المراد بهذه الترجمة التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، ولذلك ذكر بعد هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ٢. هذا هو مقام الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣. فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٤. وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥. وقال عن شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ ٦. فوكلا الأمر إلى مالكه، وقال تعالى عن الملائكة ﵈: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٧. وقال النبي ﷺ: "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" ٨. وكلما قوي إيمان العبد ويقينه قوي خوفه ورجاؤه مطلقًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٩. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ١٠. وقالت عائشة:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٩٩. ٢ سورة الحجر آية: ٥٦. ٣ سورة الإسراء آية: ٥٧. ٤ سورة الأنبياء آية: ٩٠. ٥ سورة الأنعام آية: ٨٠. ٦ سورة الأعراف آية: ٨٩. ٧ سورة النحل آية: ٥٠. ٨ البخاري: الإيمان (٢٠،٤٣) والصوم (١٩٧٠) والأدب (٦١٠١)، وأبو داود: الصلاة (١٣٦٨)، وأحمد (٦/١٢٢)، ومالك: الصيام (٦٤١) . ٩ سورة فاطر آية: ٢٨. ١٠ سورة المؤمنون، آيات: ٥٧-٦٠.
[ ٤٣٥ ]
يارسول الله هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب؟ قال: "لا يا بنت الصديق هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
قال ابن القيم: الخوف من أجلِّ منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهم به أليق وله ألزم، فإن العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلًا عن الاستقامة. فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، وهو ينشأ من ثلاثة أمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها، والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها، الثالث: أنه لا يعلم أنه يمنع من التوبة، ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وسبب قوتها وضعفها يكون قوة الخوف، وضعفه هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد. وبالجملة فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوقوف بإتيانه بالتوبة النصوح، هاج من قلبه من الخوف ما لا يملكه، ولا يفارق حتى ينجو وأما إن كان مستقيمًا مع الله، فخوفه يكون من جريان الأنفاس لعلمه بأن الله مقلب القلوب. وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبي ﷺ وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب" ١. ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ٢. فأي قرار لمن هذه حاله ومن أحق بالخوف منه، بل خوفه لازم له في كل حال، وإن توارى عنه بغلبة حال أخرى عليه، فالخوف حشو قلبه، ولكن توارى عنه بغلبة غيره، فوجود الشيء غير العلم به، فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله ﷿ وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما
_________________
(١) ١ البخاري: القدر (٦٦١٧)، والترمذي: النذور والأيمان (١٥٤٠)، والنسائي: الأيمان والنذور (٣٧٦١،٣٧٦٢)، وأبو داود: الأيمان والنذور (٣٢٦٣)، وابن ماجه: الكفارات (٢٠٩٢)، وأحمد (٢/٢٥،٢/٦٨،٢/١٢٧)، والدارمي: النذور والأيمان (٢٣٥٠) . ٢ سورة الأنفال آية: ٢٤.
[ ٤٣٦ ]
يريد، وأنه المحرك للقلب المصرف له كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم انتهى. فهذا الخوف الثاني هو من خوف المكر.
إذا علمت هذا، فمعنى الآية المترجم لها أن الله ﵎ لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من عذاب الله، وعدم الخوف منه، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١ ثم بين أن ذلك بسبب الجهل والغرة بالله، فأمنوا مكره فيما ابتلاهم به من السراء والضراء، بأن يكون استدراجًا، فقال: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢. أي: الهالكون. فدل على وجوب الخوف من مكر الله. قال الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه، فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعمتهم. فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر به إلا القوم الفاسقون.
رواهما ابن أبي حاتم. وفي الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب; فإنما هو استدراج" ٣. رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم. وقال إسماعيل بن رافع: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة. رواه ابن أبي حاتم.
قال: وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ ٤.
نبه المصنف ﵀ بهذه الآية على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥. فذكر سبحانه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٩٧-٩٨. ٢ سورة الأعراف آية: ٩٩. ٣ أحمد (٤/١٤٥) . ٤ سورة الحجر آية: ٥٦. ٥ سورة البقرة آية: ٢١٨.
