القرآن والسنة الصحيحة وفهم السلف
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢) .. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١) .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١).
أما بعد:
كلمتي (هي) بإيجاز تتعلق بالعلم النافع، والعمل الصالح، أما العلم النافع فيشترط فيه أمران اثنان:
أما الأمر الأول: فأن يكون مستقىً من كتاب الله وسنة رسول الله - ﵌ -، والكتاب والسنة أمران معروفان لدى جميع المسلمين قاطبةً، على ما بينهم من اختلاف كبير أو صغير في فهم بعض نصوصهما، إلا أن الذي أريد أن أدندن حوله فيما يتعلق بالكتاب والسنة، إنما هما أمران اثنان أحدهما يتعلق بالقرآن، والآخر يتعلق بالسنة، أما الأول فهو أن يكون من طابع طالب العلم أن يكون ديدنه أن يفهم القرآن على ضوء السنة؛ ذلك لأن النبي - ﵌ - قد خاطبه الله ﷿ في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٤٤).
وعلى ذلك فلا بد لطالب العلم النافع أن يعتمد في فهمه للقرآن على السنة، هذه نقطة متفق عليها والحمد لله بين المسلمين قاطبة، على ما بينهم من اختلاف في طريقة إثبات السنة، ولسنا الآن في هذا الصدد، فإذا كان من المتفق عليه بين المسلمين كافة أن القرآن يجب تفسيره بالسنة، فمن تمام العلم النافع أن نتحرى السنة الصحيحة، وهذه نقطة أو هذا أمر يخل به جماهير العلماء في العصر الحاضر؛ ذلك أنهم ينقلون من السنة ما وقفوا عليه دون تنبه، أو دون أن يأخذوا حذرهم من أن يكون ما ينقلونه من الحديث عن النبي - ﵌ - لا تصح نسبته إليه، وحينئذ يقعون في محظورين اثنين: أحدهما إثر الآخر.
[ ١ / ٢٥٥ ]
المحظور الأول: هو التقول على النبي - ﵌ - وقد قال في الحديث المتواتر: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (١).
وفي رواية أخرى: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٢).
ولذلك يجب على كل من كان حريصًا على العلم النافع، سواء كان من أهل العلم المشار إليهم بالبنان، أو كان من طلاب العلم البادئين في طلب هذا العلم أنه لا يجوز لهم أن ينقلوا حديثًا عن النبي - ﵌ -، إلا بعد أن يثبت لديهم صحة نسبته إلى النبي - ﵌ -، وحينئذ يكون طالب العلم على المنهج الصحيح في طلبه للعلم؛ لأنه أولًا يعتمد على الكتاب والسنة، ثم هو يفسر القرآن بالسنة، وأخيرًا يعتمد على السنة الصحيحة فقط دون ما لم يصح منها.
وثانيًا: يكون مسؤولًا عما ينشره بين الناس من الأحاديث التي لا تكون في واقعها صحيحة النسبة إلى النبي - ﵌ -، هذا هو العلم النافع، ولكننا نضيف عادة إلى المصدرين السابقين -الكتاب والسنة- نضيف شيئًا ثالثًا، وهو ضروري جدًا في زماننا هذا؛ لاختلاف وجوه الأنظار والاستنباط والاختلاف والفهم من الكتاب والسنة، فليكن العالم أو طالب العلم في منجاة في تسييره للكتاب والسنة أن يميل يمينًا أو يسارًا، وأن يقع في الضلال من حيث لا يريد ولا يشعر، لا بد له من أن يضم إلى اعتماده على الكتاب والسنة شيئًا ثالثًا ألا وهو الاعتماد على ما كان عليه السلف الصالح ﵃؛ ذلك لأن النبي - ﵌ - حينما سئل في حديث الفرق الذي فيه أن المسلمين سيفترقون ثلاثًا وسبعين فرقه كلها في النار إلا
_________________
(١) البخاري (رقم١٢٢٩) ومسلم (رقم٤).
(٢) الصحيحة (٤/ ٢٤٦).
[ ١ / ٢٥٦ ]
واحدة، ولما سئل النبي - ﵌ - عن هذه الفرقة الناجية من النار، قال: «هي الجماعة»، هذه رواية.
