قال الإمام:
يجب عليك أيها المسلم أن تعتقد أن لله في كل ما شرع لعباده من أمر أونهي وإباحة- حكمة بل حكمًا بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، تظهر لبعضهم، وتخفى على آخرين، ولذلك فالواجب على المسلم حقًا أن يبادر إلى طاعة الله، ولا يتلكأ في ذلك حتى تتبين له الحكمة، فإن ذلك مما ينافي الإيمان الذي هو التسليم المطلق للشارع الحكيم، ولذا قال ﷿ في القرآن الكريم: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
وعلى هذا عاش سلفنا الصالح، فأعزهم الله، وفتح لهم البلاد وقلوب العباد، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولقد كان لأبي بكر الصديق ﵁ قصب السبق فيه، وكان مثالًا صالحًا لغيره، كما يدل على ذلك موقفه الرائع في قصة صلح الحديبية، فيما رواه سهل بن حنيف ﵁ قال:
أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله - ﵌ - يوم الحديبية ولونرى قتالًا لقاتلنا-وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله - ﵌ - وبين المشركين-فجاء عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله - ﵌ - فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال:
[ ١ / ٢١٤ ]
بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال:
«يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا».
قال: فانطلق عمر- فلم يصبر متغيظًا-فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر؟ ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية من ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابن الخطاب! إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا».
قال: فنزل القرآن على رسول الله - ﵌ - بـ (الفتح)، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله؟ أوفتحٌ هو؟ قال: «نعم»، فطابت نفسه ورجع.
أخرجه البخاري (٣١٨٢ - فتح) ومسلم (٥/ ١٧٥ - ١٧٦) والسياق له، وأحمد (٣/ ٤٨٦)، وفي رواية لهما عنه:
«أيها الناس اتهموا رأيكم ..» وهي لسعيد بن منصور (٣/ ٢/٣٧٤) وابن أبي شيبة (١٥/ ٢٩٩).
قال الحافظ (١٣/ ٢٨٨): «كأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السنة، كما وقع لنا حيث أمرنا رسول الله - ﵌ - بالتحلل، فأحببنا الاستمرار على الإحرام وأردنا القتال لنكمل نسكنا، ونقهر عدونا، وخفي علينا ما ظهر للنبي - ﵌ - مما حدث عقباه».
وأروع مثال مر بي في سيرة أصحابه - ﵌ - الدالة على إيثارهم طاعته، ولو كان ذلك مخالفًا لهواهم ومصلحتهم الشخصية قول ظهير بن رافع قال: «نهانا رسول الله - ﵌ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية لله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى».
[ ١ / ٢١٥ ]
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في «الإرواء» (٥/ ٢٩٩).
لقد ذكرتني هذه الطواعية، بتلك المطاوعة التي تعجب منها مؤمنوا الجن حينما أتوا النبي - ﵌ - يستمعون إلى قراءته في صلاة الفجر المشار إليها في أول سورة الجن: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا﴾، فرأوا أصحابه - ﷺ - يصلون بصلاته؛ يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، قال ابن عباس ﵄:
«عجبوا من طواعية أصحابه له».
رواه أحمد (١/ ٢٧٠) وغيره بسند صحيح.
والمقصود أن هذه الطواعية يجب أن تكون متحققة في كل مسلم ظاهرًا وباطنًا، سواءً كانت موافقة لهواه أو مخالفة.
(تحريم آلات الطرب (١٣٧ - ١٣٩ - ٠٠)
[ ١ / ٢١٦ ]