ش: قال شيخ الإسلام: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون. وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١. وقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٢.والدعاء أعم من الاستغاثة لأنه يكون من المكروب وغيره، فعلى هذا عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
وقال أبو السعادات: الإغاثة: الإعانة، فعلى هذا تكون الاستغاثة هي الاستعانة. ولا ريب أن من استغاثك فأغثته فقد أعنته، إلا أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة، بخلاف الاستعانة.
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ١٥. ٢ سورة الأنفال آية: ٩.
[ ١٧٥ ]
وقوله: "أو يدعو غيره". المراد بالدعاء هنا. هو دعاء المسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإن ذلك شرك لما سيذكره المصنف من الآيات.
واعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة كما حققه غير واحد منهم: شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، ويراد به في القرآن هذا تارة، وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان.
فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، فالمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًّا ولا نفعًا كقوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١. وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. وذلك كثير في القرآن يبين أن المعبود لا بد وأن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاء دعاء العبادة، فعلم أن النوعين متلازمان. فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. وبهذا التحقيق يندفع عنك ما يقوله عباد القبور إذ احتج عليهم بما ذكر الله في القرآن من الأمر بإخلاص الدعاء له.
قالوا: المراد به العبادة، فيقولون في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣. أي: لا تعبدوا مع الله أحدًا، فيقال لهم: وإن أريد به دعاء العبادة، فلا ينفي أن يدخل دعاء المسألة في العبادة، لأن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، هذا لو لم يرد في دعاء المسألة بخصوصه من القرآن إلا الآيات التي ذكر فيها دعاء العبادة. فكيف وقد ذكر الله في القرآن في غير موضع. قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٧٦. ٢ سورة يونس آية: ١٨. ٣ سورة الجن آية: ١٨. ٤ سورة الأعراف آية: ٥٥. ٥ سورة الأعراف آية: ٥٦.
[ ١٧٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٤. وقال تعالى: عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ٥. وقال عنه أيضًا: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٧.٨. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٩. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ١٠. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١١. وقال تعالى عن زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ١٢. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ١٣. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١٤. فكفى بهذه الآيات نجاة وحجة وبرهانًا في الفرق بين التوحيد والشرك عمومًا وفي هذه المسألة خصوصًا.
وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ١٥. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ١٦. وقال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٣٥. ٢ سورة النساء آية: ٣٢. ٣ سورة آية: ٤٠-٤١. ٤ سورة الرعد آية: ١٤. ٥ سورة إبراهيم آية: ٣٩. ٦ سورة آية: ٤٨-٤٩. ٧ سورة النحل آية: ٥٣. ٨ سورة النحل آية: ٥٣-٥٤. ٩ سورة الإسراء آية: ٥٦. ١٠ سورة الإسراء آية: ٦٧. ١١ سورة الإسراء آية: ١١٠. ١٢ سورة مريم آية: ٤. ١٣ سورة القصص آية: ٦٤. ١٤ سورة العنكبوت آية: ٦٥. ١٥ سورة العنكبوت آية: ١٧. ١٦ سورة الزمر آية: ٨.
[ ١٧٧ ]
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢. وغير ذلك من الآيات.
وفي الأحاديث عن النبي ﷺ ما لا يحصى، منها قوله ﷺ فيما رواه عن ربه ﵎ أنه قال: "يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم" ٣. رواه مسلم "وقوله ﷺ ينْزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ٤. رواه البخاري ومسلم.
وقوله: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ٥ رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان، والحاكم وصححه. وقوله: "من لم يدع الله يغضب عليه" ٦ رواه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم وقوله: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل" ٧. رواه الترمذي، وقوله: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض". رواه الحاكم وصححه٨. وقوله: "الدعاء هو العبادة" ٩. رواه أحمد والترمذي. وفي حديث آخر: "الدعاء مخ العبادة" ١٠. رواه الترمذي. وقوله لما سئل: "أي العبادة أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه". رواه البخاري في "الأدب"١١. وقوله: "لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينْزل فعليكم بالدعاء يا عباد الله" ١٢. رواه أحمد. وقوله: "سلوا الله كل شيء
_________________
(١) ١ سورة فاطر آية: ١٣-١٤. ٢ سورة غافر آية: ٦٠. ٣ مسلم: البر والصلة والآداب (٢٥٧٧)، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٩٥)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٥٧)، وأحمد (٥/١٥٤،٥/١٦٠،٥/١٧٧) . ٤ البخاري: الجمعة (١١٤٥)، ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (٧٥٨)، والترمذي: الصلاة (٤٤٦) والدعوات (٣٤٩٨)، وأبو داود: الصلاة (١٣١٥) والسنة (٤٧٣٣)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٣٦٦)، وأحمد (٢/٢٥٨،٢/٢٦٤،٢/٢٦٧،٢/٢٨٢،٢/٤١٩،٢/٤٨٧،٢/٥٠٤،٢/٥٢١)، ومالك: النداء للصلاة (٤٩٦)، والدارمي: الصلاة (١٤٧٨،١٤٧٩) . ٥ الترمذي: الدعوات (٣٣٧٠)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٢٩)، وأحمد (٢/٣٦٢) . ٦ الترمذي: الدعوات (٣٣٧٣)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/٤٧٧) . ٧ الترمذي: الدعوات (٣٥٧١) . ٨ موضوع، الجامع [٣٠٠] . ٩ البخاري: الزكاة (١٤٦١)، ومسلم: الزكاة (٩٩٨)، والترمذي: تفسير القرآن (٢٩٩٧)، والنسائي: الأحباس (٣٦٠٢)، وأبو داود: الزكاة (١٦٨٩)، وأحمد (٣/١٤١)، ومالك: الجامع (١٨٧٥)، والدارمي: الزكاة (١٦٥٥) . ١٠ مسلم: الأقضية (١٧١٥)، وأحمد (٢/٣٦٧)، ومالك: الجامع (١٨٦٣) . ١١ موضوع، الجامع [١٠٠٨] . ١٢ البخاري: الإيمان (٣٦) وفرض الخمس (٣١٢٣) والتوحيد (٧٤٥٧،٧٤٦٣)، ومسلم: الإمارة (١٨٧٦)، والنسائي: الجهاد (٣١٢٢،٣١٢٣) والإيمان وشرائعه (٥٠٢٩،٥٠٣٠)، وابن ماجه: الجهاد (٢٧٥٣)، وأحمد (٢/٢٣١،٢/٣٨٤،٢/٣٩٩،٢/٤٢٤،٢/٤٩٤)، ومالك: الجهاد (٩٧٤)، والدارمي: الجهاد (٢٣٩١) .
