السؤال الأول يا أستاذنا: يقول السائل: دعوة الكتاب والسنة دعوة علم وعمل، ما هي حقيقة هذه الكلمة أمام الواقع العملي، والأماني المرجوة؟
الجواب: الحقيقة هي كما جاء في السؤال، ولكن قد قلت آنفًا أنا تعليقًا على حديث ذلك الأعرابي الذي قال: والله لا أزيد عليهن ولا أنقص، وتابعت كلامي وقلت أن من الفرائض الابتعاد عن المحرمات، وأن الإنسان عليه أن يجمع بين الإتيان بالفرائض والابتعاد عن المحرمات، قلت في أثناء هذه الكلمة، وأن يفعل من ذلك ما يستطيع، وإذا كان يستطيع أن يضم إلى ذلك شيء من الطاعات والعبادات الأخرى التي هي غير واجبة، فذلك خير وأبقى.
الشاهد: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والناس اليوم في الحقيقة: وأعني بالناس الذين يهتمون بدينهم، ويلتزمون أحكام شريعتهم، وداعًا لأولئك الآخرين الذين في الصنف الأول من الناس الملتزمين بالأحكام الشرعية هم حيارى ماذا أو كيف يسلكون، وكيف يعملون في الإسلام والإسلام اليوم محكوم بأحكام غير إسلامية، وبدول لا تحكم بما أنزل الله فما العمل؟ نقول: نحن الكلمة مختصرة والبحث هذا طويل الذيل، نقول كلمة مختصرة جدًا: قرأناها لأحد الدعاة الإسلاميين ﵀: وهي عندي كأنها من وحي السماء ولا وحي بعد رسول الله، ولكن هناك الإلهام تلك
[ ١ / ٥٩ ]
الكلمة هي التي تقول: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم.
اليوم هناك جماعات كثيرة جدًا: كل جماعة تَدَّعي أنها تعمل للإسلام، وتعمل بإقامة حكم الإسلام، والنظام الإسلامي في الأرض، وبعضهم يكاد يكون قد مضى عليهم نحو قرن من الزمان، ثم لا شيء إلا الهتافات والصياحات ما هو السبب يا ترى؟ السبب أننا لا نبدأ من حيث بدأ رسول الله - ﵌ -، وبعض هذه الجماعات لا تفكر إطلاقًا بتهذيب النفس وإصلاح الأفراد ووضع القاعدة التي تُبْنَى عليها الدولة، أو يتحقق بها المجتمع الإسلامي.
كلنا يعلم أن النبي - ﵌ - بعث في أمة جاهلية جهلاء، ترتكب مختلف المآثم والذنوب، ومع ذلك فقد ظَلَّ نحو أكثر من عشرة سنين بل بالضبط ثلاث عشرة سنة وهو يدعوإلى التوحيد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهولا يجاهد، ولا يقاتل، ولا يحرم الخمر، والميسر، وقتل النفس البريئة بغير حق إلى آخره، وإنما أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت ثلاثة عشر سنة هكذا.
ثم هاجر الرسول ﵇ من المدينة، وهناك بدأت الأحكام تنزل بشيء من التفصيل، وبدأ رسول الله - ﵌ - يؤسس في الدولة المسلمة بعد أن أوجد الأفراد ورباهم ﵊ على عينه، وأحسن تأديبهم ووثق من تربيته إياهم، فأصبح يقينًا يشعر بأنهم يفدونه بكل شيء بأنفسهم وبأموالهم، وبكل عزيز لديهم، بعد ذلك بدأت المعركة بينه وبين العرب، وبين اليهود وهذه السيرة طويلة تعرفونها، الشاهد: أن الرسول ﵇ أول ما بدأ إنما بدأ بتأسيس قاعدة الإسلام وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
كثير من الجماعات الإسلامية اليوم حريصين على إقامة الحكم الإسلامي، ولكن يصدق فيهم قول ذلك الشاعر العربي:
[ ١ / ٦٠ ]
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
كل من يخالف منهج رسول الله - ﵌ - والآن أقول: بعد أن أوضحت لكم معنى السنة: كل من يخالف سنة رسول الله - ﵌ -، وقد عرفتم معنى السنة: المنهج الذي سار عليه الرسول ﵇، فلن ينجح أبد الحياة، لن ينجح؛ لأنه لم يسلك الطريق التي سنها لنا الرسول ﵇، قال في الحديث الأول: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي».
فالذين يريدون إقامة حكم الله في الأرض إذا لم يسلكوا الطريق التي سلكها الرسول ﵇، فلن يصلوا إلى بغيتهم بتاتًا، بل كلما تأخر العهد بهم، كلما ابتعدوا عن الهدف الذي وضعوه نصب أعينهم كيف لا وعامة العالم الإسلامي اليوم وفيهم الأفراد الذين ينتمون إلى كثير من تلك الجماعات لا يعرفون بعده معنى لا إله إلا الله لا يعرفون هذه الشهادة هذه الكلمة الطيبة، والله ﷿ يقول في القرآن الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
فإذا كان هذا الأمر الإلهي: أن يوجه إلى أمة الرسول ﵇ في شخص الرسول الخطاب لمن؟ فاعلم خطاب لفرد، لكن هو في الواقع الخطاب لأمة الرسول ﵇؛ لأن الله ﵎ حينما اصطفى نبيه ﵊ رسولًا للعالمين رحمة جميعًا لهم، بلا شك هو يعلم معنى التوحيد معنى لا إله إلا الله فحينما يقول: فاعلم أنه لا إله إلا الله هو من باب، وإن كان هذا ربما لا يناسب، لكن لا بأس، هو من باب الكلام إليك ياركنَّة، لكن اسمعي يا جارة، فالخطاب هذا ليس للرسول في القصد والمرمى، في اللفظ هوله، لكن في القصد والمرمى لمن؟ لأمة - ﵌ -.
