عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" ١. أخرجاه.
ولهما عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال:"أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهؤون بخلق الله" ٢.
ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم" ٣.
ولهما عنه مرفوعًا "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" ٤.
ولمسلم عن"أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ "أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" ٥.
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد في المصورين.
الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله، لقوله:"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي".
الثالثة: التنبيه على قدرته، وعجزهم، لقوله:"فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة".
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابًا.
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسًا يعذب بها المصور في جهنم.
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح.
السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
ش: قوله: باب ما جاء في المصورين.
أي: من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه. وقد ذكر النبي ﷺ العلة، وهي المضاهاة بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ٦. فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة صار مضاهيًا لخلق الله، فصار ما صور عذابًا له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ. فكان أشد الناس عذابًا، لأن ذنبه من أكبر الذنوب.
_________________
(١) ١ البخاري: التوحيد (٧٥٥٩)، ومسلم: اللباس والزينة (٢١١١)، وأحمد (٢/٢٣٢،٢/٢٥٩،٢/٣٩١،٢/٤٥١،٢/٥٢٧) . ٢ البخاري: اللباس (٥٩٥٤) . ٣ مسلم: اللباس والزينة (٢١١٠) . ٤ البخاري: البيوع (٢٢٢٥) والتعبير (٧٠٤٢)، ومسلم: اللباس والزينة (٢١١٠)، والترمذي: اللباس (١٧٥١)، والنسائي: الزينة (٥٣٥٨،٥٣٥٩)، وأبو داود: الأدب (٥٠٢٤)، وأحمد (١/٢١٦،١/٢٤١،١/٢٤٦،١/٣٠٨،١/٣٥٠،١/٣٥٩،١/٣٦٠) . ٥ مسلم: الجنائز (٩٦٩)، والترمذي: الجنائز (١٠٤٩)، والنسائي: الجنائز (٢٠٣١)، وأبو داود: الجنائز (٣٢١٨)، وأحمد (١/٩٦) . ٦ سورة السجدة آية: ٧- ٩.
[ ٦٠٩ ]
فإذا كان هذا فيمن صور صورة على مثال ما خلقه الله تعالى من الحيوان، فكيف بحال من سوى المخلوق برب العالمين، وشبهه بخلقه، وصرف له شيئا من العبادة التي ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من كل عمل يحبه الله من العبد ويرضاه؟!
فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكًا له فيما اختص به تعالى وتقدس، هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به. ولهذا أرسل رسله، وأنزل كتبه، لبيان هذا الشرك والنهي عنه، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى. فنجى الله تعالى رسله ومن أطاعهم، وأهلك من جحد التوحيد، واستمر على الشرك والتنديد، فما أعظمه من ذنب! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ولمسلم (٩٦٩) عن أبي الهياج، قال: قال لي عليّ: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ "ألاّ تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته".
قوله:"ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي" - حيان بن حصين -.
قال: قال لي علي ﵁. هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
قوله:"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ "أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته".
فيه تصريح بأن النبي ﷺ بعث عليًّا لذلك. أما الصور: فلمضاهاتها لخلق الله، وأما تسوية القبور، فلما في تعليتها من الفتنة بأربابها وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله، فصرف الهمم إلى هذا وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته.
ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحذور، وعظمت
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٤٨. ٢ سورة الحج آية: ٣١.
[ ٦١٠ ]
الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطًا لرحال العابدين المعظمين لها، فصرفوا لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة والاستغاثة، والتضرع لها، والذبح لها، والنذور، وغير ذلك من كل شرك محرّم محظور.
قال العلامة ابن القيم ﵀: "ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تتخذ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا، ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في"صحيحه"عن أبي الهياج الأسدي - فذكر حديث الباب - وحديث ثمامة بن شفي، وهو عند مسلم أيضًا قال:"كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها" ١. وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب. ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في"صحيحه"عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه ونهى عن الكتابة عليها" ٢.
كما روى أبو داود في"سننه"عن جابر: أن رسول الله ﷺ "نهى عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها" ٣. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير
_________________
(١) ١ مسلم: الجنائز (٩٦٨)، والنسائي: الجنائز (٢٠٣٠)، وأبو داود: الجنائز (٣٢١٩)، وأحمد (٦/١٨،٦/٢١) . ٢ مسلم: الجنائز (٩٧٠)، والترمذي: الجنائز (١٠٥٢)، والنسائي: الجنائز (٢٠٢٧،٢٠٢٨،٢٠٢٩)، وأبو داود: الجنائز (٣٢٢٥)، وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (١٥٦٢)، وأحمد (٣/٢٩٥،٣/٣٣٢،٣/٣٣٩،٣/٣٩٩) . ٣ مسلم: الجنائز (٩٧٠)، والترمذي: الجنائز (١٠٥٢)، والنسائي: الجنائز (٢٠٢٨،٢٠٢٩)، وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (١٥٦٢،١٥٦٣)، وأحمد (٣/٢٩٥،٣/٣٣٢،٣/٣٣٩) .
