين "
_________________
(١) ١ البخاري: الطب (٥٧٥٢)، ومسلم: الإيمان (٢٢٠)، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٤٦)، وأحمد (١/٢٧١) . ٢ سورة الطلاق آية: ٣.
[ ٨٤ ]
عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" ١.
وعن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تَدَاوَوا، فإن الله ﷿ لم يضع داءً إلا وضع له شفاء، غير داء واحد قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" ٢. رواه أحمد.
قال ابن القيم: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطشى والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للأمر والحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا.
وقد اختلف العلماء في التداوي، هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟ فالمشهور عن أحمد الأول لهذا الحديث وما في معناه،
ولكن على ما تقدم لا يتم الاستدلال به على ذلك، والمشهور عند الشافعي الثاني، حتى ذكر النووي في " شرح مسلم " أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف. واختاره الوزير أبو المظفر.
قال: ومذهب أبو حنيفة أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه.
وقال شيخ الإسلام: ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد.
قوله: (فقام إليه عكاشة بن محصن) . بضم العين وتشديد الكاف
_________________
(١) ١ البخاري: الطب (٥٦٧٨)، وابن ماجه: الطب (٣٤٣٩) . ٢ الترمذي: الطب (٢٠٣٨)، وأبو داود: الطب (٣٨٥٥)، وابن ماجه: الطب (٣٤٣٦) .
[ ٨٥ ]
ويجوز تخفيفها. ومحصن بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الصاد المهملتين - ابن حرثان- بضم المهملة وسكون الراء وبعدها مثلثة- الأسدي من بني أسد بن خزيمة ومنه خلفاء بني أمية، كان من السابقين إلى الإسلام، ومن أجمل الرجال - هاجر وشهد بدرا وقاتل فيها. قال ابن إسحاق: وبلغني أن النبي ﷺ قال:- "خير فارس في العرب عكاشة". ومناقبه مشهورة استشهد في قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد بيدي طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة ثم أسلم طليحة بعد ذلك.
قوله: "قال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم"١. في رواية البخاري: فقال: (اللهم اجعله منهم) . وكذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري مثله. وفي بعض الروايات: "أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم" ٢. قال الحافظ: ويجمع بأنه سأل الدعاء أولًا، فدعا له ثم استفهم هل أجيب؟ فأخبره. وفيه طلب الدعاء من الفاضل.
قوله: (ثم قام إليه رجل آخر) . لم نقف على تسميته إلا في طريق واهية ذكرها الخطيب في "المبهمات" من رواية أبي حذيفة إسحاق بن بشر - أحد الضعفاء - من طريقين له عن مجاهد أن رسول الله ﷺ لما انصرف من غزاة بني المصطلق ، فساق قصة طويلة فيها ذلك. قال الحافظ: وهذا مع ضعفه وإرساله يستبعد من جهة جلالة سعد بن عبادة، فإن كان محفوظًا، فلعله آخر باسم سيد الخزرج واسم أبيه، فإن في الصحابة كذلك آخر له في " مسند بقي بن مخلد " وفي الصحابة سعد بن عمارة فلعل اسم أبيه تحرف.
قوله: "سبقك بها عكاشة"٣. قال ابن بطال: معنى قوله سبقك. أي: إلى إحراز هذه الصفات، وهي التوكل وعدم التطير وما ذكر معه، وعدل - عن قوله: لست منهم، أو لست على أخلاقهم - تلطفًا بأصحابه، وحسن أدب معهم. وقال القرطبي: لم يكن عند الثاني
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (٢٢٠) . ٢ البخاري: الطب (٥٧٥٢)، ومسلم: الإيمان (٢٢٠)، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٤٦)، وأحمد (١/٢٧١) . ٣ البخاري: الطب (٥٧٠٥)، ومسلم: الإيمان (٢٢٠)، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٤٦)، وأحمد (١/٢٧١) .
[ ٨٦ ]
من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يجب؛ إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضرًا فيتسلسل الأمر، فسدَّ الباب بقوله ذلك، وهذا أولى من قول من قال: كان منافقًا لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.
والثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ. وكيف يصدر ذلك من منافق؟!
قلت: هذا أولى ما قيل في تأويله، وإليه مال شيخ الإسلام. قال المصنف: وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه ﷺ.
[ ٨٧ ]