وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (٤).
قال الفخر الرازي ﵀: «والمعنى أنه تعالى أمره - ﷺ - باتباع الوحي والتنزيل، فإن وصل إليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٢١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٤) سورة يونس، الآية: ١٠٩.
[ ١٠٤ ]
يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين» (١).
وقال ابن كثير ﵀: «وقوله ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي يفتح بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي خير الفاتحين بعدله وحكمته» (٢).
وقال د. وهبة الزحيلي: «الرسول كغيره من الرسل والمؤمنين يجب عليه اتباع ما أوحى الله له، والصبر على الطاعة وعن المعصية، فإن أصابه مكروه بسب نشر دعوته، فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وله؛ بالنصر على أعدائه والغلبة على المكذبين» (٣).
وأمر الله تعالى سيد الدعاة - ﷺ - بالصبر على ما يقول المعاندون لدعوته وأن يحلي هذا الصبر بالجمال فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٤).
قال الفخر الرازي ﵀: «المعنى إنك لما اتخذتني وكيلًا؛ فاصبر على ما يقولون وفوض أمرهم إلي؛ فإنني لما كنت وكيلًا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بإصلاح أمور نفسك، واعلم أن مهمات العباد محصورة في أمرين كيفية معاملتهم مع الله، وكيفية معاملتهم مع الخلق، والأول أهم من الثاني، فلما ذكر تعالى في أول هذه السورة ما يتعلق بالقسم الأول أتبعه بما يتعلق بالقسم الثاني، وهو سبحانه جمع كل ما يحتاج إليه من هذا الباب في هاتين الكلمتين، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطًا للناس أو مجانبًا
_________________
(١) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي الشافعي، ١٧/ ١٤١، ١٤٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ٢/ ٤٣٦.
(٣) التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، د. وهبة الزحيلي، ١١/ ٢٨٦.
(٤) سورة المزمل، الآية: ١٠.
[ ١٠٥ ]
عنهم فإن خالطهم فلا بد له من المصابرة على إيذائهم وإيحاشهم، فإنه إن كان يطمع منهم في الخير والراحة لم يجد فيقع في الغموم والأحزان، فثبت أن من أراد مخالطة مع الخلق فلا بد له من الصبر الكثير، فأما إن ترك المخالطة فذاك هو الهجر الجميل، فثبت أنه لا بد لكل إنسان من أحد هذين الأمرين» (١).
والداعية الصابر محفوف بالرعاية الربانية كما حفظ الله نبيه وأمره بالصبر فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀: «أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس» (٣).
وما الصبر إلا خلق سار عليه الدعاة وعلى رأسهم الأنبياء جميعًا يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤).
قال الطبري ﵀: «وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - وتعزية له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه على ما جاءهم به من الحق من عند الله. يقول تعالى ذكره إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك فيجحدوا نبوتك وينكروا آيات الله أنها من عنده؛ فلا يحزنك ذلك، واصبر على تكذيبهم إياك، وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله حتى يأتي نصر الله؛ فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم فنالوهم بمكروه فصبروا على تكذيب قومهم إياهم ولم يثنهم ذلك من المضي لأمر الله الذي
_________________
(١) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي الشافعي، ٣٠/ ١٩٥.
(٢) سورة الطور، الآية: ٤٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ٤/ ٢٤٦.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ٣٤.
[ ١٠٦ ]
أمرهم به من دعاء قومهم إليه حتى حكم الله بينهم وبينهم ولا مبدل لكلمات الله ولا مغير لكلمات الله» (١).
وقال د. علي محمد الصلابي: «كان بناء الجماعة المؤمنة في الفترة المكية يتم بكل هدوء وتدرج وسرية، وكان شعار هذه المرحلة هو توجيه المولى ﷿ المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢).
فالآية الكريمة تأمر النبي - ﷺ - بأن يصبر على تقصير وأخطاء المستجيبين لدعوته، وأن يصبر على كثرة تساؤلاتهم خاصة إن كانت خاطئة، وأن يصبر على ترددهم في قبول التوجيهات، وأن يجتهد في تصبيرهم على فتنة أعداء الدعوة، وأن يوضح لهم طبيعة طريق الدعوة، وأنها شاقة، وأن لا يغرر به مغرر ليبعده عنهم، وأن لا يسمع فيهم منتقصًا، ولا يطيع فيهم متكبرًا أغفل الله قلبه عن حقيقة الأمور وجوهرها» (٣).
قال د. علي محمد الصلابي: «لم يفتر المشركون عن أذى رسول الله - ﷺ - منذ أن صدع بدعوته إلى أن خرج من بين أظهرهم وأظهره الله عليهم، ويدل على ذلك مبلغ هذا الأذى تلك الآيات الكثيرة التي كانت تتنزل عليه في هذه الفترة تأمره بالصبر، وتدله على وسائله، وتنهاه عن الحزن، وتضرب له أمثلة من واقع إخوانه المرسلين مثل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٥). وقال
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن، الإمام محمد بن جرير الطبري، ٧/ ١٨٣.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
(٣) السيرة النبوية، د. علي محمد الصلابي ١/ ١٥١، ط/ ١، دار الإيمان: ٢٠٠٢ م.
