[قال الإمام]:
إن الله ﵎ اصطفى محمدًا - ﵌ - بنبوته واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم وأمره فيه في جملة ما أمره به أن يبينه للناس فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤). والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:
الأول: بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمة كما أنزله الله ﵎ على قلبه - ﵌ -. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) وقد قالت السيدة عائشة ﵂ في حديث لها: "ومن حدثكم أن محمدا كتم شيئا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله
[ ١ / ٢٨١ ]
الفرية. ثم تلت الآية المذكورة" [أخرجه الشيخان]. وفي رواية لمسلم: "لو كان رسول الله - ﵌ - كاتما شيئا أمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: ٣٧) ".
والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامة أو المطلقة فتأتي السنة
فتوضح المجمل وتخصص العام وتقيد المطلق. وذلك يكون بقوله - ﵌ - كما يكون بفعله وإقراره.
"منزلة النسة في الإسلام" (ص٦ - ٧).