ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما وعد الله به أم موسى من رد ابنها إليها، ومنحه النبوة والرسالة، وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤).
وقد علق ابن القيم ﵀ على فعل أم موسى وتنفيذها لأمر الله سبحانه فقال: «فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، رقم ١٩٠١.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، رقم ١٩٠٣.
(٤) سورة القصص، الآية: ٧.
[ ١٣٨ ]
ينتهي أو يقف» (١).
قال ابن كثير ﵀: «ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفني بني إسرائيل فَيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة. فقالوا لفرعون: إنه يوشك - إن استمر هذا الحال - أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك. فأمر بقتل الوالدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون، ﵇، في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى، ﵇، في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يَقبَلُها إلا نساء القبط، فإذا ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذبَّاحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا قبَّحهم الله. فلما حملت أم موسى به ﵇، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًا زائدًا، وكان موسى، ﵇، لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعًا وشرعًا فلما ضاقت ذرعًا به ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممَّن تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته بحبل عندها.
فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، ٢/ ١٤٣.
[ ١٣٩ ]
الماء واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحة دونها. فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها» (١).
قال الشيخ السعدي ﵀: «فهذه الأمور كلها، قد تعلقت بها إرادة الله، وجرت بها مشيئته، وإذا أراد أمرًا سهل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك، فإنه قدر وأجرى من الأسباب - التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه - ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود.
فأول ذلك، لما أوجد الله رسوله موسى ﵇ الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة، التي يذبحون بها الأبناء، أوحى إلى أمه أن ترضعه، ويمكث عندها.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بأن أحسست أحدًا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي نيل مصر، في وسط تابوت مغلق، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فبشرها بأنه سيرده عليها، وأنه سيكبر ويسلم من كيدهم، ويجعله الله رسولًا وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه البشارة لأم موسى، ليطمئن قلبها، ويسكن روعها، فإنها خافت عليه، وفعلت ما أمرت به، ألقته في اليم، فساقه الله تعالى» (٢).
ومن النماذج أيضًا التي تدل على الثقة بما وعد الله به عباده الصالحين ما كان من هاجر ﵍ فعن سعيد بن جبير ﵀ قال عبد الله بن عباس ﵄: «أوَّل ما اتَّخذ النساء المنطق من قبل أمّ إسماعيل اتَّخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة ثمَّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه فوضعهما
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ٦/ ٢٢١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص ٦١٢.
[ ١٤٠ ]
«حتى وضعهما» عند البيت عند دوحة فوق زمزم «الزَّمزم» في أعلى المسجد وليس بمكَّة يومئذٍ أحد وليس بها ماءٌ فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماء ثمَّ قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أمُّ إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا «في هذا» الوادي الذي ليس فيه إنسٌ «أنيسٌ» ولا شيء فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له آلله الذي أمرك بهذا قال: نعم قالت إذن لا يضيّعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات «الدعوات» ورفع يديه فقال ربِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ وجعلت أمُّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوَّى أو قال يتلبَّط «يتلمَّظ» فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرق درعها ثمَّ سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثمَّ أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرَّات قال ابن عباس ﵄ قال النبي - ﷺ - «فذلك سعي النَّاس «فلذلك سعي النَّاس» بينهما فلمَّا أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت صهٍ تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ
«غواثٌ» فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوِّضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال ابن عبَّاس قال النبي - ﷺ - يرحم الله أمُّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا قال فشربت وأرضعت ولدها » (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: ﴿يُزَفُّونَ﴾ الصافات ٩٤، النسلان في المشي، رقم ٣١٨٤.
[ ١٤١ ]
ففي هذه القصة العظيمة يظهر لنا كيف أن الله - ﵎ - حفظ هاجر ﵍ وولدها إسماعيل، وأكرمها بكرامات عدة، منها:
أولًا: أن الله لم يضيعها، بل حفظها وولدها، وأكرمها بنبع ماء زمزم، فقد كانت السبب في خروجه، فقد أرسل الله ملكًا ليضرب برجله في الأرض، فخرج ماء زمزم، قال عنه النبي - ﷺ -: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا».
ثانيًا: أن الله - ﵎ - جعل تعبها وسعيها في طلب الماء، وبحثها عنه؛ ركنًا من أركان الحج التي لا يتم إلا بها، قال - ﷺ -: «فذلك سعي الناس بينهما»، كل هذه الكرامات - وغيرها - بسبب إيمانها بربها، ووثوقها به، وقوة اعتمادها عليه، وصدق توكلها عليه.
ومن خلال ما سبق يظهر لنا الثقة بالله تعالى في إنفاذ وعده.
[ ١٤٢ ]