ش: أراد المصنف بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله، لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
[ ٥٨٢ ]
من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة، لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن خاص. وقد جاء الحديث القدسي، قال الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني" ١. رواه البخاري ومسلم. وعن جابر ﵁: "أنه سمع النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿" ٢. رواه مسلم وأبو داود. وفي حديث عند أبي داود وابن حبان: "حسن الظن من حسن العبادة" ٣. رواه الحاكم، ولفظهما: "حسن الظن بالله من حسن العبادة" ٤.
قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥. قال ابن القيم: ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦. وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٧. فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله لله، ولو كان مقصودهم لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٨. ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل ههنا هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم لكان رسول الله ﷺ وأصحابه تبعًا لهم يسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ولكان التصرف والظفر لهم، فكذبهم الله ﷿ في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه: أنهم كانوا قارين على دفعه وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ
_________________
(١) ١ البخاري: التوحيد (٧٤٠٥)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٥)، والترمذي: الزهد (٢٣٨٨) والدعوات (٣٦٠٣)، وابن ماجه: الأدب (٣٨٢٢)، وأحمد (٢/٢٥١،٢/٣٥٤،٢/٣٩١،٢/٤١٣،٢/٤٤٥،٢/٤٨٠،٢/٤٨٢،٢/٥١٥،٢/٥١٧،٢/٥٢٤،٢/٥٣٤) . ٢ مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٧٧)، وأبو داود: الجنائز (٣١١٣)، وابن ماجه: الزهد (٤١٦٧)، وأحمد (٣/٢٩٣،٣/٣١٥،٣/٣٢٥،٣/٣٣٠،٣/٣٣٤،٣/٣٩٠) . ٣ أبو داود: الأدب (٤٩٩٣)، وأحمد (٢/٤٠٧) . ٤ الترمذي: الدعوات (٣٩٧٠)، وأبو داود: الأدب (٤٩٩٣)، وأحمد (٢/٢٩٧،٢/٣٠٤،٢/٣٥٩،٢/٤٠٧) . ٥ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٦ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٧ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٨ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
[ ٥٨٣ ]
القضاء، فأكذبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١. فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به قلمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد، شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس أو لم يشاؤوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن، فإنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم; لخرج من كتب عليه القتل من بيته إلى مضجعه ولا بد، سواء كان له من الأمر شيء أو لم يكن. وهذا من أظهر الأشياء إبطالًا لقول القدرية النفاة، الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاء الله وأن يشاء ما لا يقع.
وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ٢، أي: يختبر ما فيها من الإيمان والنفاق. فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه.
قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣، هذه حكمة أخرى، وهي تمحيص ما في قلوب المؤمنين وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها تغليب الطباع وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة مما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى فلو تركت في عافية دائمة مستمرة، لم تتخلص من هذه المخاطر ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيب بإزالته وتنقيته ممن هو في جسده، وإلا خيف عليه من الفساد والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكثرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم تعادل٤ نعمته عليهم بنصره،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٤ في الطبعة السابقة: "تعاد ".
[ ٥٨٤ ]
وتأييدهم وظفرهم بقدرتهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا.
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ ١. يعني أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله ﷿ سينصر رسوله، وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ٢، يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٣، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٤. وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة وأن الإسلام قد باء وأهله.
قال ابن القيم: ظن الجاهلية: هو المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق، لأنه غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وذاته المبرأة من من كل عيب وسوء، أو خلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه. وقد ذكر المؤلف تفسير ابن القيم لهذه الآية، وهو أحسن ما قيل فيها وسيأتي ما يتعلق به إن شاء الله تعالى.
قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥. هذا أيضًا من حكاية مقال المنافقين. والظاهر أن المعنى: إنا أخرجنا كرهًا، ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا، كما أشار إليه ابن أبي بذلك، ولفظه استفهام، ومعناه النفي، أي: ما إن شيء من الأمر، أي: أمر الخروج، وقيل غير ذلك فرد الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٦، أي: ليس لكم من الأمر شيء ولا لغيركم، بل الأمر كله لله، فهو الذي إذا شاء فلا مرد له.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٧، تقدم الكلام عليها في باب ما جاء في ال "لو".
وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ٨، أي: قدر الله هذه الهزيمة
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٤ سورة الفتح آية: ١٢. ٥ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٦ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٧ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٨ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
[ ٥٨٥ ]
والقتل، ليختبر الله ما في صدوركم بأعمالكم، لأنه قد علمه غيبًا فيعلمه شهادة لأن المجازاة إنما تقع على من يعلم مشاهدة، لا على ما هو معلوم منهم غير مغمور ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ أي: يطهرها من الشدة والمرض بما يريكم من عجائب آياته وباهر قدرته، وهذا خاص بالمؤمنين دون المنافقين ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢ قيل معناه: إن الله لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم فإنه عليم بذلك وإنما ابتلاكم ليظهر أسراركم. والله أعلم.
قال وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ٣.
ش: قال ابن كثير: يتهمون الله تعالى في حكمه، ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ ٤
أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٥.
[بعض أنواع ظن السوء برب العالمين]
قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء، لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة; فـ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٦. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، فقَلَّ من
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٣ سورة الفتح آية: ٦. ٤ سورة الفتح آية: ٦. ٥ سورة الفتح آية: ٦. ٦ سورة ص آية: ٢٧.
[ ٥٨٦ ]
يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وهو موجب حكمته وحمده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله تعالى ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر، وملامة له، يقول: إنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيًا.
ش: قوله:"فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله". إلى آخره. هذا تفسير غير واحد من المفسرين وهو مأخوذ من تفسير قتادة والسدي، وذكر ذلك عنهما ابن جرير وغيره بالمعنى.
وقوله:"وإن أمره سيضمحل". أي: سيذهب جملة حتى لا يبقى له أثر. والاضمحلال: ذهاب الشيء جملة.
قوله:"وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته". قال القرطبي: وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ١ يعني التكذيب بالقدر وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله: قل إن الأمر كله لله، يعني: القدر خيره وشره من الله.
وأما تفسيره بإنكار الحكمة، فلم أقف عليه عن السلف، فهو تفسير صحيح فمن أنكر أن ذلك لم يكن لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر، فقد ظن بالله ظن السوء، وقد أشار تعالى إلى بعض الحكم والغايات المحمودة في ذلك، في سورة"آل عمران"فذكر شيئًا كثيرًا منها في الآية المفسرة: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢. فهذا بعض الحكمة في ذلك. فمن أنكره، فقد ظن ظن السوء بالله وحكمته وعلمه ورحمته لكمال علمه وقدرته ورحمته، ولأن من أسمائه الحق، وذلك هو موجب لهيبته وربوبيته.
قوله:"لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه". أي: لأن الذي يليق به
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٥٤. ٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
[ ٥٨٧ ]
سبحانه أنه يظهر الحق على الباطل وينصره، فلا يجوز في عقل ولا شرع أن يظهر الباطل على الحق. قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٢.
قوله:"ولا يليق بحكمته وحمده"، أي: إن الذي يليق بحكمته وحمده أن لا يكون في السموات ولا في الأرض حركة ولا سكون إلا وله في ذلك الحكمة البالغة والحمد الكامل التام عليها، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم الذي وقع على سيد المرسلين ﷺ وعلى سادات الأولياء، ﵃، فله ﷾ في ذلك الحكمة، وله عليه الحمد، بل والشكر. ومن تأمل ما في سورة"آل عمران: [١٢١-١٧٩] " في سياق القصة; رأى من ذلك العجب، فمن ظن بالله تعالى أنه لا يفعل ذلك بقدرة وحكمة يستحق عليها الحمد والشكر، فقد ظن به ظن السوء.
قوله:"فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق"، فهذا ظن السوء، لأنه نسبه - أي سبحانه - إلى ما لا يليق بجلاله وكماله ونعوته وصفاته، فإن حمده وحكمته وعزته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين المعاندين له، فمن ظن به ذلك، فما عرفه ولا عرف أسماءه وصفاته وكماله.
قوله:"أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره"، أي: فذلك ظن السوء، لأنه نسبة له إلى ما لا يليق بربوبيته وملكه وعظمته.
قوله:"أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد"، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٣.
قال ابن القيم: وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: ١٨. ٢ سورة الإسراء آية: ٨١. ٣ سورة ص آية: ٢٧.
[ ٥٨٨ ]
وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها١. وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لانضمامها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى ولا شاءها عبثًا، ولا خلقها باطلًا ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢.
