مداخلة: الشباب كما ترى نحن في هذا الزمان.
الشيخ: نعم.
مداخلة: في أحوج ما يكونوا إلى توجيه أمثالكم من علماء أهل السنة والجماعة، فهم يريدون أن يتقربوا إلى الله ﷿ بالعلم النافع والعمل الصالح، فيريدون من فضيلتكم كلمة أولًا حول هذا الموضوع سلمك الله.
الشيخ: نسأل الله أن يعيننا.
مداخلة: آمين.
الشيخ: وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه من العلم النافع والعمل الصالح، هل هناك غير ذلك؟
مداخلة: نريد يعني يا شيخ كلمة يعني.
الشيخ: طيب.
مداخلة: يعني: وكما تعلم يا شيخ بعد .. يعني: الشاب قد يحتار فيما يرى في الساحة من اختلاف في الآراء والمناهج والأفكار، فيحتاج إلى نصيحة من فضيلتكم؟
الشيخ: نستعين الله ﵎ ونقول لكم ولمن حولكم: السلام عليكم
[ ١ / ٢٥٣ ]
ورحمة الله وبركاته.
مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﵌ - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد:
إخواننا السامعين لكلامي، أسأل الله ﵎ أن يوفقنا جميعًا لاتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، وألفت أنظاركم إلى ضرورة التمسك بهذا التمسك الأخير، أعني قولي: على منهج السلف الصالح؛ ذلك لأن الكتاب والسنة هومنهج كل مسلم يؤمن بالله ورسوله
[ ١ / ٢٥٤ ]
حقًا، حتى تلك الفرق الضالة التي تنتمي إلى الإسلام ولا نستطيع أن نخرجها من دائرة الإسلام إلا إذا أنكرت شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، فأقول: ليكون المسلم على الكتاب والسنة حقًا، ولا يكون من تلك الفرق الضالة التي أشار إليها رسول الله - ﵌ - في الحديث الصحيح الذي أخرجه أصحاب السنن والإمام أحمد وغيرهم بأسانيد متنوعة، وبألفاظ متقاربة ألا وهو قوله ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي»، فقوله ﵊ في هذا الحديث الصحيح: «ما أنا عليه وأصحابي»، فيه دليل واضح جدًا أنه لا يكتفي المسلم بالانتساب إلى الكتاب والسنة فقط، بل لابد من أن يضم إلى ذلك أن يتبع ما كان عليه أصحاب النبي - ﵌ -؛ لأنهم هم الذي تلقوا بيان الرسول ﵊ للقرآن بيانًا شافيًا بالطرق الثلاثة المعروفة عند أهل العلم أعني بذلك قوله ﵇ وفعله وتقريره، هذه الطرق الثلاث هي التي تبين كلام الله ﷿ الذي أمر الله ﵎ نبيه - ﵌ - أن يبين القرآن بذلك في مثل قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبيانه ﵇ على هذه الصفات الثلاث: القول والفعل والتقرير، ولا سبيل لأمثالنا نحن وبخاصة في هذا
الزمان أن نعرف ما قاله ﵇ أوفعله أوأقره وكل ذلك كما ذكرت آنفًا بيانًا للقرآن لا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إلا بطريق أصحاب النبي - ﵌ - فهم الذين نقلوا ابتداء قوله وفعله وتقريره؛ لهذا لا يكون المسلم من الفرقة الناجية إذا ما اقتصر على فهمه للقرآن على حديث الرسول ﵊ فقط، بل لابد أن يضيف إلى ذلك فهم الصحابة لقوله ﵇ ولفعله ولتقريره، وهذا أمر معلوم لدى علماء
[ ١ / ٢٥٥ ]