[ ٤٣٧ ]
أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة فأما الرجاء مع الإصرار على المعاصي، فذاك من غرور الشيطان; إذا تبين ذلك، فقوله تعالى: ومن يقنط حكاية قول إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بولده إسحاق ﵇، ف ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ١. استبعادًا لوقوع هذا في العادة مع كبر السن منه ومن زوجته ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الذي لا ريب فيه ولا مثنوية، بل هو أمر الذي ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وإن بعد مثله في العادة التي أجراها فإن ذلك عليه يسير، إذا أراده، فلا تكن من القانطين، أي لا تيأس من رحمة الله، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ ٣. فأجابهم بأنه ليس بقانط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر، وأسنت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك. قال السدي: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ ٤. قال: من ييأس من رحمة ربه. رواه ابن أبي حاتم ﴿إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، كقوله: ﴿لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥. وفي حديث مرفوع: "الفاجر الراجي لرحمة الله أقرب منها من العابد القانط" رواه الحكيم الترمذي والحاكم في "تاريخه".
قال: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائرقال: "الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله".
ش: هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "كان متكئًا، فدخل عليه رجل، فقال: ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله" ٦. وذكر الحديث. ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فقال ابن
_________________
(١) ١ سورة الحجر آية: ٥٤. ٢ سورة يس آية: ٨٢. ٣ سورة الحجر آية: ٥٦. ٤ سورة الحجر آية: ٥٦. ٥ سورة يوسف آية: ٨٧. ٦ أحمد (٦/٣٠٤) .
[ ٤٣٨ ]
معين: ثقة، ولينه ابن أبي حاتم، ومثل هذا يكون حسنًا. وقال ابن كثير: في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا.
قوله: "الشرك بالله هو أكبر الكبائر"، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين وإلههم ومالكهم وخالقهم الذي لا إله إلا هو، وعدل غيره به، كما قال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١. فهو أظلم الظلم، وأقبح القبيح، ولهذا لا يغفر إن لم يتب منه، بخلاف غيره من الذنوب، ففي مشيئة الله إن شاء غفرها، وإن شاء عذب بها.
قوله: "واليأس من روح الله" أي: قطع الرجاء والأمل من الله فيما يرومه ويقصده قال تعالى: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢. وذلك إساءة ظن بكرم الله ورحمته وجوده ومغفرته.
قوله: "والأمن من مكر الله" أي: من استدراجه للعبد أو سلبه ما أعطاه من الإيمان - نعوذ بالله من غضبه - وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها.
واعلم أن هذا الحديث لم يرد فيه حصر الكبائر فيما ذكر، بل الكبائر كثيرة، لكن ذكر ما هو أكبرها، أو من أكبرها، ولهذا قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وفي رواية هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.
قال: وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله". رواه عبد الرزاق.
ش: هذا الأثر رواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود، قال ابن كثير: وهو صحيح إليه بلا شك، ورواه الطبراني أيضًا.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١. ٢ سورة يوسف آية: ٨٧.
[ ٤٣٩ ]
قوله: "أكبر الكبائر الإشراك بالله". أي: في ربوبيته أو عبادته وهذا بالإجماع.
قوله: "والقنوط من رحمة الله". قال أبو السعادات: هو أشد اليأس من الشيء.
قلت: فعلى هذا يكون الفرق بينه وبين اليأس كالفرق بين الاستغاثة والدعاء، فيكون القنوط من اليأس، وظاهر القرآن أن اليأس أشد لأنه حكم لأهله بالكفر، ولأهل القنوط بالضلال.
وفيه: التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس، وكان السلف يستحبون أن يقوى في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء، هذه طريقة أبي سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإذا كان الغالب عليه الرجاء فسد، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة إنه على كل شيء قدير.
[ ٤٤٠ ]