ش: مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، لأن سب الدهر يتضمن الشرك كما سيأتي بيانه. ولفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره، وضعف أثره من الشرك والمكروه. ذكره الخطابي. قال شيخ الإسلام: وهو كما قال. وهذا بخلاف الضرر، فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ ١. فبين سبحانه أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور.
وقال وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ ﴾ ٢.
ش: قال ابن كثير: يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ٣. قال ابن جرير: أي: ما حياة إلا حياتنا التي نحن فيها، ولا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الموت ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٤.
قال ابن كثير: أي: يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدأة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدورية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. فزعموا أن هذا قد تكرر
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٧٦. ٢ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٣ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٤ سورة الجاثية آية: ٢٤.
[ ٥٢٦ ]
مرات لا تتناهى، فكابروا العقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١. قال ابن جرير: أي: وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي والأيام، وطول العمر إنكارًا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم. ثم روى بإسناد على شرط "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا". فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٢. قال فيسبون الدهر فقال الله ﵎: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" ٣. قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ٤. قال ابن جرير: يعني: من يقين علم ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٥. قال ابن كثير: يتوهمون ويتخيلون.
فإن قلت: فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرًا عن الدهرية المشركين؟
قيل: المطابقة ظاهرة، لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد.
[النهي عن سب الدهر]
قال في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" ٦. وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله" ٧.
ش: قوله: في "الصحيح"، أي: "صحيح البخاري". ورواه أحمد بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم بلفظ آخر.
قوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر"، فيه أن سب الدهر يؤذي الله ﵎. قال الشافعي في تأويله والله أعلم: إن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر، وتسبه عند المصائب التي تنْزل بهم، من موت، أو هرم، أو تلف، أو غير ذلك، فيقولون: إنما يهلكنا
_________________
(١) ١ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٢ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٣ مسلم: الإيمان (١٢١)، وأحمد (٤/٢٠٤) . ٤ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٥ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٦ البخاري: تفسير القرآن (٤٨٢٦)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأحمد (٢/٢٣٨،٢/٢٧٥،٢/٣١٨،٢/٣٩٤،٢/٣٩٥،٢/٤٩١،٢/٤٩٩)، ومالك: الجامع (١٨٤٦) . ٧ البخاري: تفسير القرآن (٤٨٢٦)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأبو داود: الأدب (٥٢٧٤)، وأحمد (٢/٢٣٨،٢/٢٥٩،٢/٢٧٢،٢/٢٧٥،٢/٣١٨،٢/٣٩٤،٢/٣٩٥،٢/٤٩١،٢/٤٩٦،٢/٤٩٩)، ومالك: الجامع (١٨٤٦) .
[ ٥٢٧ ]
الدهر وهو الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر. فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم، ويفعل بهم. قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا الدهر" ١. على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء، فإنما تسبون الله ﵎، فإنه فاعل هذه الأشياء. انتهى.
قلت: والظاهر أن المشركين نوعان.
أحدهما: من يعتقد أن الدهر هو الفاعل، فيسبه لذلك. فهؤلاء هم الدهرية.
الثاني: من يعتقد أن المدبر للأمور هو الله وحده لا شريك له، ولكن يسبون الدهر لما يجري عليهم فيه من المصائب والحوادث، فيضيفون ذلك إليه من إضافة الشيء إلى محله، لا لأنه عندهم فاعل لذلك.
والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام.
كقول ابن المعتز:
يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدًا وأنت والد سوء تأكل الولدا.
وقول أبي الطيب:
قبحا لوجهك يا زمان كأنه وجه له من كل قبح برقع.
وقول الطرفي:
إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم عليك دهر لأهل الفضل قد خانا.
وقول الحريري:
ولا تأمن الدهر الخئون ومكره فكم خامل أخنى عليه ونابه.
ونحو ذلك كثير. وكل هذا داخل في الحديث.
قال ابن القيم: وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
أحدها: سبه من ليس أهلًا للسب، فإن الدهر خلق مسخر من
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٨٢٦)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأبو داود: الأدب (٥٢٧٤)، وأحمد (٢/٢٣٨،٢/٢٥٩،٢/٢٧٢،٢/٢٧٥،٢/٣١٨،٢/٣٩٤،٢/٣٩٥،٢/٤٩١،٢/٤٩٦،٢/٤٩٩)، ومالك: الجامع (١٨٤٦) .
[ ٥٢٨ ]
خلق الله مقاد لأمره، متذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
والثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان. وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبة لله ﷿ ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى. انتهى. وأشار ابن أبي جمرة١ إلى أن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلق، إلا ما أذن الشرع فيه، لأن العلة واحدة.
قوله: "وأنا الدهر"، قال الخطابي: معناه: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفًا لمواقع الأمور.
قلت: ولهذا قال في الحديث: "وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب
_________________
(١) ١ في الطبعة السابقة: حمزة وهو تصحيف.
[ ٥٢٩ ]
الليل والنهار" ١. وفي رواية لأحمد: "بيدي الليل والنهار أجده وأبليه وأذهب بالملوك" ٢. وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، الأيام والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك". قال الحافظ: وسنده صحيح. فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٣ مصيبين.
قوله: "وفي رواية". هذه الرواية رواها مسلم وغيره. قال المصنف: وفيه أنه قد يكون سبًّا ولو لم يقصده بقلبه.
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٨٢٦)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأبو داود: الأدب (٥٢٧٤)، وأحمد (٢/٢٣٨،٢/٣١٨،٢/٣٩٤،٢/٣٩٥،٢/٤٩١،٢/٤٩٦،٢/٤٩٩) . ٢ أحمد (٢/٤٩٦) . ٣ سورة الجاثية آية: ٢٤.
[ ٥٣٠ ]