وفي رواية أخرى قال: «» هي التي على أنا ما أنا عليه وأصحابي»، فنجد في كلِّ من الروايتين أن النبي - ﵌ - لم يقتصر على قوله: الكتاب والسنة، وإنما قال: أولًا «الجماعة»، ثم قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، فلماذا ذكر: «وأصحابي» ولم يكتف بقوله: «ما أنا عليه»، والحقيقة أن هذا يكفي؛ لأن النبي - ﵌ - قد قال في الحديث الصحيح: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
فإذًا: من تمسك بالكتاب والسنة لن يضل، ولكن ألا تعلمون معي أن كل الفرق الإسلامية ما كان منها قديمًا واندثر بعضها، وما كان منها قديمًا واستمرت حتى زماننا هذا، وما قد جد منها في زماننا هذا تحت أسماء ونسب كثيرة، ألا تعتقدون معي أن كل هذه الفرق لا يوجد منها فرقه تتبرأ من الكتاب والسنة، لا يوجد والحمد لله من يعلنها صريحة؛ بأنه ليس على الكتاب والسنة، وإلا حينئذ لن يعتبر من الفرق الإسلامية، وإنما كل الفرق مهما كانت عالقة في الضلال، سواء ما كان منها من الفرق القديمة أو الحديثة على التفصيل الذي ذكرته آنفًا، لا يوجد فيها إلا من يدعي دعوانا، وهي أنهم على الكتاب والسنة، وخذوا مثلًا الفرقة لعلها الفرقة الأخيرة، كفرقه انحرفت عن الكتاب والسنة، من الفرق المعاصرة والحديثة، إلا وهي الطائفة القاديانية، التي كان أصلها من قرية في الهند اسمها قاديان، وخرج منها ذلك الرجل الذي كان يسمى "ميرزا"، غلام أحمد القادياني، فإنما حرف اسمه لغرض في نفسه لسنا الآن في صدد بيان ذلك، فسمى نفسه بأحمد لكي يحمل على اسمه، قول الله ﷿ على لسان عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا
[ ١ / ٢٥٧ ]
بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف:٦)، أي أحمد القدياني، وهو إنما كان اسمه "ميرزا"، غلام أحمد القدياني "ميرزا" لقب، أما اسمه غلام أحمد، أي: خادم أحمد فحذف كلمة خادم أي: غلام، واحتفظ باسم أحمد ليحمل على نفسه تلك الآية، وشتان ما بينها وبينه، فإنه من الدجالين الكذبة، الذي أخبرنا رسول الله - ﵌ - عنهم بقوله: «لا تقوم الساعة حتى يكون ثلاثون دجالًا، كلهم يزعم أنه نبي ولا نبي بعدي» (١)، واستطاع هذا الرجل بسبب أو بآخر أن يحمل كثيرًا من الناس، ليس فقط من الأعاجم بل ومن العرب أيضًا أن ينحرف بهم عن الكتاب والسنة، فآمنوا به وصدقوه واتبعوه وجاءوا بعقائد مخالفة لإجماع المسلمين، ولسنا أيضًا في هذا الصدد، وإنما الشاهد، هؤلاء يقولون أيضًا معنا: الكتاب والسنة، فهل أفادتهم بشيء دعواهم الكتاب والسنة، وهم قد خالفوا الكتاب والسنة في كثير من نصوصهما، والشاهد هاهنا الآن كيف يجمعون بين اتباعهم لنبيهم المزعوم، وبين قول رب العالمين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، هنا يظهر لكم أهمية شيئين اثنين السنة وتفسير السنة، والقرآن على ما كان عليه السلف الصالح، تفسير القرآن بالسنة وتفسير السنة بما كان عليه السلف الصالح، لم يكفر هؤلاء القاديانيون بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، بل آمنوا بالآية كما نؤمن، كذلك لم ينكروا قول النبي - ﵌ - ما جاء في الصحيحين (٢) عن النبي - ﵌ - أنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي»، أيضًا آمنوا بهذا الحديث الصحيح، لكنهم كفروا بمعنى الآية والحديث معًا؛ لأنهم تأولوهما بغير تأويلهم، وفسروهما بخلاف ما كان عليه سلفنا الصالح، ومن تبعهم إلى هذا اليوم.
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٧٧٣).
(٢) البخاري (رقم٤١٥٤) ومسلم (رقم٦٣٧٠).
[ ١ / ٢٥٨ ]
ولكننا نخالفكم في تفسيركم للآية، ونفهم أن معناها خاتم النبيين أي: زينة النبيين، كما أن الخاتم زينة الإصبع كذلك الرسول ﵇ هو زينة الأنبياء.
إذًا: هم آمنوا باللفظ القرآني، وكفروا بمعناه فلم يفدهم إيمانهم بالقرآن شيئًا، ولذلك فهم أشبه ما يكونون في تأويل هذه الآية أو ذاك الحديث بالكفار من النصارى، الذين يحاولون أن يستخرجوا من القرآن أدلة تؤيد ضلالهم بأن عيسى ﵇ هو ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ها أنتم عرفتم تأويلهم بل تعطيلهم لدلالة الآية على أنه لا نبي بعد رسول الله - ﵌ -، فكيف فسروا الحديث الصحيح: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي»، قالوا: لا نبي معي، أي بعد أن فسروا الحديث بهذا التفسير الباطل، قالوا فمفهوم الحديث أنه يوجد بعدي نبي فعطلوا بذلك أيضًا أحاديث أخرى صحيحة ولم يجدوا لها تأويلًا إلا بإنكارها، مثل قوله ﵇: «ألا إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي ولا رسول بعدي» (١)، هذا الحديث أنكروه؛ لأنه مع براعتهم في التأويل بل في التعطيل لم يجدوا لهم مساغًا لتأويل هذا النص، فأطاحوا به ولم يؤمنوا به.
