ش: أي: إعظامًا وإجلالًا لله تعالى أن يسأل به في شيء، ولا يجاب السائل إلى سؤاله ومطلوبه، ولهذا أمر النبي ﷺ بإبرار القسم وتنازعوا هل هو أمر استحباب، أو إيجاب؟ وظاهر كلام شيخ الإسلام التفريق بين أن يقصد إلزامه بالقسم فتجب إجابته، أو يقصد إكرامه فلا تجب عليه. ولهذا أوجب على المقسم في الأولى الكفارة، إذا لم يفعل المحلوف عليه، دون الثانية، لأنه كالأمر، ولا يجب إذا كان للإكرام لأمر النبي ﷺ أبا بكر بوقوفه في الصف ولم يقف، ولأن أبا بكر أقسم على النبي ﷺ ليخبرنه بالصواب والخطأ لما فسر الرؤيا، فقال النبي ﷺ: "لا تقسم". كما في"الصحيحين"قال: لأنه علم أنه لم يقصد الإقسام عليه مع المصلحة المقتضية للكتم.
قال: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافؤوه، فإن لم تجدوا ما تكافؤوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" ١. رواه أبو داود، والنسائي بسند صحيح.
ش: قوله:"من استعاذ بالله فأعيذوه"، أي: من سألكم أن تدفعوا عنه شركم أو شر غيركم بالله، كقوله: بالله عليك أن تدفع عني شر فلان أو شرك، أعوذ بالله من شرك أو شر فلان ونحو ذلك، فأعيذوه، أي: امنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه لتعظيم اسم الله تعالى، ولهذا لما قالت الجونية للنبي ﷺ أعوذ بالله منك
_________________
(١) ١ النسائي: الزكاة (٢٥٦٧)، وأبو داود: الزكاة (١٦٧٢)، وأحمد (٢/٩٩،٢/١٢٧) .
[ ٥٧٠ ]
قال: "لقد عذت بمعاذ، ألحقي بأهلك" ١. ولفظ أبي داود: "من استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه" ٢.
قوله:"ومن سأل بالله فأعطوه". وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود: "ومن سألكم بوجه الله فأعطوه". ومعناه ظاهر، وهو أن يقول: أسألك بالله أو بوجه الله ونحو ذلك، أن تفعل أو تعطيني كذا، ويدخل في ذلك القسم عليه بالله أن يفعل كذا، وظاهر الحديث، وجوب إعطائه ما سأل ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رحم. وقد جاء الوعيد على ذلك في عدة أحاديث، منها: حديث أبي موسى مرفوعًا: "ملعون من سئل بوجه الله، وملعون من يسأل بوجهه ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا". رواه الطبراني. قال في"تنبيه الغافلين": ورجال إسناده رجال الصحيح، إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح، والأكثر على توثيقه، فإن بلغ هذا الإسناد أو إسناد غيره مبلغًا يحتج به كان ذلك من الكبائر.
وعن أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع مرفوعًا "ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله". رواه الطبراني أيضًا. وعن ابن عباس مرفوعًا: "ألا أخبركم بشر الناس: رجل يُسأل بالله ولا يعطي" ٣. رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في"صحيحه". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بشر البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: الذي يُسأل بالله ولا يعطي" ٤. رواه أحمد.
إذا تبين هذا فهذه الأحاديث دالة على إجابة من سئل بالله أو أقسم به، ولكن قال شيخ الإسلام: إنما تجب على معين، فلا تجب على سائل يقسم على الناس، وظاهر كلام الفقهاء أن ذلك مستحب كإبرار القسم، والأول أصح.
قوله:"ومن دعاكم فأجيبوه". أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه فإن كانت وليمة عرس وتوفرت الشروط المبينة في كتب الفقه وجبت الإجابة، وإن كان لغيرها استحب إجابتها، وتجب
_________________
(١) ١ البخاري: الطلاق (٥٢٥٤)، والنسائي: الطلاق (٣٤١٧)، وابن ماجه: الطلاق (٢٠٥٠) . ٢ النسائي: الزكاة (٢٥٦٧)، وأبو داود: الأدب (٥١٠٩)، وأحمد (٢/٦٨) . ٣ الترمذي: فضائل الجهاد (١٦٥٢)، والنسائي: الزكاة (٢٥٦٩)، ومالك: الجهاد (٩٧٦)، والدارمي: الجهاد (٢٣٩٥) . ٤ أحمد (٢/٣٩٦) .
[ ٥٧١ ]
مطلقًا وهو الصحيح لظاهر الأحاديث، وهي لم تفرق بين وليمة العرس وغيرها، وإن كانت وليمة العرس آكد وأوجب.
قوله:"ومن صنع إليكم معروفًا فكافؤوه". المعروف: اسم جامع لمخير.
وقوله:"فكافؤوه"، أي: على إحسانه بمثله أو خير منه، وقد أشار شيخ الإسلام إلى مشروعية المكافأة، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فهو إذا أحسن إليه ولم يكافئه يبقى في قلبه نوع تأله لمن أحسن إليه، فشرع قطع ذلك بالمكافأة، فهذا معنى كلامه. وقال غيره: إنما أمر بالمكافأة ليخلص القلب من إحسان الخلق ويتعلق بالحق. ولفظ أبي داود: "من أتى إليكم معروفًا " ١.
قوله:"فإن لم تجدوا ما تكافئوه". هكذا ثبت بحذف النون في خط المصنف، وهكذا هو في غيره من أصول الحديث. قال الطيبي: سقطت من غير ناصب ولا جازم، إما تخفيفًا أو سهوًا من الناسخ.
قوله:"فادعوا له " إلى إلخ يعني من أحسن إليكم أيَّ إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة، ووجه المبالغة أنه رأى في نفسه تقصيرًا في المجازاة لعدم القدرة عليها، فأحالها إلى الله، ونعم المجازي هو، وهذا الحديث رواه أيضًا أحمد بإسناد صحيح، وابن حبان، والحاكم، وصححه النووي. وقد روى الترمذي وصححه النسائي وابن حبان عن أسامة بن زيد مرفوعًا: "من صنع إليكم معروفًا فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء" ٢.
_________________
(١) ١ النسائي: الزكاة (٢٥٦٧)، وأبو داود: الزكاة (١٦٧٢) والأدب (٥١٠٩)، وأحمد (٢/٦٨) . ٢ الترمذي: البر والصلة (٢٠٣٥) .
[ ٥٧٢ ]