مداخلة: ما هي حقيقة الدعوة أو الطريقة الصوفية وعلى ماذا تستند وهل جميع الطرق الصوفية لها نفس الحكم؟
الشيخ: التصوف بلا شك هو منهج خاص كان أصله متعلقًا بسلوك الشخص في حياته، ثم تطور فصار فلسفة لها أفكار خاصة تخالف هذه الفلسفة ويخالف ذاك السلوك الإسلامَ في كثير من شؤونه وفي كثير من أفكاره وسلوكه.
التصوف أُسَهِّلُهُ هو أنه يُشبه الرهبانية التي ابتدعها النصارى في دينهم، وما كتبها الله عليهم ثم جاء الإسلام يؤكد بطلان الرهبنة في الإسلام فقال ﵊ «لا رهبانية في الإسلام» فالتصوف في الحقيقة كأنه تأثر بالرهبانية التي كان بعض النصارى ابتدعوها ثم التزموها، وكما قال تعالى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فتأثر بعض المسلمين برهبانية النصارى واقتدوا بهم وقد أنذرنا رسول الله - ﵌ - شيئًا من ذلك في عموم قوله ﵊ «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو
[ ١٢ / ١٦٦ ]
دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال ﵊: فمن الناس» فمما كان عليه النصارى الرهبنة فتأثر بعض المسلمين وقلدوهم في ذلك، حتى أن الرهبنة بدأت تظهر قرنها في عهد الرسول - ﵌ - لأن الرهبنة في الحقيقة أمر ترتاح إليه النفس البشرية المائلة إلى الإعراض عن زخارف الدنيا فتزين النفس لصاحبها مثل هذه الرهبنة، ولذلك فقد برزت قرنها في زمن الرسول ﵇ في شخص بعض أصحابه - ﵌ - من ذلك مثلًا ما جاء في صحيح البخاري «أن النبي - ﵌ - كان آخى بين أبي الدرداء وبين سلمان الفارسي تلك الموآخاة التي لا مثيل لها في الدنيا كلها وكان ذلك وسيلة لتقوية الروابط بين المهاجرين والأنصار في المدينة، وكان من جملة من آخى بينهما الرسول ﵊ أبو الدرداء الأنصاري وسلمان الفارسي، وكانوا بحكم هذه الموآخاة أو كان من لوازمها الإكثار من التزاور فجاء ذات يوم سلمان الفارسي إلى دار أبي
الدرداء فدخل وسلم فوجد زوجة أبي الدرداء ولم يرى أخاه أبا الدرداء فلفت نظره حالة أم الدرداء وهيئتها الرثة فقال لها ما هذا يا أم الدرداء؟ قالت هذا أخوك أبو الدرداء لا حاجة له في الدنيا، فأسر سلمان في نفسه وسرعان ما رجع أبو الدرداء إلى داره فبادر ووضع له الطعام فاتني شيء كان من كلام أم الدرداء أن قالت: هو قائم الليل صائم النهار فلا حاجة له بالدنيا، لما جاء أبو الدرداء بادر ووضع له الطعام فلما جلس هو أمسك - وكان قد عرف من أم الدرداء أنه صائم- فلم يأكل
[ ١٢ / ١٦٧ ]
فأكد عليه أبو الدرداء فقال: والله لا آكل حتى تأكل فَفَطَّرَهُ وجلس يأكل معه ثم بادره سلمان بالكلمة التي أقرها الرسول ﵊ فيما بعد عليها فقال له: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه ثم ذهب إلى النبي - ﵌ - فقص عليه القصة فقال - ﵌ -: صدق سلمان، فأبو الدرداء نحى منحى الرهبنة وهو الإعراض عن الزوجة والتمتع بحلاله منها، وعن الطعام والشراب إلا بقدر، وعلى ذلك أيضًا ظهر أثره في الصحابي الناشئ صغير السن لكنه نشأ في طاعة الله وعبادته وهو عبد الله بن عمرو بن العاص فقد زوجه والده عمرو بن العاص بفتاة من قريش وبعد أيام سألها عن زواجها بابنه فكان أن قالت: إنه لم يطأ بعد لنا فراشا، يعني تزوجت وما تزوجت وذكرت لعمرو أنه قائم الليل صائم النهار وبطبيعة الحال لم يعجب عمرًا مثل هذا الموقف فذهب إلى الرسول ﵊ كأنه يشكو ابنه إليه قال عبد الله بن عمرو فإما لقيني الرسول ﵊ وإما أَرْسَلَ إليَّ، فقال له: يا عبد الله بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار ولا تقرب النساء، قال: قد كان ذلك يا رسول الله، فقال ﵇: فإن لنفسك عليك حقًا ولجسدك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، ولزورك عليك حقا» الحديث ..
والحديث طويل ذكرناه أكثر من مرة والشاهد أن هذا أيضًا مال إلى شيء من الرهبانية فأبطل الرسول ﵊ ذلك بمثل هذه المعالجات الشخصية ثم بحديثه العام لا رهبانية في الإسلام، هذا النوع
[ ١٢ / ١٦٨ ]
هو أسهل شيء في الصوفية لكن مع الزمن تطور التصوف حتى وصل إلى الكفر الذي دونه كفر اليهود والنصارى جميعًا، حيث وصلوا إلى القول بوحدة الوجود وذلك يعني أن ليس هناك خالق ومخلوق وإنما هو شيء واحد يعني كما يقول الدهريون والطبيعيون والملاحدة جميعًا كالشيوعية وأذنابها أنه ليس هناك إلا الطبيعة.
وهذا الذي وصلوا إليه من القول بوحدة الوجود في الحقيقة أخطر من الإلحاد المكشوف، ذلك بأن القائلين بوحدة الوجود يستدلون عليها ببعض النصوص من الكتاب والسنة وذلك بطبيعة الحال بطريقة التلاعب بالنصوص وتجريدها بل تحريفها مثلًا قوله تعالى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] فيستدلون بمثل هذه الآية أن الرامي هو الله طيب ومحمد رسول الله يقولون محمد مظهر من مظاهر الربوبية، الشاهد فلا ينبغي للمسلم أن يتورط بشيء يسمى بالتصوف لأن أيسره وأهونه ضلال وأسوؤه كفر وجحد بكل الشرائع السماوية، هذا ما تيسر من جوابنا على السؤال السابق المتعلق بالصوفية، علمًا بأنه تفرق، ترتب، من وراء ذلك الطرق المعروفة بكثرتها وبتباين أساليبها وتقاليدها وعباداتها وكل ذلك ليس من الإسلام في شيء، نعم.
(الهدى والنور / ١٦/ ٥.: ٣٨: ..)
[ ١٢ / ١٦٩ ]