[ ١٧٨ ]
حتى الشسع١ إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر" رواه أبو يعلى بإسناد صحيح. وقوله: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح" ٢. رواه البزار بإسناد صحيح.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه". وقال ابن عباس ﵄: " أفضل العبادة الدعاء وقرأ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " رواه ابن المنذر والحياكم وصححه. "وقال مطرف: تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير، الصلاة والصيام، وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك". رواه أحمد. [في الزّهد] .
والأحاديث والآثار في ذلك لا يحيط بها إلا الله تعالى. فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله كما تقدم، فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء - هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة، ويتقربون إليهم ليشفعوا لهم عند الله، ولهذا يخلصون في الشدائد لله وينسون ما يشركون، حتى جاء أنهم إذا جاءتهم الشدائد في البحر يلقون أصنامهم في البحر ويقولون: يا الله يا الله، لعلمهم أن آلهتهم لا تكشف الضر ولا تجيب المضطر. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ
_________________
(١) ١ الشِّسْعُ: أحد سُيور النّعل. هو الي يُدخَل بين الإصبعين، ويُدخَل طرفه في الثّقب الذي في صدر النّعل المشدود في الزّمام. والزّمام السَّير الذي يُعقَد فيه الشّسع. ٢ البخاري: الجهاد والسير (٢٨٩٦)، وأحمد (١/١٧٣) .
[ ١٧٩ ]
الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١. فهم كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده، وأن آلهتهم ليس عندها شيء من ذلك، ولهذا احتج ﷾ عليهم بذلك أنه هو الإله الحق، وعلى بطلان إلهية ما سواه. وقال تعالى:: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢.فهذه حال المشركين الأولين.
وأما عباد القبور اليوم فلا إله إلا الله، كم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك، فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برًّا وبحرًا أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله، وأكثرهم قد اتخذ ذكر إلهه وشيخه ديدنه، وهجيراه إن قام وإن قعد وإن عثر. هذا يقول: يا علي [الشّاذلي]، وهذا يقول: يا عبد القادر [الجيلاني]، وهذا يقول: يا ابن علوان، وهذا يدعو البدوي، وهذا يدعو العيدروس. وبالجملة ففي كل بلد في الغالب أناس يدعونهم ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات. بل بلغ الأمر إلى أن سألوهم مغفرة الذنوب، وترجيح الميزان، ودخول الجنة والنجاة من النار، والتثبيت عند الموت والسؤال، وغير ذلك من أنواع المطالب التي لا تطلب إلا من الله. وقد يسألون ذلك من أناس يدعون الولاية، وينصبون أنفسهم لهذه الأمور وغيرها من أنواع النفع والضر التي هي خواص الإلهية، ويلفقون لهم من الأكاذيب في ذلك عجائب. منها أنهم يدعون أنهم يخلصون مَنِ اْلَتَجَأَ إليهم وَلاَذَ بِحماهم من النار والعذاب، فيقول أحدهم: إنه يقف عند النار فلا يدع أحدًا ممن يرتجيه ويدعوه يدخلها أو نحو هذا، وقد قال تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٣. فإذا كان النبي ﷺ لا يقدر على تخليص أحد من النار، فكيف بغيره، بل كيف بمن يدعي نفسه
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٦٢. ٢ سورة العنكبوت آية: ٦٥. ٣ سورة الزمر آية: ١٩.
[ ١٨٠ ]
أنه هو يفعل ذلك؟! ومنها أن أكثرهم يلفق حكايات في أن بعض الناس استغاث بفلان فأغاثه، أو دعا الولي الفلاني فأجابه، أو في كربة ففرج عنه، وعند عباد القبور من ذلك شيء كثير من جنس ما عند عباد الأصنام الذين استولت عليهم الشياطين، ولعبوا بهم لعب الصبيان بالكرة.
ويوجد شيء من ذلك في أشعار المادحين لسيد المرسلين ﷺ الذين جاوزوا الحد في مدحه ﷺ وعصوه في نهيه من الغلو فيه، وإطرائه كما أطرت النصارى ابن مريم، وصار حظهم منه ﷺ هو مدحه بالأشعار والقصائد، والغلو الزائد، مع عصيانهم له في أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه.
ويقع من ذلك كثير في مدح غيره، فإن عباد القبور لا يقتصرون على بعض من يعتقدون فيه الضر والنفع، بل كل من ظنوا فيه ذلك بَالَغُوا في مدحه وأنزلوه منْزلة الربوبية وصرفوا له خالص العبودية، حتى إنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني رجل صالح، بادروا إلى المحل وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف، وعبدوها بأنواع من العبادات.
وأما القبور المعروفة أو المتوهمة، فأفعالهم معها وعندها لا يمكن حصره، فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس فنَزلوا عن الأكوار، فإذا أتوها طافوا بها واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين، وحلقوا عندها الرؤوس ووقفوا باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم، وهذا هو الحج، وكثير منهم يسجدون لها إذا رأوها، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيمًا لها، وخضوعًا لمن فيها، فإن كان للإنسان منهم حاجة من شفاء مريض أو غير ذلك، نادى صاحب القبر، يا سيدي فلان جئتك قاصدًا من مكان بعيد، لا تخيبني، وكذلك إذا قحط المطر، أو عقرت المرأة عن الولد، أو دهمهم عدو أو جراد، فزعوا إلى صاحب القبر، وبكوا عنده فإن
[ ١٨١ ]
جرى المقدور بحصول شيء مما يريدون، استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر، فإن لم يتيسر شيء من ذلك اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في مكان آخر، أو ساخط لبعض أعمالهم، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف، أو أنهم لم يعطوه نذره ونحو هذه الخرافات. ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين ﷺ قول البوصيري:
١٥٢ يا أكرم الخلق ما لي مَنْ أَلُوذُ به سواك عند حلول الحادث العمم.