الأصول لا خلاف بينهم، أن قوله - ﵌ - وفعله وتقريره بيان للقرآن، ولكن الذي أريد أن أذكر به في هذه الساعة المباركة إن شاء الله إنما هوبيان الفرق بين الفرقة الناجية وبين الفرق الأخرى الضالة حتى من كان منها لا يزال في دائرة الإسلام، ولكنها قد ضلت عن بعض الإسلام كثيرًا أوقليلًا، هذا ربنا هوالذي يعرفه أويعلمه ويحكم به: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]، فالفرق بين الفرقة الناجية وبين تلك الفرق كلها هوأن الفرقة الناجية تأبى أن تفهم الإسلام القرآن والسنة برأي فلان وعلان مهما كان شأنه عظيمًا عند المسلمين إلا من طريق الرسول ﵇ أولًا، ثم من طريق أصحابه ﵊ ثالثًا؛ لأن النبي - ﵌ - حينما سئل عن الفرقة الناجية، لم يقل: ما أنا عليه، وإنما عطف على ذلك قوله: «وأصحابي»، وهذا معناه: أن العالم المسلم حقًا كما يحرص على معرفة ما كان عليه رسول - ﵌ - من الهدى والنور قولًا وفعلًا وتقريرًا، فهوأيضًا يحرص أن يعرف ما كان عليه أصحابه - ﵌ - من حسن الاتباع لنبيهم ﵊، فالفرقة الناجية هذه مزيتها على الفرق الأخرى، وهذا ظاهر جدًا في هذا الزمان، كما سأبينه قريبًا إن شاء الله ﵎، ولكني قبل ذلك أريد أن أذكر
إخواننا السامعين بآية في القرآن الكريم تعتبر هذه الآية هي النص الذي منه انطلق النبي - ﵌ -، أومنه اقتبس قوله السابق: «ما أنا عليه وأصحابي»، أعني قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فقول ربنا ﵎ في هذه الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] هوالذي بينه ﵇ في الحديث السابق حينما قال: «وأصحابي».
[ ١ / ٢٥٦ ]
فسبيل المؤمنين هو سبيل أصحاب النبي - ﵌ -، لذلك فلا يكون المسلم من الفرقة الناجية إلا إذا تبنى هذا المنهج السلفي في اتباع الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ وهذا هوالفارق الواضح في كل عصر وفي كل مصر بين أهل السنة حقًا، وبين تلك الفرق الضالة التي تنتمي إلى الكتاب والسنة، ولكنها تأبى أن تنتسب إلى السلف الصالح حتى من كان من أهل السنة حقًا كأتباع المذاهب الأربعة، بغض النظر عن الفرق الضالة التي تضلل بعض السلف الصالح من الصحابة كالروافض والخوارج ونحوهم، فهذا لا نعنيهم الآن، وإنما نعني أهل السنة الذين هم يلتقون معنا في تعظيم وتمجيد أصحاب النبي - ﵌ - لا نفرق بينهم ولا نبغض أحدًا منهم، وإنما نجلهم لصحبتهم لنبيهم - ﵌ - مع الاحتفاظ بمقادير التفاضل بينهم، بقدم الصحبة أوبالعلم أوبقدم الجهاد والأسبقية إلى الإسلام ونحوذلك، ولكن أهل السنة كلهم يلتقون على الترضي عن أصحاب - ﵌ - كلهم أجمعين.
فالذي أريد أن أقوله: أن كثيرًا من أهل السنة الذين يلتقون معنا في الترضي على الصحابة هم نسوا أن من الضروري جدًا أن نفهم الكتاب والسنة على ما كان عليه هؤلاء الصحابة؛ لأنهم كانوا أقرب عهدًا من النبي - ﵌ - من الذين جاؤوا من بعدهم، لهذا ما يكون المسلم على الهدى وعلى النور، بل لا يكون متمسكًا بهدي الرسول الذي كان يأمر بالتمسك به في خططه دائمًا أبدًا إلا إذا عرف ما كان عليه أصحاب النبي - ﵌ -، هذه المعرفة تفتح أمام العالم بها بابًا من العلم لا يمكن أن يلجه وأن يدخله من كان بعيدًا عن التسليم بهذا القيد والشرط، وهواتباع ما كان عليه السلف الصالح.
