مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فضيلة الشيخ حفظكم الله! يرى البعض بين الشيعة وأهل السنة، فما رأيكم بهذا؟
الشيخ: الذي أعرفه أن جرب حظه في هذه القضية فما ذلك لأن السنة عندهم شيء من المرونة والسياسة التي يمكننا أن نسميها بالسياسة الشرعية، بالشيعة فإنهم من أشد الناس تعصبًا لما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وأنا أقول في كثير من مثل هذه المناسبة: لقد سمعنا قديمًا وحديثًا بأن كثيرًا من النصارى والبوذيين وربما أفراد قليلون من اليهود أسلموا، لكننا لم نسمع على مر الزمان المديد الطويل أن شيعيًا فضلًا عن رافضي تسنن؛ ذلك لأنهم صبغوا على الجمود على ما هم عليه من الانحراف ومن الضلال؛ ولذلك كان من عاقبة ما سموه بالتقريب بين السنة والشيعة منذ عشرات السنين في الأزهر أن الشيعة استغلوا هذا التقارب ونشروا كثيرًا من كتبهم وآرائهم
[ ١٢ / ١٤٢ ]
بين أهل السنة والسنة لم يفعلوا شيئًا مع الشيعة فكانت غنيمة باردة للشيعة على أهل السنة، فقد سمعتم هاهنا بأن هناك تحريكًا جديدًا للتقارب بين السنة والشيعة.
وسمعت استبيانًا عجيبًا غريبًا من بعض من يلتقون معنا في الخط السني والعمل الحديثي أنهم وجدوا في الرواة من كان ينتمي إلى التشيع أو إلى الرفض ومع ذلك فبعضهم عند أهل الحديث يحكم لحديثهم [بالصحة] مع أنهم من الشيعة، والذي أراه أن هناك فرقًا ظاهرًا بينما ما كان عليه علماء الحديث وبين ما أريد بالتقريب بين الشيعة والسنة تارةً في الأزهر وما قد يراد أيضًا لإحياء هذا التقريب المزعوم.
أهل الحديث وضعوا قواعد لكنها دقيقة جدًا في رواية الحديث، واقتصروا في ذلك بأن يكون الراوي عدلًا وذلك معناه أن يكون مسلمًا، ولا يخرج المسلم يومئذٍ من دائرة الإسلام لمجرد كونه شيعيًا أو خارجيًا أو مرجئًا أو نحو ذلك؛ لأن هذه الآراء وهذه المذاهب كانت حديثة عهد بأصحابها، وكان من الممكن أن يقال: بأنهم اجتهدوا وتأثروا.
وبهذه المناسبة أقول شيئًا ربما يكون مفيدًا، إن تفريق بعض العلماء بين الاختلاف في الأصول فلا يجوز، وبين الاختلاف في الفروع فيجوز، هذا التفريق ليس له أصل في الشرع إنما المناط هو أن يكون كل من ذهب مذهبًا
[ ١٢ / ١٤٣ ]
سواءً كان في العقيدة أو كان في الأحكام .. سواءً كان في الأصول أو كان في الفروع إنما يبتغي وجه الله ﵎، ثم إن ضل بعد ذلك ولم يهتد إلى الصواب فهو ونيته ومصيره إلى الله ﵎ المطلع على ما في الصدور؛ لذلك نرى علماء الحديث تركوا تجريح الراوي فيما يتعلق بروايته للحديث لمذهبه الذي انحرف فيه عن أهل السنة لم يعتدوا بهذا الحديث بل جعلوه جرحًا غير مقبول، فاقتصروا بأن يكون عدلًا ضابطًا .. اشترطوا فيه العدالة أو الإسلام، ثم أن يكون معروفًا بالصدق غير معروف بالكذب، وأخيرًا أن يكون حافظًا ضابطًا لما يروي.
ولم يعلوا روايات هذا الجنس من الرواة بأنه كان على مذهب كذا أو كذا؛ ذلك لأن تلك المذاهب في الغالب لم تكن قد أخذت الوضع العقائدي، ولم يكن يومئذٍ قد تبينت العقائد المخالفة للكتاب والسنة كما هو الشأن في هذا الوقت بالنسبة لبعض الفرق الإسلامية.
فالاعتماد في التفريق بين أهل السنة وبين الشيعة في هذا الزمن ونحن نقرأ في كتبهم ما هو الكفر البواح الصريح لا يجوز أن نقيس هذا على ما كان سابقًا من بعض الانحرافات والغلو في أهل البيت، أو الغلو في التكفير كالخوارج، أو التساهل في الإيمان كما هو شأن المرجئة، وهذا الوضع اليوم يختلف تمامًا عما كان عليه كثير من الفرق، ومنهم الرافضة.
