مداخلة: يقول الرسول - ﵌ -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والقاتل النفس، والمفارق للجماعة» فما هو المقصود بالمفارق للجماعة هل الجماعة من الجماعات الحالية الآن الموجودة على الساحات؟ أم المفارق للجماعة الذي هي جماعة الصلاة؟ وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: لاشك أنه ليس المقصود الجماعات الحالية؛ لأنه شأن هذه الجماعات مع الأسف كما قال الشاعر قديمًا:
وكل يَدَّعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر له بذاك
إذا فارق هذه الجماعة ما فارق هذه الجماعة، فإذًا: الحديث يطبق عليه إذا فارق هذه أو تلك لا، الجماعة التي يريدها الرسول ﵊ في هذا الحديث هي الجماعة التي أرادها في حديث معروف لديكم فأذكر الشطر الأخير منه: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» هذه هي الجماعة.
وفي رواية أخرى مُوَضِّحة للجماعة قال: «هي ما أنا عليه وأصحابي».
يكفيك هذا الجواب موضحًا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: جزاك الله خير.
[ ١ / ١٥٠ ]
فإذًا: كل جماعة على وجه الأرض اليوم.
كل جماعة على وجه الأرض اليوم لا تنتسب إلى الجماعة الأولى فهي أولًا في خطر.
هي أولًا في خطرين: أن تكون من الفرق الهالكة غير الناجية.
وثانيًا: ليست هي الجماعة التي يحل دم قتل من خرج عنها وفارق الجماعة.
الحقيقة هذا الحديث حديث الفرق ينبغي أن يكون منهج كل مسلم خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الجماعات والفِرَق، وكل فرقة منها تَدَّعي أنها على الحق.
أرى لزامًا علي أن أتوسع قليلًا حول حديث الفرق ذلك؛ لأنه من المستحيل أن تكون الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم في البلاد الإسلامية كلها في النار، هذا مستحيل.
كما أنه من المستحيل تمامًا: أن تكون كلها في الجنة، هذا نقيض هذا، وهذا نقيض ذاك، وكله يستحيل شرعًا لماذا؟ لأن الله ﷿ ذكر في القرآن الكريم حقائق شرعية لا مجال لأي مسلم أن ينكرها:
من هذه الحقائق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
إذًا: نحن نرى في نصوص القرآن فضلًا عن نصوص الأحاديث الثابتة عن
[ ١ / ١٥١ ]
الرسول ﵇ والتي من وظيفتها: بيان ما في القرآن نرى في هذه النصوص كلها أن الأكثرية دائمًا هي المذمومة، والقلة هي الممدوحة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: نرى ربنا ﷿ ينهى عن التفرق في الدين، ويجعل ذلك من شيم وطبيعة المشركين، فقال رب العالمين: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢].
إذًا: التفرق في القرآن مذموم، بل الرسول ﵇ وضح ذلك أتم البيان فقال ﵊ في حديث الفرق الذي أشرت إليه آنفًا، والآن نذكره بكامله تمامًا كما جاء في سنن الترمذي ومسند أحمد وغيرهما من كتب السنة عن جمع من الصحابة منهم: أبو هريرة ومعاوية، وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة فقال ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة».
هذه الجماعة هي التي لا يجوز الخروج عنها، ويكون الخارج عنها هو الذي يستحق ذلك الحكم الشديد بحق وهو: أنه يحل دمه لمفارقته للجماعة، ما هي هذه الجماعة؟ قد جاء تفسيرها تلميحًا في القرآن، وتوضيحًا في حديث الرسول ﵇ هذا.
أما القرآن فقال ﷿ من قائل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
هنا ترون معي أن الله ﷿ ذكر في هذه الآية سبيل المؤمنين، بعد أن ذكر الرسول ﵇ فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
[ ١ / ١٥٢ ]
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥].
ترى لو كانت الآية بحذف جملة سبيل المؤمنين، لو كانت سياقًا مختصرًا من هذا السياق، مثلًا: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ﴾ إلى آخر الآية.
