[قال الإمام]:
لا مجال لأحد، مهما كان عالما باللغة العربية وآدابها أن يفهم القرآن الكريم دون الاستعانة على ذلك بسنة النبي - ﵌ - القولية والفعلية، فإنه لم يكن أعلم في اللغة من أصحاب النبي - ﵌ - الذين نزل القرآن بلغتهم ولم تكن قد شابتها لوثة العجمة والعامية واللحن ومع ذلك فإنهم غلطوا في فهم الآيات السابقة حين اعتمدوا على لغتهم فقط.
وعليه فمن البدهي أن المرء كلما كان عالمًا بالسنة كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه ممن هو جاهل بها فكيف بمن هو غير معتد بها ولا ملتفت إليها أصلًا؟
ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم: أن يفسر القرآن بالقرآن
[ ١ / ٣٠١ ]
والسنة (١) ثم بأقوال الصحابة .. إلخ
ومن ذلك يتبين لنا ضلال علماء الكلام قديما وحديثا ومخالفتهم للسلف ﵃ قي عقائدهم فضلًا عن أحكامهم وهو بعدهم عن السنة والمعرفة بها وتحكيمهم عقولهم وأهواءهم في آيات الصفات وغيرها. وما أحسن ما جاء في " شرح العقيدة الطحاوية " (ص ٢١٢ الطبعة الرابعة):
"وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من قول فلان؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله. لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول - ﵌ - ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات الذي تخيرهم النقاد؛ فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان بل يتعلمونه بمعانيه. ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه. ومن يتكلم برأيه وبما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم (!) وإن أصاب. ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ. لكن إن أصاب يضاعف أجره".
ثم قال (ص ٢١٧):
"فالواجب كمال التسليم للرسول - ﵌ - والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نحمله شبهةً أو شكًاّ، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده - ﵌ - بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل ﷾ بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل".
_________________
(١) لم نقل كما هو شائع لدى كثير من أهل العلم: يفسر القرآن بالقرآن إن لم يكن ثمة سنة ثم بالسنة؛ لما سيأتي بيانه في آخر هذه الرسالة عند الكلام على حديث معاذ بن جبل ﵁. [منه].
[ ١ / ٣٠٢ ]
وجملة القول: أن الواجب على المسلمين جميعًا أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما وإقامة التشريع عليهما معًا. فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينًا ويسارًا وأن لا يرجعوا القهقرى ضُلالًا كما أفصح عن هذا رسول الله - ﵌ - بقوله: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» (رواه مالك بلاغًا والحاكم موصولًا بإسناد حسن).
"منزلة السنة في الأسلام" (ص١٢ - ١٤).