[قال الشيخ في معرض كلامه على حجية خبر الآحاد]:
معاذ بن جبل عندما أرسله الرسول لليمن ماذا قال له؟ قال: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة إلى آخر الحديث، فشهادة أن لا إله إلا الله هي أس العقائد الإسلامية كلها ودعاهم إليها فرد واحد، هم يقولون: هذا ما تثبت به العقيدة، إذًا: معناه ما يثبت الإسلام بالدعاة اليوم كلهم الإسلاميين لأنهم أفراد فهذا من أبطل الباطل الذي يناقض تاريخ المسلمين الأول، هذا حديث آحاد لا قيمة له .. أما الصورة الخيالية التي أنا أفترضها لبيان خطورة هذه العقيدة الباطلة وأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ..
قلت لأحدهم يومًا ما: ذهب الدعاة الإسلاميين من حزب التحرير إلى اليابان وبدأ يكتل الناس ويجمعهم ويلقي عليهم محاضرات وبالطبع أول شيء بدأ بالعقيدة؛ لأن أولئك عندهم خطة أول ما يبدأ به طريق الإيمان- هكذا عند الشيخ
[ ١ / ٣٦٣ ]
تقي الدين في بعض كتبه- أن هذا طريق الإيمان .. بدأ بالعقيدة .. من جملة هذا البحث الذي عنوانه: طريق الإيمان: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، تخيلت أنا أن أحد الأذكياء في المجلس يسمع المحاضرة قال له: يا أستاذ! أنت تقرر فينا أنه حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة وأنت تدعونا إلى الإسلام وأنت فرد واحد فمعنى ذلك أن ما تدعونا إليه بعقيدتك أنت لا تقوم الحجة علينا، ولذلك لازم ترجع إلى بلدك وتجيب عشرات مثلك ويسمعونا شهادتك وكلامك حتى يصبح حديثك حديثًا متواترًا وحينئذ تقوم الحجة علينا
سخافة متناهية لكن هذا لازمهم كُلَّما [مر] حديث صحيح يردونه بأنه آحاد .. لا يردونه بالنظر إلى السند وأنه غير صحيح لما؟ رواه أبو بكر .. أبو بكر الصديق كذاب؟! يقول له: لا، طيب! لماذا لا يؤخذ؟! وهذا يذكرني بشيء .. لو أبو بكر سمعته الدنيا كلها عنه ليس عشرة عشرين لو مائة شخص ومائة شخص ومائة شخص ومائة شخص، وجاءوا وقالوا لنا أبو بكر قال: قال رسول الله لا تقوم به حجة، لماذا؟ لأنه آحاد، طيب! أبو بكر يكذب؟! لا ما يكذب حاشاه إذًا: ممكن أن يخطئ، إذًا: ما دام يمكن أن يخطئ فلا نأخذ روايته انظروا الآن: الأقوال التي يحتجون بها لا يمكن أن يخطؤوا مع أنه ليس هناك أسانيد صحيحة بها كما نقول بالنسبة لما ثبت عن الرسول ﵇.
لذلك الحق هو مع أهل السنة والجماعة الذين يحتجون بالأحاديث الصحيحة وأولئك الذين يحتجون بأقوال الآخرين ولا سند لها ولا خطام فهم في ضلال مبين
خلاصة الكلام السابق هو: لا مخلص لهم من أحد شيئين إذا نفوا أحدهما ما يستفيدون نفي الآخر ..
[ ١ / ٣٦٤ ]
الشيء الأول: أنهم كُفِّرُوا بغير حجة زعموا، لكن الشيء الآخر: أنهم ضللوا؛ لأنهم خالفوا تفسير الرسول للقرآن والسلف الصالح أيضًا بدون حجة سوى أقوال المشايخ تبعهم، وذلك هو الضلال المبين .. أنا شخصيًا كما قلت: نضلل هؤلاء ولا نكفرهم؛ لأن الله ﷿ هو العليم بما في صدورهم .. أجحدًا ينكرون علينا أن كلام الله ﷿ صفة من صفاته وهذه حقيقة لا يمكن الإنسان يتخلص منها إذا تجرد من المذهبية الضيقة، أم والله ما ظهرت لهم الحقيقة فإذًا: حسابهم إلى الله ﵎.
ختامًا: عندنا حديث له صلة وثقى بالتحرج من الحكم بمصير هؤلاء الضالين عند رب العالمين، وأننا نقف إلى الحكم بأنهم ضلوا، أما أنهم كفار وأنهم مخلدون في النار فأمره إلى الله، قال ﵇: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط فلما حضرته الوفاة جمع أولاده حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في البحر» ماشي حرقوه في النار وأخذوا الرماد نصفه في الريح ونصفه في البحر: «فقال الله ﷿ لذراته: كوني فلانًا فكانت بشرًا سويًا، أي عبدي! ماذا حملك على ما فعلت؟ قال: رب خشيتك، قال: فقد غفرت لك» (١).
هذا الرجل في معيارنا نحن كَفَرَ وهو الذي يصدق عليه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (يس:٧٨، ٧٩) فربنا ﷿ عامله بخلاف معاييرنا نحن البشرية ..
_________________
(١) البخاري (رقم٣٢٦٦) ومسلم (رقم٧١٥٦).
[ ١ / ٣٦٥ ]
هذا أنكر البعث والنشور لماذا أمر بحرقه وذر نصفه في البحر ونصفه في الريح؟ قال: حتى يضل على ربه ولا يستطيع ربنا ﷿ أن يعيده مرةً ثانيةً؛ لأنه إن عاد مرة أخرى عذبه بحق؛ لأنه اعترف هو من قبل أنه لم يعمل خيرًا قط .. ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا .. خوفه من الله الذي آمن به ورطه هذه الورطة التي أودت به إلى الكفر .. لا شك هذا كفر، لكن الله ﷿ عنده ميزان غير موازين البشر .. عرف منه أن شدة خوفه من ربه أعمى بصيرته عن كون ربه ﵎ قادر على أن يحيي العظام وهي رميم؛ ولذلك لما أعاده كما كان قال: ماذا فعلت أو ما حملك؟ قال: يا رب! خشيتك، قال: قد غفرت لك.
فنحن يكفينا أن نقول: أن هذه الفرقة ضالة؛ لأنها تخالف السلف في فهم نصوص الكتاب والسنة ولا يهمنا كفرت أو ما كفرت، نحن نريد لها الهدى ويكفي أن نقول: إنكم ضالون فعليكم بالهدى الذي جاءنا من الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
"الهدى والنور" (٣١٠/ ٠١: ٥٨: ٠٠) و(٣١٠/ ٠٧: ٠٥: ٠١)