ترى هل نخسر شيئًا أم لا؟ بمعنى: في كثير من الأحيان تأتي جملة توضيحية وبيانية هل هذه الجملة هي على سبيل البيان للرسول ﵊ المذكور في هذه الآية من القرآن أم هي تتضمن فائدة زائدة عما يتضمنه لفظة الرسول ﵇: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] لماذا ذكر الله: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ ألا يكفيه أنه شاقق الرسول؟ يكفيه، لكن لماذا ذكر: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ هنا البلاغة القرآنية، هنا الإعجاز القرآني، ذكر سبيل المؤمنين؛ لكي يكونوا قدوة للخالفين من بعدهم لأمثالنا نحن، فلا يجوز لنا أن نأتي مثلًا إلى النص في القرآن أوفي حديث الرسول ﵊ فنفسره نحن من عندنا تفسيرًا يخالف ما صار عليه المؤمنون الأولون من قبلنا، والمؤمنون الأولون من قبلنا وهم المقصودون في آية ربنا هذه المذكورة آنفًا في القرآن: ليسوا هم إلا المشهود لهم بالخيرية في قوله - ﵌ - الصحيح بل المتواتر صحة عن رسول الله - ﵌ -: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
هؤلاء الذين زُكُّوا بلسان الرسول ﵇، أما من بعدهم فيقول الرسول ﵇ في بعض الروايات الصحيحة: «أنهم يشهدون ولا يستشهدون».
كناية على أنهم يشهدون شهادة الزور، وعلامتهم السمن البطر في الطعام والشراب ولا هَمَّ لهم إنما كما قال تعالى: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ
[ ١ / ١٥٣ ]
الأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢].
فالمسلمون المذكورون في الآية هم المسلمون الصحابة التابعون وأتباعهم لماذا؟ لأنهم كانوا قريبى عهد بالنبي ﵊ فأصحابه تلقوا القرآن غضًا طريًا كما أنزل دون أن يُغَيَّر أو يُبَدَّل منه شيء من حيث مفهومه، أما من حيث ملفوظه فلا تبديل ولا تغيير؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وإن كان هناك مع الأسف الشديد بعض الفرق الإسلامية تقول: بأن القرآن الموجود الآن بين أيدي المسلمين هذا جزء من مصحف فاطمة ﵍ حيث أن مصحف فاطمة زعموا ضاع، وهذا الذي بقي لدينا هو الربع كذبوا إنما القرآن كما أنزله على قلب محمد ﵊ فهو بين أيدي المسلمين اليوم، ولكن مع الأسف في الوقت الذي يتلفظ به المسلمون كما أنزل، لكنهم يحرفون ويغيرون ويبدلون من معانيه، ولذلك حتى نكون على بَيِّنَة من صحة المعنى كما نحن على بينة من صحة المبنى أي: الكلام الإلهي ما هوالطريق للوصول إلى معرفة المعنى الصحيح؟ هو الرجوع إلى ما كان عليه المسلمون الأولون القرون المشهود لها بالخيرية، ويُكنَّى عنهم بلفظة واحدة وهي: السلف والسلف الصالح، هذا الذي أشار ربنا ﷿ في الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] قد أوضحه النبي ﵊ في حديث الفرق حينما قال: «إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة».
في رواية أخرى - وهي الموضحة أولًا للآية سبيل المؤمنين.
وثانيًا: للجماعة المذكورة في الرواية الأولى.
قال ﵇ في الفرقة الناجية: «هي ما أنا عليه وأصحابي».
[ ١ / ١٥٤ ]
ما أنا عليه وأصحابي ما قال ﵇: «ما أنا عليه فقط» وإنما للحكمة التي ذكرتها في الآية أضاف إليها: «وأصحابي» لماذا؟ لأنه لا طريق لنا لنعرف ما كان عليه رسولنا - ﵌ - إلا من طريق الصحابة.
ومن هنا: يظهر لكم ضلال بعض الفرق القديمة والتي لا تزال أذنابها موجودة، وبعض الفرق الحديثة التي تطعن في بعض أصحاب الرسول ﵇.
كثير من هؤلاء المطعون فيهم أوقليل، المهم: أن هؤلاء الذين يطعنون في بعض الصحابة أوفي كثيرين منهم هم يُعَطلون دلالة هذا النص النبوي الكريم وهو: «ما أنا عليه وأصحابي».
ولذلك نجدهم لا يهتمون بمعرفة ما كان عليه الصحابة، وإنما يُسَلطون أفهامهم وعقولهم إن لم نقل أهواءهم في تفسير القرآن فضلًا عن أحاديث الرسول ﵇ بأهوائهم، وضلالاتهم، لا أريد أن أضرب لكم أمثلة قديمة إلا مثلًا واحدًا، ثم أعود إلى ضرب أمثلة حديثة من واقعنا اليوم؛ لأنه هذا الواقع هو الذي يتعلق بالجماعات القائمة اليوم على أرض الإسلام.