قوله:"ووعده الصادق"؛ لأن الله تعالى وعد رسوله ﷺ أن يظهر أمره ودينه على الدين كله ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التّوبة، من الآية: ٣٣، والصّفّ من الآية: ٩]، فمن ظن به تعالى أن دين نبيه سيضمحل ويبطل، ولا يظهر على الدين كله، فقد ظن به ظن السوء، لأنه ظن أنه يخلف الميعاد والله تعالى لا يخلف الميعاد.
قوله:"وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء"، فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم. قال ابن القيم: فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينْزل إليهم كتبه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه، وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكافرين، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه على امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه [بما لا صنع له فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة ولا إرادة له في
_________________
(١) ١ في الطبعة السابقة: قوتها. ٢ سورة ص آية: ٢٧.
[ ٥٨٩ ]
حصوله، بل يعاقبه] على فعله سبحانه به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، [ويُجْريها على أيديهم ليُضلّوا بها عباده]، وأنه يحسن منه كل شيء حتى يعذب من أفنى عمره في طاعته، أي: كمحمد ﷺ فيخلده في الجحيم، أو في أسفل سافلين، وينعم من استنفد عمره في عداوته، وعداوة رسله ودينه، كأبي جهل فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده، ولا يعرف امتناع أحدهما، ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما، وحسن الآخر، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه١ رموزًا بعيدة، وصرح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، وإعانتهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل; فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أن يكون له في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لا سمع له، ولا بصر، ولا علم، ولا إرادة، ولا كلام يقوم به، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق، ولا يتكلم أبدًا، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: سبحان ربي الأسفل كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح الظن، ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان
_________________
(١) ١ في الطبعة السابقة: إليهم.
[ ٥٩٠ ]
والفساد، ولا يحب الإيمان والبر والطاعة والصلاح، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لا يحب، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يوالي، ولا يعادي، ولا يقرب من أحد من خلقه، ولا يقرب عنده أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب منه، كذوات الملائكة المقربين، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين، أو يفرق بين المتساويين في كل وجه، أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلده في الجحيم لتلك الكبيرة، كما يخلد من لم يؤمن به طرفة عين، واستنفد عمره في مساخطه، ومعاداة رسله ودينه; فقد ظن به ظن السوء.
وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه، يتقربون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم فيدعونهم، ويخافونهم، ويرجونهم; فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته، كما ينال بطاعته، والتقرب إليه، فهو من ظن السوء، ومن ظن أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه، أو من فعل شيئًا لأجله، لم يعطه أفضل منه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يغضب على عبده، ويعاقبه بغير جرم، ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة; فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة، وتضرع إليه وسأل واستعان به، وتوكل عليه أنه يخيبه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يثيبه إذا عصاه، كما يثيبه إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ظن به خلاف ما هو أهله، وما لا يفعله، ومن ظن أنه إذا أغضبه وأسخطه، ووقع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه أولياء، ودعا من دونه ملكًا، أو بشرًا حيًا أو ميتًا يرجو بذلك
[ ٥٩١ ]
أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد ﷺ أعداءه تسليطًا مستقرًا دائمًا في حياته ومماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيه، وأهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم من غير جرم، ولا ذنب لأوليائه، وأهل الحق، وهو يرى ذلك، ويقدر على نصرة أوليائه وحزبه، ولا ينصرهم، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه ﷺ في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت، كما تظنه الرافضة; فقد ظن به أقبح الظن. انتهى اختصارًا. وهو ينبهك على إحسان الظن بالله في كل شيء.
فليعتن اللبيب. اللب: العقل، واللبيب العاقل.
قوله:"ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر"، وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا.
قلت: بل يبوحون بذلك، ويصرحون به جهارًا في أشعارهم وكلامهم.