(٤) سورة المزمل، الآية: ٢٤.
(٥) سورة الإنسان، الآية: ٢٤.
[ ١٠٧ ]
سبحانه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (١). وقال ﷿: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢). (٣)
وكذلك دعا النبي - ﷺ - أصحابه إلى التحلي بهذه الفضيلة في دعوتهم فعن خبَّاب بن الأرتِّ - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسِّدٌ بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا قال:
«كان الرَّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشقُّ باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ وما يصدُّه ذلك عن دينه والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذِّئب على غنمه ولكنَّكم تستعجلون» (٤).
قال بدر الدين العيني ﵀: «وحاصل المعنى: لا تستعجلوا فإن من كان قبلكم قاسوا ما ذكرنا فصبروا، وأخبرهم الشارع بذلك ليقوى صبرهم على الأذى» (٥).
وقال علي القاري ﵀: «وقوله - ﷺ - في الحديث «ولكنَّكم تستعجلون» أي سيزول عذاب المشركين فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقكم من المؤمنين على أشد من عذابكم لقوة اليقين» (٦).
وما من شك أن «الصبر من الصفات اللازمة لكل إنسان، إذ بدونه لا
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ١٢٧.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٣.
(٣) السيرة النبوية، د. علي محمد الصلابي، ١: ٢٧٦.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: علاما النبوة في الإسلام، رقم ٣٦١٢.
(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني الحنفي، ١٦/ ١٤٥.
(٦) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن سلطان محمد القاري، تحقيق جمال عيتاني ١٠/ ٣٥٣، ط / دار الكتب العلمية، بيروت: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.
[ ١٠٨ ]
يستطيع بلوغ ما يريد لأن المراد لا ينال غالبًا إلا بتحمل المكاره وحبس النفس عليها. وهذا مطرد في جميع أمور الحياة، فالطالب يحبس نفسه على المذاكرة والدرس وكف نفسه عما تهواه من لذة وراحة حتى يستوعب الدروس لينجح في الامتحان، وكذلك التاجر، وكذلك أي صاحب غرض يريد نواله. وما يقال عن الأفراد يقال عن الأمم، فالأمة التي تريد بلوغ ما تصبو إليه تحتاج إلى صبر عظيم وتحمل للمشاق، والانتصار في الحروب يكون بجانب الذي يملك أسبابه، ومن أعظم أسبابه الصبر، فالصبر إذن ضروري لكل إنسان في الحياة وإلا صار هشًا سريع الانكسار أمام الأحداث وما أكثرها في الحياة، فإنها مملوءة بالمنغصات والمشقات والصعاب والمؤلمات، فإذا لم يقابلها بشيء من الصبر انكسر وتفتت وتمزقت شخصيته في دروب الحياة فتسحقه الأقدام وتلقيه بعيدًا عن طريق المارين .. وإذا كان الصبر ضروريًا لأي إنسان، لا سيما للمسلم، فإن الصبر للداعي المسلم أشد ضرورة له من غيره، لأنه يعمل في ميدانين ميدان نفسه، يجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية وميدان خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة إلى الله، ومخاطبة الناس في موضوعها، فيحتاج إلى قدر كبير من الصبر في المجالين. مجال النفس ومجال الدعوة، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمل الأذى، فان فقد الصبر قعد أو انسحب من الميدان وحق عليه الحساب وفاته الثواب» (١).
«وإذا كان الابتلاء مما قضت به سنة الله في الحياة، فإن ابتلاء الدعاة إلى الله مما جرت به السنة الإلهية أيضًا؛ فهم يبتلون بأذى الكفرة والمارقين بالقول والكيد واليد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).
_________________
(١) أصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان ص ٣٣٦، ط/ ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٤.
[ ١٠٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). ومعنى يستخفنك: يحملونك على الخفة والطيش بعدم الصبر، والدعاة إلى الله يكيد لهم أهل الباطل ويفترون عليهم الكذب، ويؤذونهم بأنواع الأذى لأنهم قوم يجهلون وضالون. وقد أوذي أصحاب النبي - ﷺ - في مكة أشد الأذى، وكان رسول الله - ﷺ - يأمرهم بالصبر «صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة» فعلى الداعي المسلم أن يقابل الأذى الذي يلقاه بالصبر الجميل، كما فعل رسول الله - ﷺ - وصحابته الكرام ومن قبلهم رسل الله، فان هذا الصبر مما ينعقد عليه عزم المؤمنين وتتوجه إليه إرادتهم، قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). (٤)
قال الشيخ محمد الغزالي ﵀: «ولقد ذكر الله أسماء ثمانية عشر نبيًا ﵈، فهو أولو العزم وأصحاب الرسالات الأولى، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥). وهذا الأمر بالاقتداء كان ماثلًا في ذهن النبي - ﷺ -
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٩٧، ٩٩ ..
(٢) سورة الروم، الآية: ٦٠.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٦.