١٥٣ ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم.
١٤٦ فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم.
١٤٧ إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم.
فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك.
منها. أنه نفى أن يكون له ملاذًا إذا حلت به الحوادث، إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
الثاني. أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تُطْلَبُ إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية.
الثالث. سؤاله منه أن يشفع له في قوله: ولن يضيق رسول الله. البيت. وهذا هو الذي أرادها المشركون ممن عبدوه، وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك وأيضًا فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لأن الشافع يشفع ابتداء.
الرابع. قوله: فإن لي ذمة. إلى آخره. كذب على الله وعلى رسوله ﷺ فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الإشراك في الاسم مع الشرك.
الخامس. قوله: إن لم يكن في معادي. البيت. تناقض
[ ١٨٢ ]
عظيم وشرك ظاهر، فإنه طلب أولًا أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلًا وإحسانًا، وإلاّ فيا هلاكه! فيقال: كيف طلبت منه أولًا الشفاعة ثم طلبت منه هنا أن يتفضل عليك؟! فإن كنت تقول: إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، فكيف تدعو النبي ﷺ وترجوه وتسأله الشفاعة؟! فهلا سألتها مَنْ له الشفاعة جميعًا الذي له ملك السموات والأرض الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله.
وإن قلت: ما أريد إلا جاهه، وشفاعته بإذن الله. قيل: فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين، فهذا مضاد لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١. فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا؟! وإن قلت: سألته أن يأخذ بيدي، ويتفضل علي بجاهه وشفاعته. قيل: عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله، وذلك هو محض الشرك.
السادس. في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى علىمؤمن، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الانفطار آية: ١٩-٢٠-. ٢ سورة الفاتحة آية: ٥. ٣ سورة التوبة آية: ١٢٩. ٤ سورة الفرقان آية: ٥٨. ٥ سورة الجنّ آية: ٢١-٢٣.
[ ١٨٣ ]
فإن قيل: هو لم يسأله أن يتفضل عليه، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه. قيل: المراد بذلك سؤاله، وطلب الفضل منه، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط كما قال نوح ﵇: ﴿إِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
ومن شعر البرعي قوله:
ماذا تعامل يا شمس النبوة من أضحى إليك من الأشواق في كبدي
فامنع جناب صريع لا صريخ له نائي المزار غريب الدار مبتعد.
حليف ودك واه الصبر منتظر لغارة منك يا ركني ويا عضدي.
أسير ذنبي وزلاتي ولا عمل أرجو النجاة به إن أنت لم تجد.
وجرى في شركه إلى أن قال:
وحُلَ عقدة كربي يا محمد من هم على خطرات القلب مطرد.
أرجوك في سكرات الموت تشهدني كيما يهون إذ الأنفاس في صعد
وإن نزلت ضريحا لا أنيس به فكن أنيس وحيد فيه منفرد.
وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن يليه من أجله وانعشه وافتقد.
وإن دعا فأجبه واحم جانبه من حاسد شامت أو ظالم نكد
وقوله من أخرى:
يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة في الحشر جاها ومقاما.
عد على عبد الرحيم الملتجي بحمى عزك يا غوث اليتامى.
وأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما.
وقوله:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني.
هبني بجاهك ما قدمت من زلل جودًا ورجح بفضل منك ميزاني.
واسمع دعائي واكشف ما يساورني من الخطوب ونفس كل أحزاني.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٤٧.
[ ١٨٤ ]
فأنت أقرب من ترجى عواطفه عندي وإن بعدت داري وأوطاني.
إني دعوتك من "نيابتي برع" وأنت أسمع من يدعوه ذو شان.
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي برحمة وكرامات وغفران.
لقد أنسانا هذا ما قبله، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى ﵇، إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطلقه ولكن أتى بلباب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز، فرأى الشيطان أن الإتيان بالمعنى دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل، وقبوله عند ذوي العقول السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ﵇ كفر.
فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه البرعي وأضرابه، وترك الاسم للنصارى وإلا فما ندري ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان.
وهذا كثير جدًّا في أشعار المادحين لرسول الله ﷺ وهو حجة أعداء دينه الذين يجوزون الشرك بالله، ويحتجون بأشعار هؤلاء، ولم يقتصروا أيضًا على طلب ذلك من النبي ﷺ بل يطلبون مثل ذلك من غيره، كما حدث بعض الثقاة أنه رأى في رابية صاحب مشهد من المشاهد: هذه راية البحر التيار، به أستغيث، وأستجير، وبه أعوذ من النار.
وقال بعضهم في قصيدة في بعض آلهتهم:
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
أنت الملاذ لما أخشى ضرورته وأنت لي ملجأ من حادث الدهر.
إلى أن قال:
وامنن علي بتوفيق وعافية وخير خاتمة مهما انقضى عمري.
وكف عنا أكف الظالمين إذا ام تدت بسوء لأمر مؤلم نكر.
فإنني عبدك الراجي بودك ما أملته يا صفي السادة الغرر.
[ ١٨٥ ]
قال بعض العلماء: فلا ندري أي معنى اختص به الخالق تعالى بعد هذه المنزلة، وماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث لخالقه من الأمر، فإن المشركين أهل الأوثان ما يؤهلون من عبدوه لشيء من هذا. انتهى.
