السؤال: قال بعض الناس إن التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة مذهب تلفيقي لا يمس الإسلام بصلة، فقول هذا الرجل البدع الاعتقادية الغليظة هل هو قيد صحيح، بمعنى هل التسامح مع غير أهل البدع الاعتقادية والغليظة يجوز ومن الإسلام؟
الشيخ: لا شك أن هناك فرقًا في المخالفة بين عقيدة وأخرى، وبخاصة إذا تذكرنا أن التفريق بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية العملية هو مجرد اصطلاح، ولقد كان لهذا الاصطلاح أثره السيئ في بعض الفرق الإسلامية قديمًا، والجماعات الإسلامية حديثًا، فقد استغلوا هذا التفريق ليردوا وجوب الأخذ بعشرات إن لم أقل المئات من الأحاديث الصحيحة بدعوى أن هذه الأحاديث ليست عملية، وإنما هي اعتقادية فكرية ليس لها علاقة بالأحكام الشرعية، ومن الواضح أنني أعني بهذا البيان من ينسب إليه القول من الماضين ومن يتبناه من المعاصرين أنه لا يجب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، فهذا بلا شك قول باطل لا يقوم عليه دليل من الشرع فضلًا عن العقل إن كان للعقل حجة في الأحكام الشرعية، فيتبنى هذا بعض الأحزاب الإسلامية اليوم،
[ ١٢ / ٢٥ ]
فأعرضوا عن الأخذ بأحاديث كثيرة صحيحة؛ لأنها ليست عملية وردي على ذلك أن أي حكم شرعي هو أهم من أي عقيدة شرعية من حيث تعلق هذا الحكم بالأمر بالتعبد به إلى الله ﵎، فكل حكم شرعي يتضمن عقيدة ولا عكس، ليس كل عقيدة تتضمن حكمًا شرعيًا عمليًا، والأمر في اعتقادي واضح جدًا لا يحتاج إلى كثير من التوضيح لكن حسبنا أن نأخذ مثلًا واحدًا من أي عبادة من العبادات التي لا يصنفونها في العقائد؛ لأنها من العمليات، فلو أن رجلًا صلى أو صام أو فعل أي شيء من العبادات المعروفة في الشرع ليس بنية التقرب إلى الله والتعبد إليه كان عمله هباءً منثورًا.
إذًا: لا بد أن يقترن مع كل عبادة الاعتقاد قبل كل شيء أن هذه العبادة هي شرع من الله ﵎، فإن فعلها غير مقرون بالعبادة كان عمله هباءً منثورًا، فإذا كان الأمر كذلك نعود الآن إلى أن كل عقيدة يجب أن يتبناها المسلم سواء كانت مقرونة بالعمل أو كانت غير مقرونة بالعمل وبعض العلماء يفرقون بين الأمرين، فيقولون العلميات العمليات وهذا التفريق لطيف، كاصطلاح لا مانع منه، لكن العمليات لا يمكن إلا أن يسبقها العلم ..
مداخلة: متضمنة له.
الشيخ: بلا شك كما ذكرنا آنفًا، إذا كان الأمر كذلك نعود لنفرق أو لنبين الفرق بين اعتقاد ..
[ ١٢ / ٢٦ ]
(حصل هنا انقطاع صوتي)
الشيخ: هل يستوي هذا وذاك، لا يستويان.
إذًا: كلاهما اشترك في عقيدة، وعلى حد ما نقلت عمن أشرت إليه بأنه عقيدة غليظة وخفيفة، فهذا مثال واضح أن الذي ينكر السنة جملة وتفصيلًا ليس كالذي ينكر جزءًا من السنة، إما لعذر فحينئذ هذا لا إشكال فيه أنه غير مؤاخذ عند رب العالمين، أو لغير عذر كالجهل مثلًا ونحو ذلك، فهذا التقسيم وإن كان لم يعجبني تعبيره بالغلظة، ولا أدري هل نقل هذا باللفظ أم بالمعنى؟
مداخلة: باللفظ يا شيخ.
