مداخلة: تكملة السؤال الأول يا شيخ؟ هل الإشكال في حديث العترة ؟
الشيخ: قلي الحديث ما لفظه والإشكال فيه؟
مداخلة:
مداخلة: «إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله وأهل بيتي وإنهم لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض جميعًا» ..
الإشكال: في أنه يعني: مَنْ من أهل البيت كلهم أو بعضهم ثم يعني: الواقع يخالف هذا بل يعني: يتصرفوا في بعض الأماكن وفي بعض الأحوال؟
الشيخ: تفضل يا شيخ.
مداخلة: نعم يا شيخ.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: الشيخ هنا هنا، والحديث الثاني: «تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
[ ١٢ / ١٢٤ ]
وفي الثالث: أحدهم: «ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبلًا ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما».
الشيخ: خلاص هذا هو.
قبل الإجابة عن هذا السؤال مباشرة أريد أن أُذَكِّر إخواننا على طريقة فهم النصوص، هذه الطريقة هي أنه إذا أراد طالب العلم أن يفهم نصًا من نصوص الشريعة فلا ينبغي أن يصب بحثه وفكره في هذا النص فقط وحده، وإنما عليه أن يستحضر كل النصوص التي تتعلق والتي تساعده على فهم النص فهمًا صحيحًا، حينما قال ﷿: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
أفادت هذه الآية: أنه لا يجوز للمسلم أن يفهم حكمًا شرعيًا من آية فقط، بل لابد له من أن يستحضر إن كان هناك في السنة شيء يوضح المراد من الآية التي أريد فهمها؛ لأننا نعلم جميعًا باعتبارنا طلاب علم أن هناك من النصوص ما هو عام مطلق، وما هو عام مخصص، وما هو نص مطلق، وما هو مقيد، وما هو ناسخ ومنسوخ، ونحو ذلك، لا تتبين هذه الوجوه التي ذكرناها إلا بجمع النصوص الواردة في المسألة، وأنا أضرب في سبيل ذلك مثالًا واحدًا فقط ثم أدخل في الإجابة في صدر السؤال:
[ ١٢ / ١٢٥ ]
لو أن سائلًا سأل حافظًا للقرآن الكريم، ودارسًا له، لكن لا علم عنده بالسنة سأله فقال له: ما حكم السمك الميت هل يجوز أكله أم لا؟ هو ينظر فيما يحفظ من كتاب الله فيجد فيه صراحة: حرمت عليكم الميتة، فيجيب بناءً على هذه الآية: أن السمك الميت حرام.
كذلك لو سئل عن الجراد الميت؟ فسيقول: حرام؛ بدليل هذه الآية القائمة، لكنه لو كان ضم إلى هذه الآية بعض الأحاديث التي وردت في صدد تخصيصها أو تقييدها من متن الحديث المعروف في السنن ألا وهو قوله - ﵌ -: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال».
حينئذ ستتغير فتواه، وسيتغير جوابه ويقول: السمك الميت حلال، والجراد الميت حلال؛ لأن النبي - ﵌ - الذي أنزل عليه القرآن لبيانه قد بين أن هذه الآية ليست على عمومها وشمولها هي عامة إلا في السمك والجراد فيما يتعلق بالميتة، هكذا يجب أن ننظر حينما نريد أن نفهم نصًا في الكتاب أو في السنة.
الآن: بعد هذا المثال نعود إلى الحديث.
أنت سألت سؤالًا ومع ذلك بنيت عليه إشكال قلت: هل المراد عموم العترة كيف يستطيع المسلم أن يفهم بل كيف يجوز له أن يتساءل هل المراد هنا في الحديث: «عترتي» كل العترة الصالحون منهم والطالحون، وهو القائل في الحديث الصحيح في صحيح مسلم: «من بَطَّأ به عمله لم يُسْرِع به نَسَبُه».
