[قال الإمام]:
[في] حقيقة الأمر: إن ادعاء أن القرآن هو فقط المرجع الوحيد وليس للسنة دخل في بيان القرآن فهو كفر بالقرآن، الذي يقول بأني لا أؤمن إلا بالقرآن هو
_________________
(١) ثم ضرب الإمام أمثلة عديدة للأحاديث التي تُركت بسبب مخالفتها لتلك القواعد، فانظرها في الرسالة المشار إليها.
[ ١ / ٢٩٤ ]
يكفر بالقرآن؛ ذلك لأن القرآن مما قال فيه رب الأنام: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾ (النحل:٤٤) ها نحن ذكرنا آنفًا الصلوات الخمس وكيف أنها تنقسم إلى أقسام، من أين أخذت هذه الأقسام؟ لا شيء منها بهذا التوضيح في القرآن الكريم، لكن هو بيان الرسول ﵇ الذي أشار الله إليه في الآية السابقة ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤). أي إن هذه الآية تعني أن بيان الرسول ﵇ ينقسم إلى قسمين: بيان لفظي وهو تبليغ القرآن إلى الأمة .. تبليغ القرآن للأمة، والبيان الآخر هو بيان بمعنى التفصيل .. ولذلك جاء حديث الرسول ﵇ في الصحيح، وأنا بهذه المناسبة أقول: ينبغي انتقاء هذه الأحاديث، وتقديمها لطلابكم هناك حتى تستقيم العقيدة الصحيحة ويعرفون قدر السنة، وأهمية الرجوع إليها مع القرآن الكريم، ذكرت حديثًا وهو قوله ﵇: «لا يقعدن أحدكم متكئًا على أريكته يقول هذا كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا حللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه .. ألا إنما حرم رسول الله مثلما حرم الله»؛ ذلك لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:١ - ٤).
إذًا السنة علم من العلوم يجب أن يؤخذ من أهل الاختصاص فيه، وكل من قال هذا صحيح وهذا ضعيف نقول له: هل أنت عالم بعلم الحديث؟ إن ادعى ذلك نقول: هات نشوف أثبت صحة هذا الحديث، بطريقة علماء الحديث، الأصل هو السند كما تعلمون .. الأصل في معرفة الأحاديث الصحيحة من الضعيفة إنما هو السند.
المنزلة الثانية أو المرتبة الثانية في النقد ونقد المتن الذي يسمى في
[ ١ / ٢٩٥ ]
الاصطلاح العصري اليوم بالنقد الداخلي، يسمون نقد الأسانيد بالنقد الخارجي، ونقد المتون في الاصطلاح الحديثي بالنقد الداخلي .. هذا النقد الداخلي إذا ما سلط عليه عقول البشر أصبح القرآن الكريم محل انتقاد؛ لأن القرآن الكريم لا يؤمن به الكفار مثلًا فلو قيل للكافر قصة ضرب موسى للحجر وانبثق منه اثنتا عشرة عينًا، وضرب البحر فكان كل فرق كالطود العظيم .. هذه الأشياء لا يؤمن بها الكفار وسيكون هذا غير صحيح مع أنه ثابت بالقرآن الكريم وبطريقة التواتر، القرآن الكريم لا يخضع لنقد مطلقًا، وإنما ينبغي على المسلمين أن يفهموه، وهذه مناسبة نتعرض لذكرها أيضًا بطريقتين اثنتين سبقت الإشارة إليهما وهي: الرجوع إلى بيان الرسول ﵇ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) أنتم تعلمون مثلًا (أنه) مُسَطَّر في كتب الفقه بعض الأحكام لا نجدها في القرآن الكريم مثلًا تحريم البنت من الرضاعة .. تحريم البنت من الرضاعة، هذا ليس مذكورًا في القرآن الكريم لكنه مذكور في الحديث، بل الأحاديث الصحيحة، ومن أصحها قوله ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (١)، فهذا الحديث هو من بيان الرسول ﵇ الذي ذكر في القرآن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (النساء:٢٣) ثم ضم الرسول ﵇
إلى هذا التحريم المذكور في القرآن الكريم هذا التحريم المذكور في حديثه: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، هنا يظهر أهمية: إن ما حرم رسول الله مثلما حرم الله.
إذا رجعنا الآن وفهمنا أن الذين يدعون بأنهم لا يؤمنون بشيء من السنة إنما القرآن فهم كفروا بالقرآن؛ لأن القرآن يأمرنا بالرجوع إلى الرسول ﵇ في
_________________
(١) البخاري (رقم٢٥٠٢).
[ ١ / ٢٩٦ ]
عديد من الآيات الكريمة ذكرنا بعضها آنفًا، ومن ذلك: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:٦٥).
فإذًا كل من يزعم بأنه مسلم ولكنه لا يؤمن إلا بالقرآن فليس مسلمًا؛ لأنه كفر بكثير من نصوص القرآن وعلماء المسلمين كما تعلمون جميعًا يقولون: من أنكر حرفًا من القرآن فليس بمسلم، فكيف إذا أنكر كثيرًا من الآيات التي تتضمن الرجوع إلى سنة الرسول ﵊.
"الهدى والنور" (٨١١/ ٠٠: ٥٦: ٠٠)