الشيخ: نعم، لكن أعتقد أن التعبير أنه فيه عقيدة أهم من عقيدة، فهذا الواقع كما شرحنا آنفًا.
إذًا: الجواب التفريق بين عقيدة وأخرى هذا أمر واقع لا مرد له أولًا، ثم علماء السلف فرقوا فهم مثلًا كفروا الجهمية، وآمنوا بكفرهم، وأفتوا بقتل رأسهم، لكن لا يكفرون مثلًا الإباضية الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة، كذلك المعتزلة الذين يشاركونهم في هذه الضلالة، لكنهم يكتفون بتضليلهم دون تكفيرهم، فهذا أمر في اعتقادي لا ينبغي أن يتناقش فيه من حيث تقسيم العقيدة إلى مهم وإلى أهم.
[ ١٢ / ٢٧ ]
وخذ مثلًا البحث الذي طرقناه في الأمس القريب، وهذا لعله يصلح ليكون مثلًا للقول الآنف ذكره أن كل حكم لا بد أن يقترن به عقيدة، ماذا نقول بأولئك الذين خالفوا قول الرسول صلى الله علي وسلم: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» فقالوا: لا، ليس الأمر كذلك، هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، كما شرحنا أيضًا في الأمس حول حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة ..».
إذًا: هم اعتقدوا خلاف هذا الحديث فهل نكفرهم؟
لا ما نكفرهم، فهذا كمثال يمكن أن يكون للعقيدة الخفيفة بحد تعبير من نقلت عنه ذلك التعبير. نعم.
مداخلة: ولكن في لفظ التسامح، أما يرى شيخنا أن هذا يتعارض مع ما جاء عن الرسول - ﵌ - وعن أصحابه وعن سلف هذه الأمة من التحذير من البدع، ويتمثل هذا في قول البربهاري الذي نقلتموه في بعض كتبكم: احذروا صغار المحدثات، فإنها تعود حتى تصير كبارا.
وقول ابن مسعود لأولئك النفر الذين رآهم متحلقين في المسجد، قال في آخر الحديث الذي روي عن ابن مسعود عن أبي موسى، قال: فرأيت أولئك النفر يقاتلوننا يوم النهروان.
فلفظ التسامح لا يرد عليه أي إشكال؟
[ ١٢ / ٢٨ ]
الشيخ: أنا لا أفهم من كلمة التسامح التي نقلتها عن المومأ إليه، أن التسامح متعلق بالشخص المعتقِد، لا، التسامح يتعلق مع الشخص الآخر المعتقِد، أي: هناك رجلان لنعبر عن أحدهم بأنه سلفي والآخر خلفي.
الخلفي هذا مبتدع غريق في البدع، فأنا السلفي أتسامح معه، مش أنا أتسامح مع البدعة فأفرق بين بدعة غليظة على حد تعبيره وبين بدعة خفيفة، فلا بأس أن أتبنى البدع الخفيفة دون الغليظة، لا، ليس هذا هو المقصود.
المقصود أنا السلفي أتسامح مع الخلفي في البدعة الخفيفة دون الغليظة، هذا الذي أفهمه، فإن كان هناك وجه للفهم الآخر، فأنا أعتقد أن هذا بلا شك خطأ؛ لأن المسلم يجب أن يمشي سويًا على صراط مستقيم في كل ما جاء عن الله ورسوله، لا فرق الآن أقول في العمليات بين فريضة وسنة مؤكدة، وبين نافلة كل هذا وهذا وهذا يجب أن يتبناه المسلم أولًا كاعتقاد أن هذا مشروع، وثانيًا كعمل في حدود ما أشرنا إليه آنفًا على مذهب ذلك الأعرابي قال: والله يا رسول الله! ..
(انتهت المادة الصوتية)
(الهدى والنور /٦١١/ ٣٩: ١٦: ٠٠)
[ ١٢ / ٢٩ ]