وكثير من عباد القبور ينادون الميت من مسافة شهر وأكثر يسألونه حوائجهم، ويعتقدون أنه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم، وتسمع عندهم حال ركوبهم البحر واضطرابه من دعاء الأموات والاستغاثة بهم ما لا يخطر على بال، وكذلك إذا أصابتهم الشدائد، من مرض، أو كسوف، أو ريح شديدة، أو غير ذلك، فالولي في ذلك نصب أعينهم، والاستغاثة به هي ملاذهم، ولو ذهبنا نذكر ما يشبه هذا لطال الكلام. إذا عرفت هذا، فقد تقدم ذكر دعاء المسألة.
[كلام العلماء في الغلو والمغالين]
وأما دعاء العبادة، فهو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات، من الصلاة، والذبح، والنذر، والصيام، والحج وغيرها، خوفًا وطمعًا، يرجو رحمته، ويخاف عذابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يريد الجنة ويهرب من النار، وهو سائل راغب راهب. يرغب في حصول مراده، ويذهب من فواته، وهو سائل لما يطلبه بامتثال الأمر في فعل العبادة، وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١. بهذا. وهذا قيل: اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم، وقيل: سلوني أعطكم، وعلى هذا القول تدل الأحاديث والآثار.
إذا تبين ذلك، فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم
_________________
(١) ١ سورة غافر آية: ٦٠.
[ ١٨٦ ]
مشركون، ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا.
ذكر شيء من كلام العلماء في ذلك وإن كنا غنيين بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ عن كل كلام، إلا أنه قد صار بعض الناس منتسبًا إلى طائفة معينة، فلو أتيته بكل آية من كتاب الله وكل سنة عن رسول الله ﷺ
لم يقبل حتى تأتيه بشيء من كلام العلماء، أو بشيء من كلام طائفته التي ينتسب إليها.
قال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب كتاب "الفنون" الذي ألفه في نحو أربعمائة مجلد، وغيره من التصانيف.
قال في الكتاب المذكور: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. نقله غير واحد، مقررين له، راضين به، منهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي، الإمام ابن مفلح صاحب كتاب "الفروع" وغيرهما.
وقال شيخ الإسلام في "الرسالة السنية": فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان أيضًا قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ ١. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٧١.
[ ١٨٧ ]
هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يدعى معه إله آخر والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنْزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، يقولون: إنما ﴿نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١. ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. انتهى.
وقد نص الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المقريزي صاحب كتاب "الخطط" في كتاب له في التوحيد على أن دعاء غير الله شرك.
وقال شيخ الإسلام: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم يدعوهم ويسألهم، كفر إجماعًا، نقله عنه غير واحد مقررين له، منهم ابن مفلح في "الفروع" وصاحب "الإنصاف [المرداوي] " وصاحب "الغاية [مرعي الكرمي] " وصاحب "الإقناع [الحجاوي] " وشارحه [البهوتي]، وغيرهم، ونقله صاحب "القواطع [ابن حجر الهيثمي] " في كتابه عن صاحب "الفروع".
قلت: وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم في باب حكم المرتد، على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي: عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات.
وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة له، فيكون صرفه لغير الله شركًا.
وقال الإمام ابن النحاس الشافعي في كتاب "الكبائر": ومنها إيقادهم السرج عند الأحجار، والأشجار والعيون، والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣. ٢ سورة يونس آية: ١٨.
[ ١٨٨ ]
إزالتها ومحو أثرها، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر، وتجلب وتدفع، وتشفي المرض وترد الغائب، إذا نذر لها، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ.
قلت: فصرح ﵀ أن الاعتقاد في هذه الأمور أنها تضر وتنفع وتجلب، وتدفع، وتشفي المريض وترد الغائب إذا نذر لها، أن ذلك شرك، وإذا ثبت أنه شرك، فلا فرق في ذلك بين اعتقاده في الملائكة والنبيين، ولا بين اعتقاده في الأصنام والأوثان، إذ لا يجوز الإشراك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين، ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وشفاء ذوي الأمراض والعاهات، فثبت أن ذلك شرك.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "شرح المنازل" ومن أنواعه أي: الشرك، طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له، كما أمرنا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، وندعو لهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٨٠.
[ ١٨٩ ]
غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان. وما أكثر المستجيبين لهم! ولله در خليله إبراهيم ﵊ حيث قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ١. وما نجا مَنْ أشرك بهذا الشرك الأكبر، إلا مَنْ جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله.
وقال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في رده على السبكي وقوله: أي: قول السبكي: إن المبالغة في تعظيمه، أي تعظيم الرسول ﷺ واجبة: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا، حتى الحج إلى قبره، والسجود له، والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين.
قلت: هذا هو اعتقاد عباد القبور فيمن هو دون الرسول ﷺ فضلًا عن الرسول ﷺ كما تقدم بعض ذلك، والأمر أعظم وأطم من ذلك. وفي "الفتاوى البزازية" من كتب الحنفية، قال علماؤنا: من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم، يكفر.
فإن أراد بالعلماء علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع على كفر معتقد ذلك، وإن أراد علماء الحنفية خاصة، فهو حكاية لاتفاقهم على كفر معتقد ذلك، وعلى التقديرين تأمله تجده صريحًا في كفر من دعا أهل القبور، لأنه ما دعاهم حتى اعتقد أنهم يعلمون ذلك، ويقدرون على إجابة سؤاله، وقضاء مأموله.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفًا على الحياة وبعد الممات في سبيل
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية: ٣٥-٣٦.
[ ١٩٠ ]
الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيها الأجور.
قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة. وفي التنْزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١، إلى أن قال: الفصل الأول فيما انتحلوه من الإفك الوخيم والشرك العظيم. إلى أن قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٢، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٣، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٤، ونحوه من الآيات الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفًا وملكًا، وإحياء وإماتة، وخلقًا، وتمدح الرب سبحانه بانفراده في ملكه بآيات من كتابه كقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٥. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٦. وذكر آيات في هذا المعنى ثم قال: فقوله في الآيات كلها ﴿مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره، إلى أن قال: فكيف يتصور لغيره من ممكن أن يتصرف، إن هذا من السفاهة لقول وخيم، وشرك عظيم، إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١١٥. ٢ سورة النمل آية: ٦٠. ٣ سورة الأعراف آية: ٥٤. ٤ سورة آل عمران آية: ١٨٩. ٥ سورة فاطر آية: ٣. ٦ سورة فاطر آية: ١٣.