الشاهد من هذا المثال كل الفرق الإسلامية قديمها وحديثها تشترك معنا بالقول بالإيمان بالكتاب والسنة، ولكنها تختلف عنا في عدم تقيدهم بطريق المسلمين الذي ذكره رب العالمين في قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، كما أنهم لم يرفعوا رؤوسهم إلى ما سبق من الحديث في
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٦٣١).
[ ١ / ٢٥٩ ]
وصف النبي - ﵌ - للفرقة الناجية بأنها التي تكون على ما كان عليه الرسول وأصحابه، فهم لم يلتفتوا إلى أصحابه ﵇، ولم يهتدوا بهديهم، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، الذين قرنهم الرسول ﵇ فذكرهم مع اسمه وذكر سنتهم مع سنته في حديث العرباض ابن سارية الذي فيه: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ..» إلى آخر الحديث.
الشاهد أن النبي - ﵌ - أخبر أمته أن من سيعيش من بعده سيرى اختلافًا كثيرًا، فما هو المخرج من الخلاف الكثير الذي كان ولا يزال الآن يشتد في هذا الزمان، العصمة وضعها الرسول ﵇ بين أعيننا في هذا الحديث بقوله: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين ..» إلى آخر الحديث.
إذًا: العصمة تمام العصمة ليس هو التمسك فقط بالسنة بل وبما كان عليه السلف الصالح، لو نظرنا اليوم إلى كل الفرق الإسلامية القائمة اليوم على الأرض الإسلامية كما قلت آنفًا قديمها وحديثها، لوجدناهم اليوم يجمعون على الكتاب والسنة، ولكنهم يخالفوننا في الرجوع إلى السلف الصالح.
إذًا: هذا هو الحكم الفصل بين من كان على السنة حقيقة، وبين من كان منحرفًا عنها ولو أنه كان يدعيها.
ذلك أن العصمة عند الاختلاف كما هو الصريح في هذا الحديث، إنما الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة بعامة والخلفاء الراشدون بخاصة، هذا هو العلم النافع.
[ ١ / ٢٦٠ ]
خلاصة ذلك: أنه لا يكون علمًا نافعًا إلا إذا كان معتمدًا على الكتاب، وكان تفسير الكتاب على السنة، وكانت السنة صحيحة غير ضعيفة، وأخيرًا اعتمادًا في فهمهما الكتاب والسنة، على ما كان عليه سلفنا الصالح.
ولذلك نجد الفرق القائمة اليوم كلها لا صلة بينها وبين سلفها الأول مهما كان سلفهم؛ لأنهم ليس عندهم من الكتب ما يروي لهم الأحاديث الصحيحة أو بعبارة موجزة، ما يروي لهم هدي النبي - ﵌ - في كل شؤون حياته كما قال ﵇: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا نهيتكم عنه» (١).
هذا العلم الجامع النافع لا يوجد عند كل الفرق الإسلامية، فضلًا عن أن يوجد عندهم من الكتب والآثار ما يصلهم بالسلف الصالح، وما يدلهم على ما كانوا عليه، لكي يقتدوا بهم تنفيذًا لقوله تعالى المذكور آنفًا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥).
فالله ﷿ في هذه الآية يأمر باتباع سبيل المؤمنين، ويحذر من مخالفة سبيل المؤمنين، ويعتبر مشاققة ومخالفة سبيل المؤمنين مشاقة للرسول ﵊.
كل الفرق لا سبيل لها إلا أن تعود في فقهها للكتاب وللسنة إلا بما كان عليه السلف الصالح.
إذًا: العلم النافع القرآن المفسر بالسنة والسنة الصحيحة، وكلاهما مفسر بما
_________________
(١) حجة النبي (ص١٠٣).
[ ١ / ٢٦١ ]
طبقه سلفنا الصالح، ولكي نعرف ما كان عليه السلف الصالح، فيجب أن يكون عندنا كتب تروي لنا آثار السلف، كما تروي لنا أحاديث الرسول ﵊.
هذا فيما يتعلق بالعلم النافع
"الهدى والنور" (٣٩١/ ٣١: ٢٩: ٠٠) و(٣٩١/ ٤١: ٥٧: ٠٠).