دلت النصوص الشرعية على أن وعد الله لا يتخلف في نصر رسله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣).
قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ولقد سبق منا القول لرسلنا إنهم لهم المنصورون: أي مضى بهذا منا القضاء والحكم في أمّ الكتاب، وهو أنهم لهم النُّصرة والغلبة بالحجج.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ يقول: وإن حزبنا وأهل ولايتنا لهم الغالبون، يقول: لهم الظفر على أهل الكفر بنا، والخلاف علينا» (٤).
والمراد من الآيات أنه لقد سبق وعدنا بالنصر والظفر على الكفار في الدنيا والآخرة لعبادنا الرسل الذين أرسلناهم للإنذار والتبشير، ففي الدنيا: تكون الغلبة والقهر لهم بالأسر والقتل والتشريد أو الإجلاء أو بالحجة
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية: ٢٧.
(٢) التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، د. وهبة بن مصطفى الزحيلي، ١٣/ ١٧٣.
(٣) سورة الصافات، الآيات: ١٧١ - ١٧٣.
(٤) جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ٢١/ ١٣٠.
[ ١٣٢ ]
والبرهان، ونحو ذلك، وفي الآخرة: الظفر بالجنة، والنجاة من النار، وهذا في الأعم الأغلب. وجند الله:
حزبه، وهم الرسل وأتباعهم. وشرط النصر معروف، وهو الإيمان الصحيح بالله ﷿، والعمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتزام دين الله شرعًا ودستورًا ونظامًا ومنهج حياة.
وقال الشيخ السعدي ﵀: لقد سبقت كلمة الله التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم، نصرًا عزيزًا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور» (١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى مقررًا لوعده ومؤكدًا: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
ثم أخبر أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا يغالب، وذو انتقام ممن كفر به وجحده» (٣).
وقال ابن عطية ﵀: «والمعنى: لا تحسب يا محمد - أنت ومن اعتبر بالأمر من أمتك وغيرهم - أن الله لا ينجز ميعاده في نصره رسله، وإظهارهم، ومعاقبة من كفر بهم، في الدنيا أو في الآخرة، فإن الله عزيز لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة لا سبيل إلى عفوه عنهم» (٤).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي|، تحقق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص ٧٠٨.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ٤/ ٥١٨.
(٤) المحرر الوجيز، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي، تحقيق: الرحالة الفاروق، عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال السيد إبراهيم، محمد الشافعي الصادق العناني ٤/ ١١٤.
[ ١٣٣ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
وعد الله لا يخلف لأن كلامه حق وصدق، ولكن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون وعده، ولا أنه لا خلف في وعده.
إلى غير ذلك من الآيات التي تقرر نصر الله لرسله ووعده بذلك، وثقة الأنبياء في نصر الله لهم.