السائل:
شيخنا: ما أُثِرَ عن بعض السلف في اختلافهم في بعض المسائل للتوحيد والعقيدة كإثبات الصورة على صورة آدم، ورؤية الرسول - ﷺ - لربه ليلة المعراج، ومثلًا التوسل وغيره من المسائل يا شيخ، يعني كيف نوجهها مع أن المشهور أن السلف الصالح ﵃ لم يختلفوا في العقائد؟
الشيخ:
أولًا:
ذكرتَ في جملة ما اختلفوا فيه التوسل فإلى ماذا تشير بهذا السؤال لأن علمي أنه لا خلاف بينهم في التوسل؟ هذا أولًا.
وثانيًا:
التوسل ليس من العقائد وإنما هو من الأحكام، أي هل يجوز أن يدعوَ الإنسان بدعاء فيه توسل بمخلوق؟ أو لا يجوز؟ فليس للتوسل علاقة بالعقيدة، اللهم إلا إذا اقترن مع التوسل عقيدة في لفظ المتوسل يعنيها به، فحينذاك تأخذ طورًا آخر، أما مجرد التوسل بمخلوق فذلك لا يدخل المسألة في جملة العقائد.
ثالثًا:
ماذا تعني بأنهم اختلفوا في الصورة؟ ومن هم الذين اختلفوا؟ لقد اتفقوا
[ ١ / ٢٠٠ ]
على إثبات الصورة لله ﷿ في الجملة وليس في التفصيل وإنما اختلفوا في مرجع ضمير قوله ﵊: «خلق الله آدم على صورته» (١) فأيضًا حصر هذا الاختلاف في مرجع هذا الضمير ليس له علاقة أيضًا في اعتقادي بالعقيدة لأن الصورة كعقيدة متفق عليها بين علماء الحديث والسنة دون تكييف ودون تأويل، أما مرجع ضمير «خلق آدم على صورته» هذا خلاف فرعي ليس له علاقة بالعقيدة، ثم لا أذكر إذا كان جاء في سؤالك شيء آخر غير الصورة وغير التوسل وإيش؟
السائل: المعراج، رؤية النبي - ﵌ -
الشيخ: آه، اختلفوا صحيح في هل رأى محمد - ﵌ - ربه، وهذا الاختلاف لا يمكن إنكاره، ولكن لعل ذلك أيضًا مرجعه إلى تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ (النجم:١٣، ١٤) وجمهور العلماء من المحدثين وغيرهم على نفي رؤيته - ﵌ - لربه بعينيه، والخلاف الذي يشار إليه بهذه المناسبة هنا، إنما هو ما جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «إن النبي - ﵌ - رأى ربه بعينيه» لكن هذا الأثر، هذا الحديث يمكن أن يقال فيه إنه أثر وإنه حديث، فهو أثر باعتبار أن لفظه من ابن عباس، ويمكن أن يقال فيه إنه حديث باعتبار أنه يتحدث فيه عن النبي - ﵌ -، هذا الأثر أو الحديث المروي عن ابن عباس لم يستقر على هذا اللفظ الذي فيه أنه رأى ربه بعينيه، فقد جاء عنه روايتان أخريان، الأخرى:
إطلاق الرؤيا «رأى ربه» دون ذكر العينين.
_________________
(١) البخاري (رقم٥٨٧٣) ومسلم (رقم٦٨٢١).
[ ١ / ٢٠١ ]
والأخرى وهي الثالثة:
«رآه بقلبه» وعلى هذا: فهذا الأثر أو هذا الحديث مضطرب عن ابن عباس ﵁ ما بين رآه مطلقًا، ورآه بعينيه، ورآه بقلبه، والحديث المضطرب من أقسام الحديث الضعيف، وحينئذ فلا نستطيع أن نجزم بأن ابن عباس كان من عقيدته أن النبي - ﵌ - رأى ربه ولكن مع هذا لا يمكن لكل باحث منصف أن يدعي أنه لم يكن هناك من يقول بقول ابن عباس لكن هذا القائل لا يعرف عينه ولا شخصه، أما أنه كان هناك من يقول بقول ابن عباس فذلك يمكن أن يؤخذ من نفس حديث السيدة عائشة ﵂ المروي في الصحيحين من طريق مسروق -﵀- حيث سألها قائلا لها: «يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه؟» الحديث.
ولا بأس بإتمامه ولكن لابد من ذكر موضع الشاهد منه فسؤال مسروق لأم المؤمنين هل رأى محمد ربه؟ يشعر الباحث بأنه كان هناك من يقول بأن محمدًا - ﵌ - رأى ربه، من هو؟ الله أعلم، يمكن أن يكون هو ابن عباس نفسه ولكن ابن عباس لم يستقر رأيه على شيء من أقواله الثلاثة التي ذكرتها آنفًا، نعود إلى حديث عائشة ﵂ فلما سألها وقال لها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت، قال: «يا أم المؤمنين ألم يقل رب العالمين ﴿ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ الآية، قالت: أنا أعلم الناس بذلك سألت رسول الله - ﵌ - فقال: رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله جناحان قد سد الأفق».
فإذًا: مرجع هذا الضمير في تفسير الرسول ﵇ نفسه لهذه الآية إنما يعود إلى جبريل وليس إلى رب العالمين ﵎، ثم تابعت بيانها ﵂ فقالت:
[ ١ / ٢٠٢ ]
"ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية:
من حدثكم أن محمدًا - ﵌ - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ (الشورى: ٥١)."
فلا سبيل إلى رؤية الله ﵎ من أحد في هذه الحياة الدنيا، قالت: "ومن حدثكم أن محمدًا - ﵌ - كتم شيئًا أُمِرَ بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧) ".
قالت: "ومن حدثكم أن محمدا - ﵌ - كان يعلم الغيب فقد افترى وكذب على الله ﵎ ثم تلت قوله ﷿: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥) ".
فحديث عائشة هذا إذن فيه إشارة أنه كان هناك من يقول بأن محمدًا - ﵌ - رأى ربه ولكنها نفت ذلك نفيًا باتًّا وتلت ما سبق من الآية.
وحينئذ فلا أرى في نهاية المطاف في هذا المجال لا أرى أن يقال إنه كان هناك خلاف بين السلف في مسألة عقائدية كمسألة رؤية الرسول - ﵌ - لربه، ثم نقول جدلًا: إن فرضنا أنه كان هناك حقيقة خلاف في مسألة ما بين السلف فذلك لا يعني أن هذا الخلاف يضر مادامت الأدلة قائمة بتأييد الوجهة الصحيحة أو القول الصحيح مما اختلفوا فيه، فالقول بأن السلف لم يختلفوا في شيء من الأمور الاعتقادية هذا يقوله بعضهم، وبحسب ما أحاط به علمه فإن استطاع أن يثبت ذلك فلا ضير لأن المرجع إلى الدليل وأنتم تعلمون أن النبي - ﵌ - حينما كان يدعو ربه ﵎ في دعاء الاستفتاح في قيام الليل كان يقول فيه: «اللهم
[ ١ / ٢٠٣ ]
اهدني لما اختلف في من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١)، وهذا كان تعليما منه - ﵌ - لأمته، فعلينا نحن إذا وجدنا اختلافًا حقيقيًّا فضلًا عن اختلاف موهوم أن نطلب من الله ﵎ أن يهدينا لمعرفة الحق واتباعه. هذا الجواب على ما جاء من السؤال آنفا.
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٠٣:١٣)