قال ابن عقيل في"الفنون": الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب والفضة، ودارًا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة، قال: انظر إلى إعطائهم مع سوء أفعالهم، ولا يزال يلعنهم، ويذم معطيهم حتى يقول: فلان يصلي الجماعات والجمع، ولا يؤذي الذر، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال، ويحج ويجاهد، ولا ينال خلة بقلبه، ويظهر الإعجاب كأنه ينطق إنه لو كانت الشرائع حقًّا لكان الأمر بخلاف ما ترى، وكان الصالح غنيًّا، والفاسق فقيرًا.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: وهذه حالة قد شملت خلقًا كثيرًا من العلماء والجهال، أولهم إبليس فإنه نظر بعقله، فقال: كيف يفضل الطين على جوهر النار؟! وفي ضمن اعتراضه: إن حكمتك قاصرة وأنا أجود. واتبع إبليس في تفضيله واعتراضه خلق كثير، مثل الراوندي والمعري، ومن قوله:
[ ٥٩٢ ]
إذا كان لا يحظى برزقك عاقل وترزق مجنونًا وترزق أحمقا
ولا ذنب يا رب السماء على امرئ رأى منك ما لا ينتهي فتزندقا
[وأمثال ذلك كثير في أولئك الذين ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسوله، وانطلقوا إلى أهوائهم، واعتمدوا على عقولهم القاصرة التي جعلتهم يعترضون على الله جل وعلا] .
وكان أبو طالب المكي يقول: ليس على المخلوق أضر من الخالق. قال ابن الجوزي: ودخلت على صدقة بن الحسين الحداد، وكان فقيهًا غير أنه كان كثير الاعتراض، وكان عليه جرب، فقال: هذا ينبغي أن يكون على حمد لا علي. وكان يتفقد بعض الأكابر أكولًا، فيقول: بعث لي هذا على الكبر وقت لا أقدر على أكله. وكان رجل يصحبني قد قارب ثمانين سنة، كثير الصلاة والصوم، فمرض واشتد به المرض، فقال: إن كان يريد أن أموت فيميتني، وأما هذا التعذيب، فما له معنى، والله لو أعطاني الفردوس كان مكفورًا. ورأيت آخر تزيا بالعلم إذا ضاق عليه رزقه يقول: أيشٍ هذا التدبير؟ وعلى هذا كثير من العوام إذا ضاقت أرزاقهم اعترضوا، وربما قالوا: ما يريد يصلي. وإذا رأوا رجلًا صالحًا مؤذيًا قالوا ما يستحق قدحًا في القدر، وكان قد جرى في زماننا تسلط من الظلمة، وقال بعض من تزيا بالدين: هذا حكم بارد. وما فهم ذلك الأحمق، فإن لله على الظالم] أن يسلط عليه أظلم منه]، وفي الحمقى من يقول: أي فائدة في خلق الحيات والعقارب، وما علم أن ذلك نموذج لعقوبة المخالف، وهذا أمر قد شاع، ولهذا مددت النفس فيه.
واعلم أن المعترض قد ارتفع أن يكون شريكًا وعلا الخالق بالحكم عليه، وهؤلاء كلهم كفرة، لأنهم رأوا حكمة الخالق قاصرة، وإذا كان قد توقف القلب عن الرضى بحكم الرسول ﷺ يخرج عن الإيمان. قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١. فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله؟ وكان في زمن ابن عقيل رجل رأى بهيمة على غاية من السقم، فقال:
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٦٥.
[ ٥٩٣ ]
وارحمتي١ لك، واقلة حيلتي في إقامة التأويل لمعذبك. فقال له ابن عقيل: إن لم تقلد على حمل هذا الأمر لأجل رقبتك الحيوانية ومناسبتك الجنسية، فعندك عقل تعرف به حكم الصانع وحكمته يوجب عليك التأويل، فإن لم تجد استطرحت الفاطر العقل، حيث خانك العقل عن معرفة الحكمة في ذلك. انتهى.
قوله:"وفتش نفسك هل أنت سالم؟ ". قال ابن القيم: أكثر الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق، وظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد، فاقرع زناد من شئت ينبئك شرارها عما في زناده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء وصنيع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهو أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام، والحكمة التامة، المنَزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى.
فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل.
ولا تظنن بنفسك قط خيرًا فكيف بظالم جان جهول
وظن بنفسك السوأى تجدها كذاك وخيرها كالمستحيل
وما بك من تقى فيها وخير فتلك مواهب الرب الجليل
_________________
(١) ١ في الطبعة السابقة: وراحمتي.
[ ٥٩٤ ]
وليس لها ولا منها ولكن من الرحمن فاشكر للدليل.
قوله:"فإن تنج منها". أي: من هذه الخصلة العظيمة.
قوله:"من ذي عظيمة". أي: تنج من شر عظيم.
قوله:"وإني لا إخا لك". هو بكسر الهمزة. أي: أظنك والله أعلم.
[ ٥٩٥ ]