إن هناك العديد من النماذج والصور لمن وثق بالله وفرج الله كربه وهمه، وكان السبب الرئيس هو يقينه الكامل في الله بأنه لا يعجزه شيء ﷾ في السموات ولا في الأرض، ومن أمثلة ذلك:
١ - نبي الله نوح ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ *﴾ (٣).
قال الشيخ أبو بكر الجزائري: «وعلى إثر ذكره تعالى إهلاك المنذرين وإنجائه المؤمنين من عباده المخلصين ذكر قصة تاريخية لذلك وهي نوح وقومه
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٣٩١، رقم ٢٧١٢، وقال الأرنؤوط: إسناده ضعيف كما قال الدارقطني في العلل أبو سلمة الجهني لم يتبين لأئمة الجرح والتعديل من هو، وقال الشيخ أحمد شاكر (٥/ ٢٦٦) إسناده صحيح، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠١). وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (١/ ٣٣٦) رقم (١٩٩) وعزاه لابن حبان والطبراني.
(٢) سورة الأنبياء، الآيتان: ٧٦، ٧٧.
(٣) سورة الصافات، الآيات: ٧٥ - ٨٢.
[ ٥٥ ]
حيث أنذر نوح قومه ولما جاء العذاب أنجى الله عباده المخلصين وأهلك المكذبين المنذرين فقال تعالى في ذكر هذه القصة الموجزة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي دعانا لنصرته من قومه ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ نحن له ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ باستثناء امرأته وولد كنعان ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وهو عذاب الغرق. وقوله ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ إلى يوم القيامة وهذا جزاء له على صبره في دعوته وإخلاصه وصدقه فيها إذ كل الناس اليوم من أولاده الثلاثة وهم سام وهو أبو العرب والروم وفارس، وحام وهو أبو السودان ويافث وهو أبو الترك والخزر وهم التتار ضيقوا العيون ولهذا سموا الخزر من خزر العين وهو ضيقها وصغرها، ويأجوج ومأجوج، وقوله ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ﴾ أي في أجيال البشرية التي أتت بعده وهو الذكر الحسن والثناء العطر المعبر عنه بقوله تعالى ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزينا نوحًا لإيمانه وصبره وتقواه وصدقه ونصحه وإخلاصه نجزي المحسنين في إيمانهم وتقواهم وهذه بشرى للمؤمنين وقوله ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثناء عليه وبيان لعلة الإكرام والإنعام عليه. ودعوة إلى الإيمان بالترغيب فيه، وقوله ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ أي أغرقناهم بالطوفان بكفرهم وشركهم وتكذيبهم بعد أن أنجينا المؤمنين» (١).
٢ - نبي الله موسى ونبي الله هارون ﵉: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي
_________________
(١) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري، ٣/ ٣٧٨.
[ ٥٦ ]
الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *﴾ (١).
قال الشيخ السعدي ﵀: «يذكر تعالى منَّته على عبديه ورسوليه، موسى، وهارون ابني عمران، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظ، وتفصيل كل شيء، وأن الله هداهما الصراط المستقيم، بأن شرع لهما دينًا ذا أحكام وشرائع مستقيمة موصلة إلى الله، ومنَّ عليهما بسلوكه. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ أي: أبقى عليهما ثناء حسنًا، وتحية في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأولين» (٢).
٣ - نبي الله يونس ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀: «إن يونس بن متَّى ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية «نينوى»، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه تمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفضلانها، وخارت البقر
_________________
(١) سورة الصافات، الآيات: ١١٤ - ١٢٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص ٧٠٦.
(٣) سورة الأنبياء، الآيتان: ٨٧، ٨٨.
[ ٥٧ ]
وأولادها، وثغث الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١).
وأما يونس ﵇، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٢). أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس ﵇، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، ﷾، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - ﵁ - - حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا؛ فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك له يكون سجنًا.
وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.
وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: قال الضحاك: لقومه، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق عليه في بطن الحوت. يروى نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم، واختاره ابن جرير، وقال عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٩٨.
(٢) سورة الصافات، الآية: ١٤١.