أمة الرسول الآن تبلغ الملايين المملينة، لا أعنيها بكلامي هذا، وإنما أعني
[ ١ / ٦١ ]
بهذا الكلام الجماعات التي تعمل لإقامة حكم الإسلام في الأرض.
هذه الأمة هل علمت هل هي ائتمرت بهذا الأمر الإلهي الذي وجه إلى الأمة جميعًا في شخص نبيهم ﵇؟ أقول مع الأسف: لا. أكثرهم لا يعلمون معنى هذه الكلمة الطيبة هم يقولونها بلا شك، وقد قالها من صار تحت ضربة السيف، لكن هو يعلم؟ الله أعلم مع ذلك لما قالها هذا الرجل، ولم يثق المسلم حينما رآه قالها تقية لم يثق بهذه الكلمة فضربه، وقتله لكن الرسول ﵇ الذي جاء بشريعة تمشي على ظواهر الأمور قال له: «هلا شققت عن قلبه» فما يجوز إجراء الأحكام هكذا في بواطن الأمور؛ لأنه لا يعلمها إلا الله ﷿، لكن المسلم الذي يرجو أولا النجاة من الخلود في النار بسبب الإشراك بالله ﷿، وليس هذا هو فقط الذي يرجوه هؤلاء، وإنما يرجون أن يقيموا حكم الله في الأرض.
هؤلاء الناس ينبغي أن يكونوا في الحقيقة: نخبة المسلمين، نخبة الأمة الإسلامية التي خوطبت بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فهمًا وعملًا وخلقًا، فأين هؤلاء وهم بعيدون كل البعد عن فهم كلمة التوحيد فضلًا عن تفصيل هذه السنة التي ذكرنا فيها حديثين اثنين: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض».
إذًا: نحن الذين ننتمي إلى جماعات عديدة كلها تشملها دائرة الإسلام يجب أن نتفق على كلمة سواء، ما هي هذه الكلمة السواء؟ ليست الكلمة هي كلمة لفظ يتلفظ به أحدنا، ثم هولا يدري مغزاها ولا مضمونها، وإنما نتفق على كلمة
[ ١ / ٦٢ ]
سواء ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، ألا نعبد إلا الله، هل هناك في كثير من الأمة المسلمة التي خوطبت بتلك الآية الكريمة من يعبد غير الله؟ البلاد الإسلامية ممتلئة بعبادة المسلمين لغير الله، لكن أكثر الناس لا يعلمون، لكن أكثر الناس لا يعلمون ولا يشكرون رب العالمين الذي أرسل إليهم هذا النبي الكريم وتركهم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، فكلمة سواء عودًا إلى الكتاب والسنة فهمًا وعملًا وبدون ذلك لا حياة للمسلمين إطلاقًا، هذا الذي يجب أن نعمل فيه، ويجب ألا نستبق الأمور، ونفعل أو يصدق علينا تلك النكتة التي تروى عن ذلك الراعي الذي كان يرعى غنم أهل القرية فجلس ذات يوم في خيمته المتواضعة، وقد علق في تحتها القدر الممتلئ بقليل من السمن الذي جمعه من الغنم، فجلس ذات يوم في الظهيرة يرتاح وأخذ يفكر أنه أنا بكرة يكثر مالي، وأتزوج وربنا ﷿ يرزقنا من الأولاد وهم يصيروا يعاونوني، وإذا واحد منهم ما يسمع كلامي والله لأفعل وأفعل وأرفع العصا هذه وأضربه، وما راح غير العصا ضربت الجرة فوق رأسه وتلبست السمن بالأرض كله، فهذا هو يفكر في الخيال، وعليه أن يعمل ما فرض الله عليه من طاعته وفي حدود ما يستطيع.
نحن الآن نستبق الأمور نفكر كيف نقيم الدولة المسلمة؟ كيف نتخلص من هذا الظلم وهذا الذل المحيط بنا من كل جانب، بينما الدويلة الصغيرة التي أمرنا ذلك الحكيم بقوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم.
هذه الدويلة الصغيرة بعد ما أقمناها في قلوبنا، فكيف نقيم هذا الصرح الشامخ، هذه الدولة العظيمة التي تحتاج إلى المملينات من المسلمين ثقافة إسلامية عامة بالإسلام كما قلنا آنفًا: فهمًا وتطبيقًا ثم تحتاج إلى نوعيات معينة
[ ١ / ٦٣ ]
جمعوا من العلم الذي يحتاجه المسلمون اليوم في العصر الحاضر ما به يتحقق الفرض الكفائي في تعبير الفقهاء.
نسأل الله ﷿ أن يلهمنا رشدنا، وأن ييسر لنا الطريق التي إذا سلكناها هَذَّبنا أنفسنا وكنا لبنة صالحة بإقامة حكم الله في الأرض.
(الهدى والنور / ١٩٠/ ٣٧: ٣١: ٠٠)
[ ١ / ٦٤ ]