[ ١٩١ ]
الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة. قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ١، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ ٢، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٣، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ٤.
وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" ٥. الحديث، فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك أن ليس للميت تصرفًا في ذاته فضلًا عن غيره بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟! فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة. قل أأنتم أعلم أم الله؟.
قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة، لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني.
قال: وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله، وأبدع لمصادمته قوله جل ذكره: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٦، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٧. وذكر آيات في هذا المعنى ثم قال: فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب وأنه المتفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك فإذا تعين هو جل ذكره، خرج غيره من ملك ونبي وولي.
قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه كقولهم: يا لزيد
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣٠. ٢ سورة الزمر آية: ٤٢. ٣ سورة آل عمران آية: ١٨٥. ٤ سورة المدثر آية: ٣٨. ٥ مسلم: الوصية (١٦٣١)، والترمذي: الأحكام (١٣٧٦)، والنسائي: الوصايا (٣٦٥١)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٨٠)، وأحمد (٢/٣٧٢)، والدارمي: المقدمة (٥٥٩) . ٦ سورة النمل آية: ٦٢. ٧ سورة الأنعام آية: ٦٣.
[ ١٩٢ ]
يا لقوم يا للمسلمين كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن خصائص الله، فلا يطلب فيها غيره.
قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية والجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات، إلى أن قال: فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربه أو قضاء حاجته تأثيرًا، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير. وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان كذا أخبر الرحمن ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٣. فإنَّ ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نَبِيٍّ وولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره قال: وأما ما قالوه: من أن منهم أبدالًا ونقباء، وأوتادًا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في "سراج المريدين" وابن الجوزي وابن تيمية. انتهى باختصار. ومثل هذا يوجد في كلام غيرهم من العلماء، والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور ويبينون أنها شرك، وإن كان بعض المتأخرين ممن ينتسب إلى العلم والدين ممن أصيب في عقله ودينه قد يُرَخِّصُ في بعض هذه الأمور، وهو مخطئ في ذلك، ضال مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين، فكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا قول ربنا، وقول رسوله ﷺ فإن ذلك لا
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ١٨. ٢ سورة الزمر آية: ٣. ٣ سورة يس آية: ٢٣.
[ ١٩٣ ]
يتطرق إليه الخطأ بحال، بل واجب على الخلق اتباعه في كل زمان، على أنه لو أجمع المتأخرون على جواز هذا لم يعتد بإجماعهم المخالف لكلام الله وكلام رسوله في محل النّزاع، لأنه إجماع غير معصوم، بل هو من زلة العالم التي حُذِّرْنَا من اتباعها، وأما الإجماع المعصوم، فهو إجماع الصحابة والتابعين وما وافقه، وهو السواد الأعظم الذي ورد الحث على اتباعه وإن لم يكن عليه إلا الغرباء الذين أخبر بهم ﷺ في قوله: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء" ١ رواه مسلم، لا ما كان عليه العوام والطغام، والخلف المتأخرون الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
[النفع والضر من الله وحده]
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ ٢.
ش: قال ابن عطية: معناه قيل لي: ولا تدع، فهو عطف على "أقم" وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﷺ إذا كانت هكذا، فأحرى أن يحذر من ذلك غيره.
وقال غيره: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ معناه: فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فكنى عنه بالفعل إيجازًا، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، إذًا جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر، كأن سائلًا سأل عن تبعة عبادة الأوثان، وجُعِلَ من الظالمين، لأنه لا ظلم أعظم من الشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
قلت: حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى نهى رسوله ﷺ أن يدعو من دونه ما لا ينفعه ولا يضره، والمراد به كل ما سوى الله، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون وسواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٤. وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (١٤٥)، وابن ماجه: الفتن (٣٩٨٦)، وأحمد (٢/٣٨٩) . ٢ سورة يونس آية: ١٠٦-١٠٧. ٣ سورة لقمان آية: ١٣. ٤ سورة الجن آية: ١٨.
[ ١٩٤ ]
بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" ١ رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وفي الآية تنبيه على أن المدعو لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر حتى يعطي من دعاه أو يبطش بمن عصاه، وليس ذلك إلا لله وحده، فتعين أن يكون هو المدعو دون ما سواه، والآية شاملة لنوعي الدعاء.
وقوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي المشركين، وهذا كقوله: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣. وقوله في الأنعام: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤. فإذا كان هذا الأمر لا يصدر من الأنبياء وحاشاهم من ذلك لم يفكوا أنفسهم من عذاب الله، فما ظنك بغيرهم؟! فلم يبق شيء يقرب إلى الله ويباعد من سخطه إلا توحيده والعمل بما يرضاه، لا الاعتماد على شخص أو قبر أو صنم أو وثن أو مال أو غير ذلك من الأسباب ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥ والآية. نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ٦؛ لأنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع، ولازم ذلك إفراده بتوحيد الإلهية لأنهما متلازمان، وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب الخير، لأنه لا يكشف الضر إلا هو، ولا يجلب الخير إلا هو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٧. فتعين أن لا يدعى لذلك إلا هو، وبطل دعاء من سواه ممن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا فضلًا عن غيره، وهذا ضد ما عليه عباد القبور، فإنهم يعتقدون أن الأولياء والطواغيت الذي يسمونهم
_________________
(١) ١ الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٥١٦)، وأحمد (١/٢٩٣،١/٣٠٣،١/٣٠٧) . ٢ سورة الشعراء آية: ٢١٣. ٣ سورة الزمر آية: ٦٥. ٤ سورة الأنعام آية: ٨٨. ٥ سورة المؤمنون آية: ١١٧. ٦ سورة يونس آية: ١٠٧. ٧ سورة فاطر آية: ٢.
