[قال الإمام]:
لقد خَلَفَ [سلفَ الأمة] خَلَفٌ أضاعوا السنة النبوية وأهملوها، بسبب أصول
[ ١ / ٢٨٦ ]
يتبناها بعض علماء الكلام، وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين، كان من نتائجها الإهمال المذكور الذي أدى بدوره إلى الشك في قسم كبير منها، ورد قسم آخر منها لمخالفتها لتلك الأصول والقواعد، فتبدلت الآية عند هؤلاء، فبدل أن يرجعوا بها إلى السنة ويتحاكموا إليها، فقد قلبوا الأمر، ورجعوا بالسنة إلى قواعدهم وأصولهم، فما كان منها موافقًا لقواعدهم قبلوه، وإلا رفضوه، وبذلك انقطعت الصلة التامة بين المسلم وبين النبي - ﵌ -، وخاصة عند المتأخرين منهم، فعادوا جاهلين بالنبي - ﵌ - وعقيدته وسيرته وعبادته، وصيامه وقيامه وحجة وأحكامه وفتاويه، فإذا سئلوا عن شيء من ذلك أجابوك إما بحديث ضعيف أو لا أصل له، أو بما في المذهب الفلاني، فإذا اتفق أنه مخالف للحديث الصحيح وذكروا به لا يذكرون، ولا يقبلون الرجوع إليه لشبهات لا مجال لذكرها الآن، وكل ذلك سببه تلك الأصول والقواعد المشار إليها، وسيأتي قريبًا ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
ولقد عم هذا الوباء وطم كل البلاد الإسلامية، والمجلات العلمية والكتب الدينية إلا نادرًا، فلا تجد من يفتي فيها على الكتاب والسنة إلا أفرادًا قليلين غرباء، بل جماهيرهم يعتمدون فيها على مذهب من المذاهب الأربعة، وقد يتعدونها إلى غيرها إذا وجدوا في ذلك مصلحة - كما زعموا - وأما السنة فقد أصبحت عندهم نسيًا منسيًا، إلا إذا اقتضت المصلحة عندهم الأخذ بها، كما فعل بعضهم بالنسبة لحديث ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث وأنه كان على عهد النبي - ﵌ - طلقة واحدة، فقد أنزلوها منزلة بعض المذاهب المرجوحة! وكانوا قبل أن يتبنوه يحاربونه ويحاربون الداعي إليه!
وإن مما يدل على غربة السنة في هذا الزمان وجهل أهل العلم والفتوى
[ ١ / ٢٨٧ ]
بها، جواب إحدى المجلات الإسلامية السيارة عن سؤال: "هل تبعث الحيوانات " ونصه:
" قال الإمام الآلوسي في تفسيره: " ليس في هذا الباب - يعني بعث الحيوانات - نص من كتاب أو سنة يعول عليه يدل على حشر غير الثقلين من الوحوش والطيور ".
هذا كل ما أعتمده المجيب، وهو شيء عجيب يدلكم على مبلغ إهمال أهل العلم - فضلًا عن غيرهم- لعلم السنة، فقد ثبت فيها أكثر من حديث واحد يصرح بأن الحيوانات تحشر، ويقتص لبعضها من بعض، من ذلك حديث مسلم في "صحيحه": «لتؤدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». وثبت عن ابن عمرو وغيره أن الكافر حين يرى هذا القصاص يقول: "ياليتني كنت ترابا".
فما هي تلك الأصول والقواعد التي أقامها الخلف، حتى صرفتهم عن السنة دراسة واتباعًا؟ وجوابًا عن ذلك أقول:
يمكن حصرها في الأمور الآتية:
الأول: قول بعض علماء الكلام: إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه، بل يحرم.
الثاني: بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في " أصولها " يحضرني الآن منها ما يلي:
أ- تقديم القياس على خبر الآحاد. (الإعلام ١/ ٣٢٧و٣٠٠ شرح المنارص٦٢٣).
[ ١ / ٢٨٨ ]
ب- رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول. (الإعلام ١/ ٣٢٩، شرح المنارص٦٤٦).
ج - رد الحديث المتضمن حكمًا زائدًا على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له، والسنة لا تنسخ القرآن (شرح المنار ص٦٤٧، الأحكام٢/ ٦٦).
د - تقديم العام على الخاص عند التعارض، أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد! (شرح المنار ص٢٨٩ - ٢٩٤، إرشاد الفحول ١٣٨ - ١٣٩ - ١٤٣ - ١٤٤).
هـ - تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح.
الثالث: التقليد، واتخاذه مذهبًا ودينًا.
"الحديث حجة بنفسه" (ص٣٥ - ٣٨)