[ ١٢ / ١٤٤ ]
الرافضة قديمًا لا يعرف عنهم سوى الطعن في الشيخين، وفي أم المؤمنين السيدة عائشة، لكن لا يعرف عنهم أن من مذهبهم أن هذا المصحف الذي هو كتاب الله ﷿، وكما بحق: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] هو ناقص وأن المصحف الكامل هو مصحف فاطمة ﵂، هذه العقيدة لم تعرف عن أولئك الشيعة أو الرافضة الذين رضعوا من بعض أهل الحديث.
فالاتكاء على مثل هذه الرواية للاعتماد على الدعوة إلى التقريب بين أهل السنة وبين الشيعة لا يصلح لهم إطلاقًا ولا سيما وقد جرب علماء الأزهر فلم يصلحوا بل تجد منهم ندموا على ما فعلوا، فإذًا: يجب إذا كان ولا بد من التقارب أن تقام هناك مناقشات ومناظرات إما وجهًا لوجه وتكون قائمة على دراسة الأصول التي قامت عليها عقيدة أهل السنة، ودراسة الأصول التي قامت عليها عقيدة الشيعة والرافضة، وبذلك يمكن أن يتبين الحق الذي هو مع أهل السنة والباطل الذي يعيشه أهل الرفض والتشيع.
فهذا ما يحضرني الآن من الكلام حول هذه المسألة، فلا ينبغي أن يتورط أحد من كبار أهل العلم بأنه من الممكن التوفيق بين السنة والشيعة.
ثم أذكر بهذه المناسبة قول أحد الشعراء، وأنا لست بشاعر ولا أحفظ الشعر لكن المناسبة قد تذكرني بشيء منه، يقول الشاعر:
[ ١٢ / ١٤٥ ]
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
نحن الآن يوجد خلاف بين أهل السنة أنفسهم، فالمنطق السليم يقتضي أن نقصد محاولة الاتفاق بين الفرق الذين ينتمون إلى السنة .. نصل إلى الاتفاق مع أبعد الناس إن كان الاتفاق بيننا وبينهم ألا وهم الشيعة، عندنا اليوم كما تعلمون المذاهب المعتمدة والمتبعة من أهل السنة هي المذاهب الأربعة المتعلقة بالأحكام الشرعية، المذهب الحنفي .. المالكي والشافعي والحنبلي، هذا فيما يتعلق بصورة عامة في الأحكام.
وعندنا ثلاثة مذاهب فيما يتعلق بالعقيدة ألا وهي مذهب أهل الحديث ومذهب الأشاعرة ومذهب الماتريدية، لماذا لا نسعى ولا نحاول أن نتقارب مع هؤلاء الذين هم بلا شك أقرب إلينا من أولئك فنهملهم وننصرف عنهم إلى محاولة الاتفاق بين السنة وبين الشيعة.
أعتقد أن هناك لبعض السياسات مدخلًا في الموضوع وإلا فالمنطق السليم يوجب علينا أن نهتم بالأقرب فالأقرب؛ لأن ذلك هو الذي .. المجتهد في محاولة التقريب وليس العكس تمامًا، فلذلك فهل نجحنا فالدعوى للإسلاميين بدأت طريقها السليم منذ قرون طويلة وبهمة بعض العلماء وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته الأبرار .. هل استطاع أهل السنة أن يتحدوا وأن يجعلوا مرجعهم إلى الكتاب والسنة وأن يدعوا الخلافات القائمة
[ ١٢ / ١٤٦ ]
المتوارثة بينهم مذهبيًا، هذا ما لا وكيف يتصور عاقل إمكانية الاتفاق مع الشيعة بالتقارب في الأصول وهم أبعد ما يكونون عما في أصولهم فضلًا عن فروعهم، وحسبنا ما أشرت آنفًا أنهم يعتقدون أن هذا المصحف قد ذهب ثلاثة أرباعه فيما أذكر على زعمهم.
فلذلك فأنا أعتقد أنه من المستحيل إطلاق اليوم أو على الأقل التقارب مع الشيعة حيث لم يتمكن مع التقارب مع جماهير المذاهب الأخرى سواء ما كان منها كما ذكرت آنفًا متعلقًا بالأحكام أو متعلقًا بالعقائد.
هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين إن شاء الله.
(رحلة النور ١٣ a/٠٠: ٣٠: ٠٥)
[ ١٢ / ١٤٧ ]