[ ١٩٥ ]
المجاذيب ينفعون ويضرون ويمسون بالضر ويكشفونه، وأن لهم التصرف المطلق في الملك، أي: على سبيل الكرامة، وهذا فوق شرك كفار العرب، وإما على سبيل الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.وفي الآية دليل على أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. ذكره المصنف.
وقوله: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، فلا يرده عنه راد، لأنه العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، فأي فائدة في دعاء غيره لشفاعة أو غيرها؟ فإنه تعالى فعال لما يريد، لا يغنيه عنه شفيع ولا غيره، بل لا يتكلم أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفع أحد إلا بإذنه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي لمن تاب إليه وأقبل عليه حتى ولو كان من الشرك.
قال: وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ ٣.
ش: أمر الله تعالى بابتغاء الرزق عنده لا عند غيره ممن لا يملك رزقًا من الأوثان والأصنام وغيرها، كما قال في أولا الآية: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ١٧] . قال ابن كثير: وهذا أبلغ في الحصر كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٤. ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ٥. ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ٦. أي: لا عند غيره لأنه المالك له وغيره لا يملك شيئًا من ذلك ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾، أي: أخلصوا له العبادة وحده لا شريك له ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: على ما أنعم عليكم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: فيجازي كل عامل بعمله.
قلت: في الآية الرد على المشركين الذين يدعون غير الله
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣. ٢ سورة السجدة آية: ٤. ٣ سورة العنكبوت آية: ١٧. ٤ سورة الفاتحة آية: ٥. ٥ سورة التحريم آية: ١١. ٦ سورة العنكبوت آية: ١٧.
[ ١٩٦ ]
ليشفعوا لهم عنده في جلب الرزق، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم، واستغاث بهم ليرزقوه وينصروه كما هو الواقع من عباد القبور؟ .
وقال المصنف: وفيه أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
قال: وقوله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، [الأحقاف الآيتان: ٥-٦] .
ش: حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى حكم بأنه لا أضل ممن يدعو من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة واستغاثة من هذه حاله. ومعنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالًا ممن عبد غير الله ودعاه، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كل بغية ومرام، ويدعون من دونه من لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دام في الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ١ وقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢.أي لا يشعرون بدعاء من دعاهم، لأنهم إما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم كالملائكة، وإما أموات كالأنبياء والصالحين، وإما أصنام وأوثان. وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ ٣. أي: إذا قامت القيامة وحشر الناس للحساب عادوهم وكانوا بعبادتهم الدعاء وغيره من أنواع العبادة كافرين، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ٤. فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة، لا تتولاهم بالاستجابة في الدنيا، وتجحد عبادتهم في الآخرة وهم أحوج ما كانوا إليها.
وفي الآيتين مسائل نبه عليها المصنف: أحدها: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الثانية: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثالثة:
_________________
(١) ١ سورة الرعد آية: ١٤. ٢ سورة الأحقاف آية: ٥. ٣ سورة الأحقاف آية: ٦. ٤ سورة مريم آية: ٨١-٨٢.
[ ١٩٧ ]
أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له. الرابعة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو. الخامسة: كفر المدعو بتلك العبادة. السادسة: أن هذه الأمور هي سبب كونه أضل الناس.
[لا يجيب المضطر إلا الله]
قال: وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ١.
ش: يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود سواه مما يشترك في معرفته المؤمن والكافر، لأن القلوب مفطورة على ذلك، فمتى جاء الاضطرار رجعت القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها، فالتجأت إليه وأنابت إليه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٣. ومثل هذا كثير في القرآن.
يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الكاشف للسوء وحده، فيكون هو المعبود وحده، وكذا قال في هذه الآية: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٤. أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه والذي لا يكشف ضر المضطرين سواه، ومن المعلوم أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده، وإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٥.
فتبين أن من اعتقد في غير الله أنه يكشف السوء أو يجيب دعوة المضطر، أو دعاه لذلك فقد أشرك شركًا أكبر من شرك العرب كما هو الواقع من عباد القبور.
[تحريم الاستغاثة بغير الله]
قال: وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله".
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٦٢. ٢ سورة النّحل آية: ٥٣-٥٤. ٣ سورة الزمر آية: ٨. ٤ سورة النمل آية: ٦٢. ٥ سورة العنكبوت آية: ٦٥.
[ ١٩٨ ]
ش: قوله: (روى الطبراني)، هو: الإمام الحافظ الثقة، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها. روى عن النسائي وإسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِي وخلق كثير، ومات سنة ستين وثلاثمائة، وقد بيض المصنف لاسم الراوي، وكأنه والله أعلم نقله عن غيره أو كتبه من حفظه، والحديث عن عبادة بن الصامت ﵁.
قوله: (إنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين) . هذا المنافق لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن أُبَيّ، فإنه معروف بالأذى للمؤمنين بالكلام في أعراضهم ونحو ذلك، أما أذاهم بنحو ضرب أو زجر، فلا نعلم منافقًا بهذه الصفة.
قوله: (فقال بعضهم) . أي: بعض المؤمنين، وهذا البعض القائل لذلك يحتمل أن يكون واحدًا، وأن يكون جماعة، والظاهر أنه واحد، وأظن في بعض الروايات أنه أبو بكر الصديق ﵁.
قوله: (قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ) . مرادهم الاستغاثة به فيما يقدر عليه بكف المنافق عن أذاهم، بنحو ضربه أو زجره، لا الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله.