[ ٥٨ ]
الظَّالِمِينَ﴾ قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت، في ظلمة البحر. قال ابن مسعود، وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقُّها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾.
وقال عوف ﵀: لما صار يونس ﵇ في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يارب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد. وقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. رواهما ابن جبير. وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء» (١).
وعن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دعوة ذي النون إذا دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» (٢).
٤ - نبي الله أيوب ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ٥/ ٣٦٦.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب: الدعوات، باب: منه، رقم ٣٥٠٥، وقال الألباني: حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي، الألباني ص ٧٩٥ - ٧٩٦، رقم ٣٥٠٥.
[ ٥٩ ]
مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٢).
قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: واذكر عبدنا ورسولنا، أيوب - مثنيًا معظمًا له، رافعًا لقدره - حين ابتلاه، ببلاء شديد، فوجده صابرًا راضيًا عنه، وذلك أن الشيطان سلط، على جسده، ابتلاء من الله، وامتحانًا فنفخ في جسده، فتقرح قروحًا عظيمة ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: رب ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فتوسل إلى الله بالإخبار عن حالة نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ، وبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له، وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (٣). فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب، فأذهب الله عنه ما به من الأذى، ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ أي: رددنا عليه أهله وماله.
﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئًا كثيرًا، ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ به، حيث صبر ورضي، فأثابه الله ثوابًا عاجلًا قبل ثواب الآخرة.
﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب،
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيتان: ٨٣، ٨٤.
(٢) سورة ص، الآيات: ٤١، ٤٤.
(٣) سورة ص، الآية: ٤٢.
[ ٦٠ ]
وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر» (١).
٥ - أصحاب الغار الثلاثة: وقد أشار إليهم النبي - ﷺ - فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز (٢). فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرًا وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق فساقها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا. فانساخت عنهم الصّخرة (٣).
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا؛ وأهلي وعيال يتضاغون من الجوع (٤). وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص ٥٢٨.
(٢) الفرق: إناء يأخذ ستة عشر مدًا وذلك ثلاثة آصع وبعضهم يرويه بفتح الراء.
(٣) انساخ هنا بمعنى اتسع، يقال انساخ باله أي اتسع.
(٤) يتضاغون: يتضورون جوعا، ولعل الصواب بالعين أي يتضاعون يقول ابن منظور: وضاع يضوع وتضوع: تضور في البكاء في شدة، وقد غلب على بكاء الصبي.
[ ٦١ ]
فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أن كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة الدينار. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا» (١).
قال ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل واستنجاز وعده بسؤاله واستنبط منه بعض الفقهاء استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء واستشكله المحب الطبري لما فيه من رؤية العمل والاحتقار عند السؤال في الاستسقاء أولى لأنه مقام التضرع وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خاصة وقبلت أن يجعل جزاءها الفرج عنهم فتضمن جوابه تسليم السؤال ولكن بهذا القيد وهو حسن وقد تعرض النووي لهذا وذكر هذا الحديث ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء ثم قال وقد يقال إن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق ولكن النبي - ﷺ - أثنى عليهم بفعلهم فدل على تصويب فعلهم وقال السبكي الكبير ظهر لي أن الضرورة قد تلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا وأن هذا منه ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية لقول كل منهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فلم يعتقد أحد منهم في عمله الإخلاص بل أحال أمره إلى الله فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه مع كونه أحسن أعمالهم فغيره أولى فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ والرَّقيمِ﴾ الكهف ٩، رقم ٣٢٧٨. وأخرجه مسلم، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، رقم ٢٧٤٢.
[ ٦٢ ]
في نفسه ويسئ الظن بها ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه فيفوض أمره إلى الله ويعلق الدعاء على علم الله به فحينئذ يكون إذا دعا راجيًا للإجابة خائفًا من الرد فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه ولو في عمل واحد فليقف عند حده ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص قال وإنما قالوا ادعوا الله بصالح أعمالكم في أول الأمر ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك ولا قال واحد منهم أدعوك بعملي وإنما قال إن كنت تعلم ثم ذكر عمله انتهى» (١).
****
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن حجر العسقلاني، ٦/ ٥٠٩.
[ ٦٣ ]