قديمًا وجد في بعض الطوائف المنحرفة عن الكتاب والسنة من فسروا القرآن بأهوائهم كالرافضة مثلًا الذين يفسرون قوله تعالى مع أن الآية لها علاقة بما جرى في بني إسرائيل من عصيانهم لنبيهم موسى ﵇ قال ربنا ﷿ في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] قالوا: بقرة أي: عائشة، هذا لا يكاد يُصَدَّق لبعد الضلال في هذا التفسير.
الآية تتعلق ببني إسرائيل وهم: حَوَّلوها إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فقالوا: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أي: عائشة لماذا؟ لأنهم يتهمونها في
[ ١ / ١٥٥ ]
عرضها! ويصدقون أهل الإفك الذين أشاعوا عنها فرية الفاحشة مع أن الله ﷿ طهرها من ذلك، هذا مثال قديم وله نماذج كثيرة وكثيرة جدًا، وكما قلت آنفًا: لا أريد أن أكثر من هذه الأمثلة، فمن شاء منكم أن يتوسع فعليه بكتاب الكليني الذي اسمه ماذا؟ الكليني كتاب يعتبر عند الشيعة. كتاب «الكافي» للكليني فسيجد هناك العجب العجاب من تحريف الكلم عن مواضعه، لكن الذي أريده الآن إنما هو بعض الأمثلة الموجودة الآن بين الطوائف الإسلامية أو بين بعضها على الأقل.
لابد أنكم تسمعون بطائفة اسمها القاديانية ينتسبون إلى بلدة أو قرية في الباكستان تسمى بقاديان هنا خرج رجل من الصوفية عالم، لكن كان صوفيًا صاحب طريقة فادعى أولًا: بأنه المهدي، ثم ادعى بأنه عيسى المبشر بنزوله في آخر الزمان، ثم ادعى أنه يوحى إليه، وله كتاب مطبوع باللغة العربية اسمه: حقيقة الوحي، وله هناك كفريات عجيبة جدًا من هذا النبي الذي كذب وافترى على الله ﷿.
يقول هناك مثلًا يزعم أن اسمه أحمد وكان اسمه الذي سماه أبوه غلام أحمد ترجمة غلام أحمد في لغتهم أي: خادم أحمد والمقصود بأحمد هنا: نبينا محمد ﵇، وهذا الوليد سموه تبركًا بغلام أحمد أي: خادمه، ثم لما ترقى في الضلال حذف كلمة غلام وبقي اسمه: أحمد، ثم زعم بأن الله ﷿ أوحى إليه ذلك الكتاب المعروف بحقيقة الوحي ماذا يقول فيه؟ قال الله له: يا أحمد أنت مني بمنزلة توحيدي أنت مني بمنزلة تفريدي يعني: التوحيد هو بمنزلة توحيد الله ﷿.
وله من مثل هذه الضلالات كثيرة وكثيرة جدًا، لكنه لما ادعى النبوة اتبعه ناس
[ ١ / ١٥٦ ]
إلى اليوم وهو مضى عليه تقريبًا نحو سبعين سنة، مات له أتباع اليوم منتشرون في بريطانيا في ألمانيا في فرنسا ولهم نشاط عجيب في الدعوة لا أقول في الدعوة إلى الإسلام، وإنما في الدعوة إلى إسلامهم؛ لأن من إسلامهم أن النبوة لم تنقطع خلافًا للآية المعروفة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] خلافًا لقوله ﵊: «إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي بعدي ولا رسول بعدي».
وخلاف قوله ﵇ لعلي لما ذهب ﵇ إلى تبوك وخلفه في المدينة نائبًا عنه قال له ﵊: «أنت بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي».
هؤلاء القاديانيون لا تظنوا أنهم ينكرون شيئًا من أركان الإيمان، أو شيئًا من أركان الإسلام لا هم يؤمنون معنا في كل هذه الأركان، فهم يصلون ويصومون ويحجون، وأسماؤهم أسماء إسلامية تمامًا، فهل ترونهم مسلمين وهم يعتقدون بأنه هذا الرجل نبي صادق؟ ثم هذا الرجل يقول: بأنه سيأتي أنبياء من بعده؟ طبعًا: هؤلاء ليسوا من المسلمين؛ لأنهم أنكروا كما يقول الفقهاء: ما هومعلوم من الدين بالضرورة، معلوم من الدين بالضرورة عند كل مسلم أنه لا نبي بعد رسول الله - ﵌ - للآية المذكورة آنفًا، وللأحاديث التي ذكرت بعضها أيضًا آنفًا.
