إن الداعية له مكانة مميزة، قال د. حمد العمار: «وينبغي على الداعية وهو يسير في طريق الدعوة الطويل الموحش المليء بالأشواك والعقبات أن يتذكر دائمًا في يسره وعسره فضل دعوته وقيمتها ومنزلتها عند الله سبحانه وما وعد الله سبحانه به دعاته الصادقين ليزدادوا خيرًا ونشاطًا وتنافسًا في ميدان الدعوة قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). وليفرحوا بفضل الله ومنه وكرمه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢). فينبغي على الداعية أن يتذكر تفضل الله عليه ومنته عليه أن هداه للإسلام وأن جعله ممن أنار الله بصيرته وتحمل قسطًا من أمانة تبليغ هذا الدين، وتحمل شيئًا من المسؤولية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٣). ومما ميز الله به الدعاة عن غيرهم أنهم خير الناس» (٤).
إن الثقة في الله تعالى تعطي الداعية دافعًا نفسيًا قويًا في الدعوة إلى الله تعالى.
يقول الشيخ علي محفوظ ﵀: «ومن صفات الداعية إلى الله تعالى قوة الثقة بالله في وعده، وكمال الرجاء في حصول الفائدة، مهما طال به العلاج وعظمت المصاعب؛ فإنه متى تمكن ذلك من نفسه انبعثت همته، وقوي نشاطه، وتنبه إلى انتهاز كل فرصة بما يناسبها موقنًا بأنه إن لم يظهر تأثيره
_________________
(١) سورة المطففين، الآية: ٢٦.
(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.
(٤) صفات الداعية، أ. د. حمد بن ناصر العمار ص ١٢٠، ط/ ٣، دار إشبيليا، الرياض: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.
[ ١٠١ ]
اليوم فغدًا يظهر، مؤمنًا بأن الباطل زهوق، ولا بد من يوم يتغلب فيه الحق على الباطل، فإن دولة الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها، ودولة الحق هي الثابتة بذاتها فلا يغلب أنصاره ما داموا معتصمين به مجتمعين عليه. فلا يليق بالداعي أن ييأس من الإصلاح إن لم يؤثر عمله الأول مرة، بل عليه أن يكرر النصيحة والعظمة المرة بعد الأخرى بنشاط لا يعرف الملل، ورجاء لا يعتريه اليأس» (١).
إن الثقة بالله وبالنصر من عند الله، والاعتماد على توفيقه وتأييده يوجد عند كل من الدعاة الحق، وتلك الثقة هي التي تأخذ بيديه، وتمسح الدموع من عينيه عندما يقف المعاندون في طريق الدعوة ويريدون أن يزرعوا العقبات في سبيل امتدادها حتى ليخل إلى الداعية أنها وصلت إلى طريق مسدود، وسوف لا تستطيع أن تشق طريقها إلى الأمام فإذا بالداعية يشعر كأن نصر الله حليفه، ويد الله شريكه، ويتأكد في قرارة نفسه، أنها سوف تستوفى حظها من الامتداد والانتشار، مهما وضعت في طريقها العراقيل وقامت الجنادل والصخور؛ لأن الله رضيها منهجًا صحيحًا وطريقًا محببًا، وتلك هي الثقة التي تتمثل في الآية الكريمة: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢). وبهذه الثقة وحسن التوكل يتأكد للداعي أن الدعم الإلهي حليفه، وتأييد الله قرينه.
إن الجراءة في الحق قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن الداعية من الإيمان بالله الواحد الأحد، ومن الحق الذي يعتقده، ومن الخلود السرمدي الذي يوقن به، ومن القدر الذي يستسلم إليه، ومن المسؤولية التي يستشعر بها، وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، يكون
_________________
(١) هداية المرشدين إلى طريق الوعظ والخطابة، الشيخ علي محفوظ، ص ١٠٣.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.
[ ١٠٢ ]
نصيبه من قوة الجرأة والشجاعة، وإعلان كلمة الحق التي لا تخشى في الله لومة لائم» (١).
إن المختصين بالعلم ليس كالجاهل، فأول ما ينبغي أن يتحلى به الداعية: الإخلاص؛ ثم الثقة في وعد الله ﷿ إذا جاءه من طريق قطعي لا يتطرق إلا ثبوته شك فلا يحل له أن يتوقف - مثل القرآن - بل عليه أن يثق أن الله ناصره مهما خذله الناس، ومهما كان وحيدًا فريدًا، فإذا قرأ في القرآن: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). فليعلم أنه غالب ما استقام على أمر الله ﷿.
قال القاسمي ﵀: «وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: حزب الشيطان المحادين ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضاءه» (٣).
وقال الشيخ السعدي ﵀: «هذا وعد ووعيد، وعيد لمن حاد الله ورسوله بالكفر والمعاصي، أنه مخذول مذلول، لا عاقبة له حميدة، ولا راية له منصورة.
ووعد لمن آمن به، وبرسله، واتبع ما جاء به المرسلون، فصار من حزب الله المفلحين، أن لهم الفتح والنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده» (٤).
_________________
(١) صفات الداعية النفسية، عبد الله ناصح علوان، ص ٢٣.
(٢) سورة المجادلة، الآية: ٢١.
(٣) محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، ٩/ ٤٥.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص ٨٤٨.
[ ١٠٣ ]
وإذا قرأ قول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). فليعلم أنه متى استقام على أمره غلب ولو بعد حين، ولو كان وحيدًا فريدًا.
إن الرجل إذا تصدر الدعوة إلى الله ﷿ وكان مستقيمًا على أمر الله فليثق يقينًا بنصر الله ﷿، ومن تمام ثقته بنصر الله ﷿: ألا يعتمد قلبه إلا على الله، وييئس من مصر الجماهير له، ولا يزعجه قلة الأتباع إذا كان ذا منهج مستقيم، فالرسل كان أتباعهم قلة، وحديث النبي - ﷺ - المعروف عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يجئ النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا فيقولون لا فيقال له هل بلغت قومك فيقول نعم فيقال له من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيدعى محمد وأمته فيقال لهم هل بلغ هذا قومه فيقولون نعم فيقال وما علمكم فيقولون جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢). قال يقول عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣).