سؤال: لو سمحت في هناك خلاف بين علماء المسلمين في خبر الآحاد في العقيدة فماذا هو يعني رأيكم بالشيء الصحيح هنا؟
الشيخ: حسن، هذه المسألة يجب أن نعلم أن التفريق بين الأحكام الشرعية بحيث أنه يجب أن يأخذ ببعضها إذا صحت نسبتها إلى النبي - ﵌ - ولا يجب -هذا أقل ما يقال- ولا يجب أن يأخذ بما ثبت عن الرسول - ﵌ - في البعض الآخر هذا التقسيم دخيل في الإسلام وفلسفة لا أصل لها في دين الإسلام، وهذه المسألة تحتاج إلى كبير بحث وتطويل للكلام، وإن كان مجال الكلام فيه واسع جدًا، لكني آتي الموضوع من أقرب سبيل دون أن ندخل في سرد الأدلة الشرعية التي يفهمها بعض طلاب العلم، ولكن سأذكر ما يشترك فيه جميع المسلمين في فهمه: كلنا يعلم أن النبي - ﵌ - بُعِثَ وحده إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، هذه النقطة الأولى التي لا يشك فيها مسلم.
النقطة الثانية: أن تبليغ النبي - ﵌ - للإسلام كان على وجهين أو على صورتين؛ الأولى: أن يبلغ الإسلام بشخصه مباشرة إلى الناس، ونحن حينما نذكر هذه الحقيقة ما أظن أن أحدًا يعجز عقله عن أن يستوعب ما سأذكره ألا وهو أن النبي - ﵌ - حينما بلَّغ شريعة الإسلام ما بلَّغ كل فرد من أفراد المكلفين في ذلك
[ ١ / ٣٥٣ ]
العالم، ونأخذ مثالًا قريبًا حينما كان النبي - ﵌ - في المسجد الحرام في أول الدعوة التي لقي فيها ما لقي من المصاعب والشدة، هل كان الكفار الذين هم ليسوا في المسجد الحرام كانوا يسمعون كلامه كما يسمعه من كان بين يديه من الكفار؟ الجواب: لا، هذه بدهية يشترك في معرفتها كل الناس، لا يشترط أن يكون طالب علم، وهكذا إذا كان أهل مكة حينما كان الرسول يبلغهم أحكام الله وشريعة الله بتلاوته لآيات الله إنما يسمعها بعضهم فالآخرون كيف بلغتهم شريعة الله، لم تبلغهم بسماعهم كلام الرسول مباشرة وهذا أمر واقع في كل زمان ومكان، الآن في هذا المجلس قد يسمع أحد منكم حكمًا أو بحثًا كهذا البحث فينقله لمن لم يكن حاضرًا هذا المجلس، فالذي سمعه من المدرس سمعه منه مباشرة، لكن هذا المدرس بلغه الآخرين، الآخرون لم يسمعوا من المدرس، هذا تقريب وللرسول المثل الأكمل فالرسول - ﵌ - حينما كان يبلغ الآية أو يقرأ الحديث يسمعه الحاضرون أما الآخرون فيسمعونه بواسطة مَنْ؟ الذي سمعه من الرسول ﵇، هذه نقطة ثانية وبدهية جدًا ما تقبل المناقشة والجدل.
ندعم ذلك ببعض الروايات المعروفة أيضًا في التاريخ الإسلامي والتي أستطيع أن أقول لا يجهلها أحد أيضًا من المسلمين، أن النبي - ﵌ - أرسل الرسل من طرفه إلى رؤوس الدول ملوك الدول ككسرى وقيصر والملك النجاشي وهكذا، وأرسل دعاة إلى اليمن عليًا وأبا موسى ومعاذًا، فهؤلاء الرسل الذين أرسلهم الرسول ﵇ لنقل الدعوة التي سمعوها منه - ﵌ - من فمه الشريف ينقلون ما سمعوه منه إلى أولئك الناس، فأولئك الناس لم يأتهم الشرع من النبي المعصوم، لكن جاءهم الشرع من الفرد من الشخص.
والآن ندخل في صميم بيان ضلال التفريق بين خبر الآحاد وخبر التواتر، من
[ ١ / ٣٥٤ ]
المفيد أن نذكر قصة وقعت في اليمن تتعلق بأبي موسى ومعاذ، كان معاذ يدعو كما ذكرنا إلى الإسلام وكذلك صاحبه أبي موسى الأشعري، فجاء معاذ أبا موسى زائرًا فوجد عنده رجلًا مولَّدًا أسيرًا، قال: ما بال هذا قالوا إنه ارتد عن دينه، ومضى عليه كذا أيام وهو لا يتوب إلى الله ﷿، وكان راكبًا، فقال: والله لا أنزل حتى ينفذ فيه حكم الله لقد سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «من بدل دينه فاقتلوه» فنفذ فيه القتل، الآن هذا حديث «من بدل دينه فاقتلوه» (١) سمعه معاذ من رسول الله، نقله إلى أبي موسى والجماعة الذين كانوا عنده ونفذوه فورًا، هذا خبر آحاد، هل قامت الحجة بخبر الآحاد؟ قامت الحجة.