نحن أهل السنة حقًا إن شاء الله ﵎ متفقون على عموم قوله عليه
[ ١ / ٢٥٧ ]
الصلاة والسلام، الذي يذكر دائمًا في خطبة الحاجة: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وعلى عموم قوله ﵇: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» هذا النص العام لا يمكن تطبيقه تطبيقًا صحيحًا إلا إذا عرفنا ما كان عليه أصحاب النبي - ﵌ - من العبادات؛ لأن معرفة كون الأمر الفلاني بدعة في الإسلام لا سبيل إلى معرفة إلا إذا عرفنا ما كان عليه سلفنا الصالح؛ لأن قول القائل: هذه بدعة، إنما تعني أنها لم تكن في عهد الرسول ﵇ ولم تكن في عهد الصحابة، وبالتالي لم تكن في عهد بقية القرون المشهود لها بالخيرية.
فإذًا: معرفة ما كان عليه أصحاب النبي - ﵌ - هوالذي يمكننا من أن نكون عند قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، ولذلك يختلف منهج من انتمى إلى السلف عن منهج من انتمى فقط إلى القرآن والسنة، ويفسره أويفسرهما كما يفسره شيخه أومذهبه دون أن يرجع في ذلك إلى ما كان عليه النبي - ﵌ - وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
إذًا: لا ينبغي أن نغتر اليوم بدعوات كلها تلتقي على القول: بأننا نحن على الكتاب والسنة؛ لأن أصل الفرق المشار إليها في حديث الفرق لا يمكنها أن تقول: إلا أنها على الكتاب والسنة، فإذا ما قال بعضهم: لا نحتج بالسنة، فقد ارتد عن الإسلام؛ لأنه أنكر كثيرًا من آيات القرآن، كمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولذلك فلا نتصور أن طائفة من الطوائف الإسلامية تنكر السنة، وهذا هو الواقع، فالخوارج يقولون: نحن نأخذ بالسنة، والشيعة تقول: نحن نأخذ بالسنة، لكن السنة التي يأخذونها ليست على الوجه الذي كان عليه أصحاب النبي - ﵌ -، وأتباعهم من التابعين وأتباعهم.
لهذا نقول: ينبغي لنا أن نرفع راية الدعوة في خطبنا وفي دروسنا وفي مواعظنا
[ ١ / ٢٥٨ ]
دائمًا وأبدًا على القول: بأن التمسك بالكتاب والسنة، لا يكون تمسكًا صحيحًا إلا إذا كان مقرونًا باتباع ما كان عليه أصحاب النبي - ﵌ -، وهنا لابد لي من ضرب مثل بين لنا أهمية الرجوع في فهم الكتاب والسنة إلى ما كان عليه السلف الصالح؛ مما نقلوه عن النبي - ﵌ - قولًا وفعلًا وتقريرًا، نأخذ مثلًا قوله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فهنا نصان عامان شاملان، الأول: اسم السارق، والآخر: اليد، فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨] يشمل كل سارق حتى الذي يسرق البيضة بيضة الدجاجة أو الدجاجة أو نحو ذلك مما لا قيمة له، فهذا لغة اسمه سارق، ولكن بيان - ﵌ - القولي هو الذي يمنعنا من أن نفسر هذا اللفظ في هذه الآية على إطلاقه وشموله، فيمنعنا أن نقول: كل سارق، مهما كانت قيمة المسروق تقطع يده، نقول: لا، هذا لا يجوز، هذا مخالف للقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بين - ﵌ - السارق المذكور في هذه الآية بقوله: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا».
إذًا: حينما نقرأ هذه الآية: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، ينبغي أن نفهم هذا اللفظة على ضوء قوله ﵇، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] هنا الأيدي كما تعلمون جمع يد، واليد تطلق ويراد بها الكف، كما جاء في حديث التيمم: «أن تضرب بكفيك وجه الأرض»، وتطلق ويراد بها الذراع كما هوفي حديث آية الوضوء في آية الوضوء، وتطلق ويراد بها اليد كلها من عند الكتف إلى الأصابع، فيا ترى من أخذ بعموم الآية: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وطبق النص القرآني على هذا الإطلاق هل يكون متبعًا للقرآن الكريم؟ الجواب: وضح مما سبق التعليق السارق لا؛ لأنه خالف بيان - ﵌ -، لكن البيان هنا إنما كان منه - ﵌ - بيانًا فعليًا عمليًا، حيث كانت تقطع يد
[ ١ / ٢٥٩ ]
السارق من عند الرسغ وليس من عند المرفقين ولا من عند الكتف، هذه آية تتعلق بإقامة الحدود الشرعية، والآيات التي ذكرت في القرآن مطلقة أو عامة فهي كثيرة وكثيرة جدًا، ويروق لي أن أقترح على بعض طلاب العلم أن يجمعوا هذه الآيات المطلقة أو العامة في القرآن الكريم وأن يبينوا ما دخلها من التقييد أو التخصيص بما جاء في السنة وفي السنة الصحيحة؛ ليظهر للناس أنه لا مجال لفهم القرآن دون سنة الرسول ﵊ ودون بيان أصحابه ﵊ لما كان عليه رسول - ﵌ -.
