السؤال الخامس عرجا على موضوع التصوف هل كان للإمام الغزالي دورا في التلاعب بالألفاظ والتحريف أم أن التحريف جرى فيما بعد وكيف؟
الجواب: نحن لا نقول في الغزالي أنه كان له دور في التلاعب لكننا نقول إن الأمام الغزالي كان يعرض عليه التمذهب بالمذهب الأشعري والأشاعرة ابتلوا بشئ من تأويل نصوص الكتاب والسنة ولما كان الغزالي على مذهب الأشاعرة صار يتأول كثيرا من هذه النصوص في بعض كتبه ومنها الكتاب المشهور بـ «الإحياء»، فرأينا في كل الطوائف وفي كل الجماعات التي تخالف منهج الكتاب والسنة في منهج السلف الصالح أنهم منحرفون عن الإسلام لكن الله ﷿ يحاسب كلا منهم على ما علم مما وصل في نفسه أن لا سمح الله أراد الكيد بالإسلام فله حسابه وإن حاول أن يتفهم الإسلام فهما صحيحا ثم أخطأه فله كما قال ﵇ في الحديث المشهور أجر واحد: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد»، نحن لا نفرق حقيقة بين الاجتهاد في الفروع والاجتهاد في الأصول خلافا لبعض علماء الأصول الذين يقولون الاجتهاد في الأصول لا يجوز فهذا خطأ أولًا
[ ١٢ / ١٧٠ ]
لأن الرسول ﵇ قد أطلق الحكم السابق في الحديث إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران لم يقل في الفروع دون الأصول ولا في الأصول دون الفروع، وإنما شمل بكلامه الناحيتين الأصول والفروع، ثانيا: نعتقد أن الخطأ لا يمكن أن يعصم منه الإنسان حتى في العقيدة وخذوا مثلا رائعا جدا لكون إنسان قد يخطئ في العقيدة ومع ذلك فالله ﷿ يغفر له لأنه علم أن خطأه لم يكن كيدا للشريعة وطعنا في الدين وإنما كان لسبب يعذر فيه عند رب العالمين ﵎ أعني بذلك المثال قوله ﵇: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرا قط فلما حضرته الوفاة جمع أولاده خلفه فقال لهم: أي أب كنت لكم، قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولإن قدر الله علي ليعذبني عذابا شديدا لاشك هذا كَفَرَ، وشمله قول الله ﷿ ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ هذا الرجل قال: «ولئن قدر
الله علي ليعذبني عذابا شديدا، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم ذرُّو نصفي في الريح ونصفي في البحر» مات الرجل فحرقوه بالنار ثم أخذوا نصفه فرموه في الريح العاصف، والنصف الثاني في البحر، فقال الله ﷿ لذراته: كوني فلانًا فكانت بشرا سويا، قال الله ﷿: أي عبدي ما حملك علي ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك» أنا خفت منك لسان حاله يقول أنا معترف بأني شر إنسان لم أعمل خيرا قط، ومعترف بالتالي أنك إذا عذبتني عذبتني وأنت عادل، ففرارًا
[ ١٢ / ١٧١ ]
من هذا العذاب أوصيت بهذه الوصية الجائرة التي يمكن لا يوجد لها مثيل في الدنيا في الجور والظلم، ولما كان الله ﷿ يعلم حقيقة ما في نفس هذا الإنسان من الصدق فيما قال، قال: اذهب قد غفرت لك، أي غفر له كفره وشركه بالله ﷿.
فإذًا يمكن للإنسان أولا أن يخطئ في ما يتعلق بالعقيدة لكن هذا الخطأ إن كان كيدًا للإسلام فلا يغفر له، وإن كان محاولة منه لا يقصد فيها الكيد للإسلام الله ﷿ يغفره لهذا الإنسان.
لذلك فتأويل آيات الصفات وأحاديث الصفات من فرق إسلامية كلها بالنسبة للمعتزلة والخوارج والمرجئة والأشاعرة والماتريدية لا يجوز أن يطلق القول بتكفيرهم، لأننا لا نعلم الباعث لهم أنه كيدا للإسلام بل نقطع أن بعضهم كان يريد تنزيه الإسلام من بعض المفاهيم التي تبدو له أنها بريئة من الإسلام ولو أنه كان مخطئًا في ذلك، وهذا في الواقع نعتقده في الجملة وليس في التفصيل أنه الباعث على الكثير من الأشاعرة والماتريدية على التأويل الذي انحرفوا به عن طريق السلف الصالح لم يكن انحرافهم هذا طعنًا في العقيدة وكيدا في الإسلام، وإنما كان ذلك محاولة منهم لتقريب بعض النصوص التي أساؤوا فهمها إلى بعض الأذهان.
مداخلة: ضرر في التلاعب.
[ ١٢ / ١٧٢ ]
الشيخ: في التلاعب لا نقول بأنه تلاعب هو ولا غيره، وإنما نقول تأول هو وغيره كثيرًا من آيات الصفات وأحاديث الصفات ولا نعلم عنهم أنهم أرادوا كيد في الإسلام بل الظن فيهم أنهم أرادوا خيرا للإسلام هذا مما نقوله جواب على هذا السؤال.
(الهدى والنور /١٧/ ٥.: ٢٠: ..)