قوله: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" قال بعضهم: فيه التصريح بأنه لا يستغاث بالنبي ﷺ في الأمور، وإنما يستغاث بالله. والظاهر أن مراده ﷺ إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ، لأن استغاثتهم به ﷺ من المنافق من الأمور التي يقدر عليها، إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه ﷺ لجناب التوحيد، وتعظيم الله ﵎. فإذا كان هذا كلامه ﷺ في الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور المهمة التي لا يقدر عليها أحد إلا الله كما هو جار على ألسنة كثير من الشعراء وغيرهم؟! وقَلَّ من يعرف أن ذلك منكر، فضلًا عن معرفة كونه شركًا.
[ ١٩٩ ]
فإن قلت: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١. فإن ظاهر الحديث المنع من إطلاق لفظ الاستغاثة على المخلوق فيما يقدر عليه، وظاهر الآية جوازه. قيل: تحمل الآية على الجواز، والحديث على الأدب والأولى، والله أعلم. وقد تبين بما ذُكِرَ في هذا الباب وشرحه من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله، هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواع الشرك، لأن الدعاء مخ العبادة، ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما دعوا إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك هو خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله، فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله، فقد ساوى بينه وبين الله، وذلك هو الشرك، ولهذا يقول المشركون لآلهتهم وهم في الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. ولكن لعباد القبور على هذا شبهات، ذكر المصنف كثيرًا منها في "كشف الشبهات" ونحن نذكر هنا ما لم يذكره.
فمن ذلك أنهم احتجوا بحديث رواه الترمذي في "جامعه" حيث قال: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا عثمان بن عمرو، ثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حُنَيْف "أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت به إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في". قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من رواية أبي جعفر،
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ١٥. ٢ سورة الشّعراء آية: ٩٧-٩٨.
[ ٢٠٠ ]
وهو غير الخطمي، هكذا رواه الترمذي ورواه النسائي وابن شاهين والبيهقي كذلك، وفي بعض الروايات: "يا محمد إني أتوجه " ١ إلى آخره.
وهذه اللفظة هي التي تعلق بها المشركون، وليست عند هؤلاء الأئمة. قالوا: فلو كان دعاء غير الله شركًا لم يعلم النبي ﷺ الأعمى هذا الدعاء الذي فيه نداء غير الله.
والجواب من وجوه:
الأول: أن هذا الحديث من أصله وإن صححه الترمذي، فإن في ثبوته نظرًا، لأن الترمذي يتساهل في التصحيح كالحاكم، لكن الترمذي أحسن نقدًا، كما نص على ذلك الأئمة. ووجه عدم ثبوته أنه قد نص أن أبا جعفر الذي عليه مدار هذا الحديث هو غير الخطمي، وإذا كان غيره، فهو لا يعرف، ولعل عمدة الترمذي في تصحيحه أن شعبة لا يروي إلا عن ثقة، وهذا فيه نظر، فقد قال عاصم بن علي: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم إلا عن ثلاثة، وفي نسخة عن ثلاثين، ذكره الحافظ العراقي، وهذا اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر في حاله، ويتوقف الاحتجاج به على ثبوت صحته.
الثاني: أنه في غير محل النّزاع، فأين طلب الأعمى من النبي ﷺ أن يدعو له، وتوجهه بدعائه مع حضوره، من دعاء الأموات، والسجود لهم، ولقبورهم، والتوكل عليهم، والالتجاء إليهم في الشدائد والنذر والذبح لهم، وخطابهم بالحوائج من الأمكنة البعيدة: يا سيدي يا مولاي افعل بي كذا؟! فحديث الأعمى شيء، ودعاء غير الله تعالى والاستغاثة به شيء آخر، فليس في حديث الأعمى شيء غير أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، ويشفع له، فهو توسل بدعائه وشفاعته، ولهذا قال في آخره "اللهم فشفعه في". فعلم أنه شفع له.
_________________
(١) ١ البخاري: الفتن (٧٠٥٦)، والنسائي: البيعة (٤١٤٩،٤١٥١،٤١٥٢،٤١٥٣،٤١٥٤)، وابن ماجه: الجهاد (٢٨٦٦)، وأحمد (٣/٤٤١،٥/٣١٦،٥/٣١٨،٥/٣١٩،٥/٣٢٥)، ومالك: الجهاد (٩٧٧) .
[ ٢٠١ ]
وفي رواية أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدل الحديث على أنه ﷺ شفع له بدعائه، وأن النبي ﷺ أمره هو أن يدعو الله ويسأله قبول شفاعته، فهذا من أعظم الأدلة على أن دعاء غير الله شرك، لأن النبي ﷺ أمره أن يسأل قبول شفاعته، فدل على أن النبي ﷺ لا يدعى. ولأنه ﷺ لم يقدر على شفائه إلا بدعاء الله له. فأين هذا من تلك الطوام، والكلام إنما هو في سؤال الغائب أو سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما أن تأتي شخصًا يخاطبك فتسأله أن يدعو لك فلا إنكار في ذلك على ما في حديث الأعمى، فالحديث سواء كان صحيحًا أو لا، وسواء ثبت قوله فيه: يا محمد أو لا، لا يدل على سؤال الغائب، ولا على سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله بوجه من وجوه الدلالات. ومن ادعى ذلك، فهو مفتر على الله وعلى رسوله ﷺ؛ لأنه إن كان سأل النبي ﷺ نفسه، فهو لم يسأل منه إلا ما يقدر عليه، وهو أن يدعو له، وهذا لا إنكار فيه وإن كان توجه به من غير سؤال منه نفسه، فهو لم يسأل منه، وإنما سأل من الله به، سواء كان متوجهًا بدعائه، كما هو نص أول الحديث وهو الصحيح، أو كان متوجهًا بذاته على قول ضعيف، فإن التوجه بذوات المخلوقين، والإقسام بهم على الله بدعة منكرة، لم تأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، والتابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة الدين. قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وقال أبو يوسف: أكره بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام. وقال القدوري: المسألة بحق المخلوق لا تجوز، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، واختاره العز بن عبد السلام، إلا في حق النبي ﷺ خاصة إن ثبت الحديث، يشير إلى حديث الأعمى، وقد تقدم أنه على تقدير ثبوته ليس فيه إلا أنه توسل بدعائه لا بذاته.