قلت آنفًا: إن الآيات المطلقة أو العامة كثيرة وكثيرة جدًا، خذوا مثلًا الآيات التي تأمر بالزكاة وتأمر بالصلاة وتأمر بالحج، لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء الكتاب والسنة، ومن هنا يتبين لنا خروج الطائفة التي تسمى اليوم بالقرآنيين عن دائرة الإسلام والمسلمين حينما قالوا: نحن في غنى عن فهم القرآن بالسنة؛ ذلك لما أشرت آنفًا من بيان أن الذي لا يأخذ بالسنة فهولا يأخذ بالقرآن؛ لأن القرآن أمر المسلمين في غير ما آية أن يتحاكموا إلى الله وإلى رسوله، كما هو معلوم في الآية المعروفة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، والبحث في هذا طويل وطويل جدًا، إنما أردت فيه التنبيه فقط على ضرورة انتباه كل مسلم غيور على أن يكون من الفرقة الناجية ألا يكتفي لنفسه ولا لغيره أن يقول: أنا متبع للكتاب والسنة، ليس إلا، لابد من أن يقرن مع هذين المصدرين الأساسيين أن نعرف ما كان عليه أصحاب الرسول ﵇ من الهدى والنور، وبذلك نحقق صفة الفرقة الناجية، وهي أن نكون على ما كان عليه رسول الله وأصحابه.
وهذا كما قلت آنفًا باب واسع، ولكن لابد أن آتي بقيد جديد لإهمال كثير من الدعاة الإسلاميين إياه، ألا وهو العناية بمعرفة ما صح من السنة وما لم يصح
[ ١ / ٢٦٠ ]
منها؛ لأنه إذا كان القرآن لا يمكن فهمه إلا بالسنة فلابد من أن تكون هذه السنة صحيحة ثابتة عن النبي - ﵌ -، وهنا نُذَكِّر بما اتفق علماء المسلمين قاطبة على اختلاف مذاهبهم: أنه قد دخل في السنة ما ليس منها منذ القديم ولا يزال كثير من الناس حتى اليوم ينسبون إلى النبي - ﵌ - أحاديث قد وضعت حديثًا، ولذلك فلابد لطائفة من علماء المسلمين أن يعنوا عناية خاصة بما يعرف عند العلماء بعلم الحديث ومصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، حتى يصفوا السنة مما دخل فيها على مر العصور والدهور من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي دخلت في بطون كثير من كتب التفسير والحديث والفقه فضلًا عن كتب المواعظ والرقائق والقصص.
إذًا: على طائفة من علماء المسلمين أن يعنوا عناية خاصة بعلم السنة حتى يتمكنوا بها من تفسير القرآن تفسيرًا صحيحًا.
بعد هذا أقول: تعلمون أيها الإخوة أن العلم الصحيح هووسيلة للعمل به، فلا ينبغي لطالب العلم أن يجلل نفسه بالعلم فقط دون قرن هذا العلم بالعمل، لذلك ندعو دائمًا أن يلهمنا الله ﷿ العلم النافع والعمل الصالح: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
هذا ما تيسر لي من الكلمة التي طلبها الشيخ الفاضل الشيخ عبد الله، ونسأل الله ﷿ أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
مداخلة: شكر الله لك فضيلة الشيخ.
الشيخ: أهلًا وسهلًا.
(الهدى والنور /٨٠٥/ ١٣: ٠١: ٠٠)
[ ١ / ٢٦١ ]