[ ١٢ / ١٢٦ ]
ثم إذا استثنينا من العترة هنا الذين خرجوا عن هدي صاحب العترة، وأساس العترة وهو الرسول ﵇، فننظر إذا كان هناك من العترة صالحين، ولكنهم ليسوا بالعلماء، فهل يقصدون في مثل هذا النص؟ في القرآن الكريم: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] الجواب: لا يستوون.
إذًا: يجب على المسلم حينما يسمع مثل هذا الحديث: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي».
في الرواية الأخرى: «وسنتي» هي مفسرة لعترتي؛ لأن المقصود بالعترة هنا بعد هذا البيان ليس كل عترة أولًا صالحيهم وطالحيهم، وليس كل الصالحين منهم علماؤهم وجهلاؤهم، وإنما المقصود بهم: علماؤهم، حين ذاك تجد أن قوله ﵇ في الحديث الآخر الذي نحن نصححه: «وسنتي» تفسير لعترتي أي: عترتي المتمسكين بسنتي، هكذا تفسر الروايات، تفسر الروايات بعضها ببعض، وهذا ما صرح به كثير من المتقدمين من أهل العلم وفي الكتاب الذي أشرت إليه سابقًا: سلسلة الأحاديث الصحيحة توسعت في تخريج الحديث أولًا، وبينت له من الطرق ما خفي على هذا الدكتور ثانيًا.
تعرضت أيضًا للإجابة عن هذه الشبهة التي يستغلها الشيعة، ويتهجمون بها على أهل السنة، ولا سبيل لهم إلى ذلك إذا كان أهل السنة أهل علم وفضل، فنقلت عن أبي جعفر الطحاوي في كتابه: مشكل الآثار هذا المعنى الذي أوجزته لكم آنفًا أن المقصود بالعترة هم: علماء أهل البيت وحينئذ فلا
[ ١٢ / ١٢٧ ]
إشكال، حينئذ أمر الرسول ﵇ باتباع العترة كأمر الرسول ﵇ باتباع الخلفاء الراشدين في الحديث المعروف من حديث العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله - ﵌ - موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: أوصنا يا رسول الله، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
فكما أمر باتباع الخلفاء الراشدين؛ لأنهم أهل العلم والفضل، كذلك أمر باتباع العترة والمعنى كما عرفتم أهل العلم والصلاح منهم، لعله زال الإشكال إن شاء الله؟
مداخلة: بقي شيء يا شيخ؟
الشيخ: يعني: هل يدل هذا الحديث على أنه لا يجتمع أهل البيت كلهم على ضلالة، بل يكون بعض منهم لابد على الحق؟ يعني: هل هذا الحديث يدل على ذلك كما ذكر بعض العلماء؟
الشيخ: نعرج على هذا المعنى، لكن إذا عرفت المعنى السابق فهو يستثني غير العاملين بالكتاب والسنة وغير العالمين به، فهو يقصد به أهل العلم منهم والصالحون منهم وبس.
مداخلة: من هنا يقول يعني: ابن تيمية: فتبين أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة.
[ ١٢ / ١٢٨ ]
الشيخ: كالمسلمين كلهم يجتمعون على ضلالة؟
مداخلة: لا تجتمع.
الشيخ: لا تجتمع أمتي على ضلالة، شأنهم في ذلك شأن الأمة، فهي طائفة من الأمة، نعم.
مداخلة: الذي يبدو المعنى الذي أشرت إليه حديث علي الذي رواه مرفوعًا أنه هل خص رسول الله - ﵌ - في شيء إلا فهما يؤتاه عبدًا في كتابه.
الشيخ: عبد في كتابه، نعم.
مداخلة: كذلك يا شيخ في حديث كذلك الرسول - ﵌ - عندما خاطب فاطمة ﵂ فقال: «يا فاطمة سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا» فهذا يدل على أن الرسول - ﵌ - لا يغني عن أهل بيته إذا ما كانوا على ؟
الشيخ: هذا صحيح والأحاديث كثيرة في هذا الصدد.
(الهدى والنور /٨٤/ ٢.: ٣٤: ..)
[ ١٢ / ١٢٩ ]