[ ٢٠٢ ]
وقد ورد في ذلك حديث رواه الحاكم في "مستدركه" فأبعد النجعة من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [عن أبيه عن جدّه عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: "لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى العرش، فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي". الحديث. وهو حديث ضعيف بل موضوع، لأنه مخالف للقرآن. قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. فهذا هو الذي قاله آدم. قال الذهبي في هذا الحديث: أظنه موضوعًا، وعبد الرحمن بن زيد متفق على ضعفه، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
الثالث. أن قوله: يا محمد إني أتوجه إلخ لم تثبت في أكثر الروايات. وبتقدير ثبوتها لا يدل على جواز دعاء غير الله، لأن هذا خطاب لحاضر معين يراه ويسمع كلامه، ولا إنكار في ذلك، فإن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه ما يقدر عليه، فأين هذا من دعاء الغائب والميت لو كان أهل البدع والشرك يعلمون؟! .
واحتجوا أيضًا بحديث رواه أبو يعلى وابن السني في "عمل اليوم والليلة" فقال ابن السني: حدثنا أبو يعلى ثنا الحسن بن عمرو بن شقيق ثنا معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن سعيد عن قتادة عن أبي بردة عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض [فلاة] فليناد يا عباد الله احبسوا" هكذا في كتاب ابن السني. وفي "الجامع الصغير:" فإن لله ﷿ في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم".والجواب أن هذا الحديث مداره على معروف ابن حسان وهو أبو معاذ السمرقندي. فقوله في الأصل: ثنا أبو معاذ السمرقندي خطأ أظنه من الناسخ. قال ابن عدي: منكر الحديث، وقال الذهبي في "الميزان": قال ابن عدي: منكر الحديث، قد روى عن عمر بن ذر
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٢٣.
[ ٢٠٣ ]
نسخة طويلة كلها غير محفوظة، وقال السيوطي: حديث ضعيف، وأقول: بل هو باطل، إذ كيف يكون عند سعيد عن قتادة، ثم يغيب عن أصحاب سعيد الحفاظ الأثبات مثل يحيى القطان، وإسماعيل بن علية، وأبي أسامة، وخالد بن الحارث، وأبي خالد الأحمر وسفيان، وشعبة، وعبد الوارث، وابن المبارك، والأنصاري، وغندر، وابن أبي عدي ونحوهم، حتى يأتي به هذا الشيخ المجهول المنكر الحديث! فهذا من أقوى الأدلة على وضعه، وبتقدير ثبوته لا دليل فيه، لأن هذا من دعاء الحاضر فيما يقدر عليه كما قال: "فإن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم".
واحتجوا أيضًا بحديث رواه الطبراني في "المعجم الكبير" فقال: حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المصري ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف "أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان ابن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليقضي لي حاجتي". الحديث. والجواب من وجوه:
الأول: أن راوية طاهر بن عيسى ممن لا يعرف بالعدالة بل هو مجهول، قال الذهبي: طاهر بن عيسى بن قيرس أبو الحسين المصري المؤدب عن سعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وأصبغ بن الفرج. وعنه الطبراني. توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو إذًا مجهول الحال لا يجوز الاحتجاج بخبره، لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة.
الثاني: قوله: عن أبي سعيد المكي أشد جهالة من الأول،
[ ٢٠٤ ]
فإن مشايخ ابن وهب المكيين معروفون كداود بن عبد الرحمن، وزمعة بن صالح، وابن عيينة، وطلحة بن عمرو الحضرمي، وابن جريج، وعمر بن قيس، ومسلم بن خالد الزنجي، وليس فيهم من يكنى أبا سعيد، فتبين أنه مجهول.
الثالث: إن قلنا بتقدير ثبوته، فليس فيه دليل على دعاء الميت والغائب، غاية ما فيه أنه توجه به في دعائه، فأين هذا من دعاء الميت؟ فإن التوجه بالمخلوق سؤال به لا سؤال منه، والكلام إنما هو في سؤال المخلوق نفسه ودعائه والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، وكل أحد يفرق بين سؤال الشخص، وبين السؤال به، فإنه في السؤال به قد أخلص الدعاء لله، ولكن توجه على الله بذاته أو بدعائه. وأما في سؤاله نفسه ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد جعله شريكًا لله في عبادة الدعاء، فليس في حديث الأعمى، وحديث ابن حنيف هذا إلا إخلاص الدعاء لله كما هو صريح فيه، إلا قوله، يا محمد إني أتوجه بك، وهذا ليس فيه المخاطبة لميت فيما لا يقدر عليه، إنما فيه مخاطبته مستحضرًا له في ذهنه كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
الرابع: أنهم زعموا أنه دليل على دعاء كل غائب وميت من الصالحين، فخرجوا عما فهموه من الحديث بفهمهم الفاسد إلى أنه دليل على دعاء كل غائب وميت صالح، ولا دليل فيه أصلًا على دعاء الرسول ﷺ بعد موته، ولا في حياته فيما لا يقدر عليه، ثم لو كان فيه دليل على ذلك لم يكن فيه دليل على دعاء الغائب والميت مطلقًا، لأن هذا قياس مع وجود الفارق، وهو باطل بالإجماع، إذ ما ثبت للنبي ﷺ من الفضائل والكرامات لا يساويه فيه أحد، فلا يجوز قياس غيره عليه، وأيضًا فالقياس إنما يجوز للحاجة ولا حاجة إلى قياس غيره عليه، فبطل قياسهم بنفس مذهبهم، هذا غاية ما احتجوا به مما هو موجود في بعض الكتب
[ ٢٠٥ ]
المعروفة، وما سوى هذه الأحاديث الثلاثة فهو مما وضعوه بأنفسهم، كقولهم: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، وقولهم: لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه. قال ابن القيم: وهو من وضع المشركين عباد الأوثان.
[ ٢٠٦ ]