وبيان ضلال المستغنين بالقرآن عن السنة
[قال الإمام]:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨) مثال صالح [لبيان وظيفة السنة بجانب القرآن] فإن السارق فيه مطلق كاليد، فبينت السنة القولية الأول منهما وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينار بقوله - ﵌ -: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا» (أخرجه الشيخان)، كما بينت الآخر بفعله - ﵌ - أو فعل أصحابه وإقراره فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب لحديث وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (النساء:٤٣، المائدة: ٦) بأنها الكف أيضا بقوله - ﵌ -: «التيمم ضربة للوجه والكفين» (أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن
[ ١ / ٢٨٢ ]
ياسر ﵄).
وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهمًا صحيحًا على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة:
١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون﴾ (الأنعام: ٨٢) فقد فهم أصحاب النبي - ﵌ - قوله: (بظلم) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيرا ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال - ﵌ -: «ليس بذلك إنما هو الشرك ألا تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: ١٣)؟» (أخرجه الشيخان وغيرهما).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (النساء: ١٠١) فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله - ﵌ - فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (رواه مسلم).
٣ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ (المائدة: ٣) فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك والكبد والطحال من الدم حلال فقال - ﵌ -: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت (أي السمك بجميع أنواعه) والكبد والطحال» (أخرجه البيهقي وغيره مرفوعا وموقوفا وإسناد الموقوف صحيح وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي).
٤ - قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ في مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾
[ ١ / ٢٨٣ ]
(الأنعام: ١٤٥). ثم جاءت السنة فحرمت أشياء لم تذكر في هذه الآية كقوله - ﵌ -: «كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير حرام». وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك. كقوله - ﵌ - يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية فإنها رجس» (أخرجه الشيخان).
٥ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: ٣٢) فبينت السنة أيضًا أن من الزينة ما هو محرم فقد ثبت عن النبي - ﵌ - أنه خرج يوما على أصحابه وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» (أخرجه الحاكم وصححه).
والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في " الصحيحين " وغيرهما. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه. ومما تقدم يتبين لنا أيها الإخوة أهمية السنة في التشريع الإسلامي فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة فضلا عن غيرها مما لم نذكر نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهما إلا مقرونا بالسنة.
ففي المثال الأول فهم الصحابة «الظلم» المذكور في الآية على ظاهره ومع أنهم كانوا ﵃ كما قال ابن مسعود: " أفضل هذه الأمة أبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا " فإنهم مع ذلك قد أخطؤوا في ذلك الفهم فلولا أن النبي - ﵌ - ردهم عن خطئهم وأرشدهم إلى أن الصواب في "الظلم" المذكور إنما هو الشرك لاتبعناهم على خطئهم ولكن الله ﵎ صاننا عن ذلك. بفضل إرشاده - ﵌ - وسنته.
وفي المثال الثاني: لولا الحديث المذكور لبقينا شاكين على الأقل في قصر
[ ١ / ٢٨٤ ]
الصلاة في السفر في حالة الأمن إن لم نذهب إلى اشتراط الخوف فيه كما هو ظاهر الآية وكما تبادر ذلك لبعض الصحابة لولا أنهم رأوا رسول الله - ﵌ - يقصر ويقصرون معه وقد أمنوا.
وفي المثال الثالث: لولا الحديث أيضا لحرمنا طيبات أحلت لنا: الجراد والسمك والكبد والطحال.
وفي المثال الرابع: لولا الأحاديث التي ذكرنا بعضها لاستحللنا ما حرم الله علينا على لسان نبيه - ﵌ - من السباع وذوي المخلب من الطير.
وكذلك المثال الخامس: لولا الأحاديث التي فيه لاستحللنا ما حرم الله على لسان نبيه من الذهب والحرير ومن هنا قال بعض السلف: السنة تقضي على الكتاب.
ومن المؤسف أنه قد وجد في بعض المفسرين والكُتَّاب المعاصرين من ذهب إلى جواز ما ذُكر في المثالين الأخيرين من إباحة أكل السباع ولبس الذهب والحرير اعتمادًا على القرآن فقط بل وجد في الوقت الحاضر طائفة يتسمون بـ "القرآنيين" يفسرون القرآن بأهوائهم وعقولهم دون الاستعانة على ذلك بالسنة الصحيحة، بل السنة عندهم تبع لأهوائهم فما وافقهم منها تشبثوا به وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريًّا.
وكأن النبي - ﵌ - قد أشار إلى هؤلاء بقوله في الحديث الصحيح: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (رواه الترمذي). وفي رواية لغيره: «ما وجدنا فيه حرامًا حرمناه ألا وإني أتيت القرآن ومثله معه». وفي أخرى: «ألا إن ما حرم
[ ١ / ٢٨٥ ]
رسول الله مثل ما حرم الله».
بل إن من المؤسف أن بعض الكُتاب الأفاضل ألف كتابًا في شريعة الإسلام وعقيدته وذكر في مقدمته أنه ألفه وليس لديه من المراجع إلا القرآن. فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة قاطعة على أن الشريعة الإسلامية ليست قرآنًا فقط وإنما قرآن وسنة فمن تمسك بأحدهما دون الآخر لم يتمسك بأحدهما لأن كل واحد منهما يأمر بالتمسك بالآخر كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء:٨٠) وقال: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
وبمناسبة هذه الآية يعجبني ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ وهو أن امرأة جاءت إليه فقالت له: أنت الذي تقول: لعن الله النامصات والمتنمصات والواشمات .. الحديث؟ قال: نعم قالت: فإني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أجد فيه ما تقول فقال لها: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» قالت: بلى قال: فقد سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لعن الله النامصات » الحديث (متفق عليه).
"منزلة السنة في الإسلام" (ص٧ - ١٢)