الآن نأتي إلى الفلسفة المشار إليها آنفًا هذا حكم شرعي، يقول المتفلسفون المبتدعون أنه نحن نقول بأن حديث الآحاد في الأحكام حجة، أما في العقيدة فليس بحجة، الآن أبو موسى ومعاذ وعلي وسائر الرسل الذي أرسلوا من قبل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، هل تتصورون أنهم حينما يأتون قبيلة من القبائل أو ملكًا من الملوك أول ما يدعونه إليه الصلاة والطهارة والوضوء وإلى آخره ولاَّ العقائد؟ العقائد لا شك وهذا ما جاء التصريح به في حديث معاذ ابن جبل لما أرسله الرسول - ﵌ - إلى اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة» وهكذا تسلسل ﵇ في بيان الأحكام، وفي أمر معاذ أن يتسلسل في ذلك أمره أن يبدأ بماذا بالعقيدة، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هنا تأتي الدالة الكبرى، إذًا معاذ هو فرد ودعا أولئك الناس الذين لا يعرفون من الإسلام شيئًا دعاهم إلى
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم٢٨٥٤).
[ ١ / ٣٥٥ ]
العقيدة أس العقائد كلها ألا وهي التوحيد، هل قامت الحجة به؟ المسلمون يعتقدون قامت الحجة به، أما المتفلسفة الذين تأثروا من بعض الآراء النابية عن الكتاب والسنة، فهم يقولون حديث الآحاد لا تقوم به الحجة في العقيدة، ومعنى هذا أحد شيئين: إما أن الرسول - ﵌ - كان مخطئًا حينما أرسل معاذ وأمثاله يدعون الناس إلى الإسلام وهذا هو الكفر، إذا قال الإنسان هذا كَفَرَ خرج عن الملة، ولم يبقَ هناك إلا الشيء الآخر وهو أن الذين يقولون أن خبر الآحاد في العقيدة ليس بحجة هم الضالُّون، ولذلك أنا ذكرت مرة نكتة في مثل هذه المناسبة وهي في الحقيقة تمثل لكم ضلالة هؤلاء الناس، قلت زعموا بأن رجلًا من هؤلاء المبتدعة الذين يفرقون بين حديث وحديث وكلاهما صحيح هذا يأخذ به لأنه في الأحكام، وهذا لا يأخذ به لأنه في العقيدة، وهذا تفريق كما عرفتم من الضلال المبين، ذهب أحد هؤلاء إلى اليابان مثلًا يدعوهم إلى الإسلام، ففي طبيعة الحال بدأ هو بالعقيدة وكان من جملة ما ذكر في عقيدته أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، فقام أحد الأذكياء الحاضرين قال يا أستاذ أنا أراك متناقضًا؛ لأنك تلقننا أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت الآن تدرسنا العقيدة فنرجوك أن تعود من حيث أتيت، وتأتي بخبر فقه دقيق متواتر، يعني تأتي بناس يصدق عليهم أنهم على التواتر، وقُل لهم يبلغوننا ما تبلغنا أنت أن هذه هي العقيدة الإسلامية، فَبُهِتَ المحاضر لأنه ألقمه حجرًا من نفس عقيدته، هو يلقنهم وهي عقيدة ومن العقيدة أن حديث الآحاد لا تكون به عقيدة إذًا أنت ماذا ستعمل عندنا هنا تُلَقِّنَّا العقيدة وأنت فرد؟! لازم يكون معك جماعة.
وهذا البحث كما قلت لكم طويل طويل جدًا وحسبكم هذا المقدار، وأخيرًا
[ ١ / ٣٥٦ ]
أقول يكفي أن السلف الصالح والأئمة الأربعة ما يعرفون هذه الفلسفة، ما يفرقون بين حديث العقيدة ولا يؤخذ، وحديث الأحكام يجب أن يؤخذ، ولكني سأذكر أخيرًا نكتة تتعلق بطلاب العلم فيها فقه دقيق جدًا، قلنا لبعض هؤلاء مرة إذا جاءكم حديث هو من ناحية فيه حكم شرعي، وهو حديث آحاد، ومن ناحية أخرى يتضمن عقيدة، فماذا تفعلون؟ إن أخذتم به لأن فيه حكم خالفتم من حيث أنكم أخذتم به؛ لأن فيه عقيدة. قال: كيف هذا مثاله؟ قلنا: هاك المثال روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله - ﵌ -: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» هل تأخذون بهذا الحديث وتستعيذون بالله من هذه الأربع في التشهد الأخير؟ قالوا: لابد. قلت لهم: فهل تؤمنون بما فيه من عذاب القبر، وأنتم لا تؤمنون بعذاب القبر، فماذا تفعلون؟! إن تركتم الحديث خالفتم قاعدة: وجوب الأخذ بحديث الأحكام، وإن أخذتم الحديث خالفتم قاعدة: لا يؤخذ بالحديث في العقيدة، وهكذا شأن المبطلين دائمًا وأبدًا، وبهذا القدر كفاية جوابًا على هذا السؤال.
(الهدى والنور ٥٤١/ ٢٥: ٠٩: ٠٠)