الشاهد: هل يؤمنون بهذه الآية؟ الجواب: نعم. هل يصدقون بهذه الأحاديث؟ الجواب: نعم. كيف هذا وهم يقولون بخلاف الآية، وبخلاف الأحاديث؟ هنا تأتي مصيبة التأويل، هنا تأتي مصيبة التأويل الذي كان سببًا لتفريق المسلمين تلك الفرق القديمة، والتي لا يزال شيء من آثارها حتى اليوم.
المعتزلة مثلًا: ضلوا وخرجوا عن الجماعة، هل كفروا بشيء من آيات
[ ١ / ١٥٧ ]
القرآن؟ الجواب: لا. إذًا: لماذا ضلوا؟ لأنهم سلطوا معول التأويل على نصوص القرآن والسنة، فضلوا ضلالًا بعيدًا.
كذلك هؤلاء القاديانيون ما خرجوا عن القرآن والسنة لفظًا، ولكنهم خرجوا عن القرآن والسنة تأويلًا، وتحريفًا فقالوا مثلًا في الآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أي: هورسول الله حقًا وصدقًا، لكن خاتم النبيين معنى هذا الوصف أنه زينة النبيين، وليس آخرهم، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] قالوا: هذا تشبيه، وهذا مجاز كما أن الخاتم في الإصبع زينة الأصابع واليد، كذلك محمد هوخاتم الأنبياء أي: زينتهم وليس آخرهم، فإذًا: هم آمنوا وهم كفروا، أي: آمنوا بلفظ القرآن وكفروا بمعناه ترى، هل ربنا ﷿ حينما يريد منا أن نؤمن بالقرآن يريد منا أن نؤمن بلفظه دون معناه، أوبمعناه دون لفظه، أم يريد منا أن نؤمن بهما كليهما لفظًا ومعنًا؟ لاشك أن الجواب: لفظًا ومعنى.
وجد في المسلمين من الفلاسفة الذين يعتبرون من الذين خرجوا من دين الله أفواجًا، وكما تخرج الشعرة من العجين قالوا: الآيات التي جاءت تأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليس المقصود بهذه الآيات هوهذه الصلاة التي يفعلها المسلمون حتى اليوم والحمد لله، صلوات في أوقات خمسة بركعات معروفة، بشروط وأركان ووإلى آخره، لا، هذا خطا في فهم الآية إنما المقصود: أقيموا الصلاة يعني: الدعاء، والزكاة يعني: تطهير النفس. فعطلوا هذه الشرائع كلها، ومعنى هذا: أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله حقًا، هذا ما يقوله بعض الفلاسفة الإسلاميين.
لكن هناك ضلال أدنى درجة من هذا الضلال، لكنه ضلال أيضًا، ولا أريد أن أعود إلى بعض الأمثلة القديمة حسبنا هذا المثال الجديد الآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ
[ ١ / ١٥٨ ]
اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أي: زينتهم أي: هو ليس آخرهم؛ لأنه جاء بعد الرسول غلام أحمد القادياني، وسيأتي من بعده أنبياء كُثُر، والآية فَسَّروها أَوَّلوها عطلوا دلالتها كاليهود يحرفون الكلم من بعد مواضعه، فوقعوا في الكفر وهم يعتمدون على القرآن، وهم يعتمدون على القرآن زعموا مؤولين للآية خلاف تأويلها الصحيح، ماذا فعلوا بالحديث! سمعتم آنفًا قوله ﵇ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» قالوا: لا نبي معي، أما بعد موته فهناك أنبياء هكذا.
إذًا: هؤلاء هم من الفرق التي جاء الإشارة إليها في قوله ﵊: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» هذه الفرقة من هذه الفرق الاثنين والسبعين الهالكة لماذا؟ لأنهم ولو آمنوا بالقرآن، ولكنهم سلكوا غير سبيل المؤمنين في تفسير القرآن من أجل ذلك قال الله ﷿ في الآية السابقة في القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فإذًا: هؤلاء القاديانيون وأمثالهم قديمًا، وربما حديثًا: لما آمنوا بالآية وأولوها غير تأويل المؤمنين إذًا: جزاؤهم ما جاء في الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]
(الهدى والنور/٧٠٥/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
[ ١ / ١٥٩ ]