(٤) أصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان، ص ٣٢٧.
(٥) سورة الأنعام، الآيتان: ٨٩، ٩٠.
[ ١١٠ ]
وهو يقوم بتبليغ الدعوة» (١).
إن المثابرة على الدعوة، والاستعانة على وعثاء الطريق بطول الصبر، وحسن التأسى وصدق الاعتماد على الله، وتفاني الداعية في حقيقة رسالته، هو طريق النجاح، ومحاولة الإفلات من هذه السنة العامة لا يتاح لأحد، وفي هذا يقول الله لنبيه - ﷺ -: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).
إن أنباء المرسلين تتابعت على كر الدهور مؤكدة هذه الحقيقة، ومؤكدة كذلك أن عقبى الصبر الجميل جميلة، وأن نصر الله يجيء في نهاية المطاف كما يجيء الصباح بمد اعتكار الظلام. وقوانين المجتمع الإنساني في ذلك تشبه قوانين الحياة المادية لا تنخرم ولا تتخلف.
لقد قال يوسف ﵇ لإخوته: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). إن هذه الآية كأي قانون مادي في علم الطبيعة أو الكيمياء تشير إلى أن الفرد الذي يستجمع هاتين الخلتين من معنى الإحسان لا بد أن يدركه التوفيق وتلحظه العناية وينجح في حياته حيث يخفق الآخرون الذين يقصرون في هذا المضمار .. ولذلك يقول إخوة يوسف ﵇ له: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (٤). وإيثار الله ليوسف ﵇ لم يكن عطاء من غير مؤهل، بل أتى بعد مراحل شاسعة من الكفاح والعفاف والمصابرة والتجمل وكما تصدق هذه السنة في حياة الأفراد تصدق في حياة الجماعات فإن الأمم لا ترزق التمكين في الأرض
_________________
(١) عقيدة المسلم، الشيخ محمد الغزالي ص ٢٢٣، ط/ ١، دار نهضة مصر.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٤.
(٣) سورة يوسف، الآية: ٩٠.
(٤) سورة يوسف، الآية: ٩١.
[ ١١١ ]
ولا تنال حظًّا من سيادة الله إلا إذا مرت بأدوار من العمل المضني والجهاد الشاق، وصبرت على تكاليف الرسالات التي تحملها، والتقدم الذي تنشده. والقرآن الكريم يذكر السر في تسويد الأقدمين. من بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١).
«إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ولا بد أن يبني عليها أعماله وآماله وإلا كان هازلًا .. يجب أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار النتائج مهما بعدت، ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، بقلب لم تعلق به ريبة، وعقل لا تطيش به كُربة، يجب أن يظل موفور الثقة بادي الثبات، لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى، بل يبقى موقنًا بأن بوادر الصفو لا بد آتية، وأن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين. وقد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه، حتى يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة، فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها» (٢).
إن من عوامل النجاح: ثقة الداعية بدعوته، وإيمانه الراسخ المطلق بأنها الحق الذي لا ريب فيه .. فهنا يتحول إلى قدوة في قوله وفعله، يتحول إلى إمام ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣).
فلا بد أن نكون دعاة صادقين وأئمة هادين مهديين، لا بد من الصبر على الدين، فلا تزحزحنا عنه أو عن بعض عقائده أو أحكامه استخفافات الذين لا يوقنون، ولا بد من اليقين المطلق الذي لا يقبل المراجعة أو الشك بأنه الحق.
_________________
(١) سورة السجدة، الآية: ٢٤.
(٢) خلق المسلم، الشيخ محمد الغزالي ص ١١٧، ط/ ٢، دار الكتب الإسلامية، القاهرة: ١٩٨٥ م.
(٣) سورة السجدة، الآية: ٢٤.
[ ١١٢ ]
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١).
وقال جلا وعلا: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (٢).
ومن الثقة في الدعوة ألا نقبل عليها مساومة أو مداهنة؛ فإن هذا الدين دين الله، لا يقبل سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: من يدين الله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله مردود غير مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله، إخلاصًا وانقيادًا لرسله فما لم يأت به العبد لم يأت بسبب النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، وكل دين سواه فباطل» (٤).
ولقد ضرب النبي - ﷺ - المثل الأعلى في ثقته في الدعوة والرسالة عندما رفض التهديد والوعيد والمساومة على دين الله.
«وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآيتان: ١٣، ١٤.
(٢) سورة الأعراف، الآيتان: ٨٨، ٨٩.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص ١٣٧.
[ ١١٣ ]
لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
عَظُم علي أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله - ﷺ - وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله - ﷺ - أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته، فقال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر - حتى يظهره الله أو أهلك فيه - ما تركته»، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدًا» (١).
ومن خلال ذلك يظهر أهمية ثقة المسلم بالله تعالى في مجال الدعوة إلى الله، وضرورة الثبات على المبدأ والحق، والثبات على الدين.
_________________
(١) الرحيق المختوم، صقي الرحمن المباركفوري ص ٦٩، ط/ ١٧، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.
[ ١١٤ ]