[ ٦١١ ]
ترابها؛ كما روى أبو داود عن جابر أيضًا: أن رسول الله ﷺ "نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه" ١. وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والجص والأحجار. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم.
والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذينها أعيادًا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها وهو من الكبائر، وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. قال أبو محمد المقدسي: "ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام". قال: "ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" ٢. متفق عليه. ولأن تجصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها". انتهى.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجًا، ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه"مناسك حج المشاهد"، مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه.
ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز عن حصره. فمنها:
تعظيم الموقع في الافتتان بها.
ومنها: اتخاذها أعيادًا.
ومنها: السفر
_________________
(١) ١ مسلم: الجنائز (٩٧٠)، والترمذي: الجنائز (١٠٥٢)، والنسائي: الجنائز (٢٠٢٧)، وأبو داود: الجنائز (٣٢٢٥)، وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (١٥٦٢،١٥٦٣)، وأحمد (٣/٢٩٥،٣/٣٣٢،٣/٣٣٩) . ٢ البخاري: الصلاة (٤٣٦)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)، والنسائي: المساجد (٧٠٣)، وأحمد (١/٢١٨،٦/٣٤،٦/٨٠،٦/١٢١،٦/١٤٦،٦/٢٥٢،٦/٢٥٥،٦/٢٧٤)، والدارمي: الصلاة (١٤٠٣) .
[ ٦١٢ ]
إليها.
ومنها: مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، وسندانتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.
ومنها: النذر لها ولسدنتها.
ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنْزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف إلى غير ذلك.
ومنها: الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها.
ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهية، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعله النصارى عند قبره، وكذلك غيره من الأنبياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تغالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ١. وقال الله تعالى للمشركين: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ ٣.وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع.
ومنها: تفضيلها على خير
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية: ١٧-١٨. ٢ سورة الفرقان آية: ١٩. ٣ سورة المائدة آية: ١١٦. ٤ سورة سبأ آية: ٤٠-٤١.
[ ٦١٣ ]
البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام، والخشوع ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريبًا منه.
ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنْزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدًّا للذريعة. فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجرًا، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولًا وفعلًا. وفي"صحيح مسلم"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"زوروا القبور، فإنها تذكركم الموت" ١. وعن ابن عباس ﵄ قال: "مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه. فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" ٢. رواه أحمد والترمذي وحسنه.
فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته، وعلمهم إياها. هل تجد فيها شيئًا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟ وما أحسن ما قال مالك بن أنس ﵀: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، أعرضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.
_________________
(١) ١ مسلم: الجنائز (٩٧٦)، والنسائي: الجنائز (٢٠٣٤)، وأبو داود: الجنائز (٣٢٣٤)، وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (١٥٦٩،١٥٧٢)، وأحمد (٢/٤٤١) . ٢ الترمذي: الجنائز (١٠٥٣) .
[ ٦١٤ ]
ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا. ونص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره مرفوعًا: "الدعاء هو العبادة" ١. فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ من الدعاء لأصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم.
وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. وإسناده جيد، ورواته ثقات مشاهير.
وقوله: "ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا" ٣. أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنْزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت، ونهى عن تحري النافلة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم. ثم إن في تعظيم القبور، واتخاذها أعيادًا، من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام.
فمن المفاسد: اتخاذها أعيادًا والصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم.
فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدًا، وقد نزلوا عن الأكوار
_________________
(١) ١ الترمذي: تفسير القرآن (٢٩٦٩،٣٢٤٧) والدعوات (٣٣٧٢)، وأبو داود: الصلاة (١٤٧٩)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٢٨)، وأحمد (٤/٢٦٧) . ٢ أبو داود: المناسك (٢٠٤٢)، وأحمد (٢/٣٦٧) . ٣ أبو داود: المناسك (٢٠٤٢)، وأحمد (٢/٢٨٤،٢/٣٣٧،٢/٣٦٧،٢/٣٧٨،٢/٣٨٨) .
[ ٦١٥ ]
والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ما لم يحرزه من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعًا سجدًا، يبتغون فضلًا من الميت ورضوانًا، وقد ملؤوا أكفهم خيبة وخسرانًا. فلغير الله - بل للشيطان - ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة ذوي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيهًا له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركًا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام. أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود. ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقد قربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضًا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرًا وافرًا وحظًّا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام. فيقول: لا ولا بحجك كل عام!!
هذا، ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، وهذا مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم.
وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما
[ ٦١٦ ]
يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته. انتهى كلامه ﵀.
[ ٦١٧ ]