ذكر المصنف رحمه الله تعالى عن ابن عباس وغيره من المفسرين في معنى هذه الآية وما بعدها ما يكفي في المعنى ويشفي.
قوله: قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢، قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف.
قوله: باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ الآية ٣.
وليس فيما ذكروه اختلاف، وإنما هي أفراد المعنى.
قال ابن كثير ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ٤، يخبر أن الإنسان في حال الضر يضرع إلى الله تعالى وينيب إليه ويدعوه، ثم إذا خوله نعمة منا طغى وبغى وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٥، أي لما يعلم من استحقاقي له، ولولا أني عند الله حظيظ لما خولني هذا. قال تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ٦، أي ليس الأمر كما زعمتم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة، لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ٧، أي اختبار ﴿وَلَكِنَّ
_________________
(١) ١ سورة فصلت آية: ٥٠. ٢ سورة القصص آية: ٧٨. ٣ سورة فصلت آية: ٥٠. ٤ سورة الزمر آية: ٤٩. ٥ سورة الزمر آية: ٤٩. ٦ سورة الزمر آية: ٤٩. ٧ سورة الزمر آية: ٤٩.
[ ٥٤١ ]
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، فلهذا يقولون ما يقولون ويدعون ما يدعون ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٢، أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من
الأمم ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣، أي: فما صح قولهم، ولا نفعهم جمعهم وما كانوا يكسبون، كما قال تعالى مخبرًا عن قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ٥.
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكًا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر، شك إسحاق، فأعطي ناقة عشراء. وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرًا حسنًا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل. فأعطي بقرة حاملًا. قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره. قال فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدًا، فأنتج هذان، وولَّد هذا، فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٤٩. ٢ سورة الزمر آية: ٥٠. ٣ سورة الزمر آية: ٥٠. ٤ سورة القصص آية: ٧٨-٧٦. ٥ سورة سبأ آية: ٣٥.
[ ٥٤٢ ]
الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيأته فقال: رجل مسكين [وابن سبيل] قد انقطعت به الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة فقال: كأني أعرفك؟ ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟ فقيرا فأعطاك الله ﷿ المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت به، وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا. فقال: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إِلَيَّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك". أخرجاه.
قوله:"أخرجاه". أي: البخاري ومسلم.
والناقة العشراء: بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل.
قوله:"أنتج". وفي رواية: فنتج; معناه: تولى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة.
قوله:"ولَّد هذا". هو بتشديد اللام. أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى: أنتج في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد، لكن هذا للحيوان، وذلك لغيره.
قوله:"انقطعت بي الحبال": هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: هي الأسباب.
[ ٥٤٣ ]
قوله:"لا أجهدك". معناه: لا أشق عليك في رد شيء تأخذه، أو تطلبه من مالي. ذكره النووي.
وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمته، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أدّيا حق الله، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدّى حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب.
قال العلامة ابن القيم ﵀:"أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل، والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلًا بها، لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدها كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها. فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له".
قوله:"قذرني الناس"، بكراهة رؤيته وقربه منهم.
[ ٥٤٤ ]