السؤال: مسألة الاستعانة الأخ كان هو استمع في بعض الأشرطة التي تكلمت فيها عن مسألة الاستعانة
الشيخ: أنت ذكرتني، تعرف ما الذي خطر في بالي، أن هذا الذي أنت ألفته، لكن تسترت باسم، «من كثر ما الأفكار التي موجودة هي أفكاري (١)»
السائل: فشيخنا أخذ من الأشرطة
مداخلة: شيخنا هل يختلف الأمر لو إذا كان هذا الأمر تطوع أو غير تطوع، بمعنى: إذا أنا علمت أن عند فلان من الناس علم في قضية معينة حياتية وأنا له.
الشيخ: وأنت ماذا؟
مداخلة: بيعت له، ما أريد أعطيه فإذا أحد جاء سألني، الآن هل كتماني للأمر هذا هل يجب علي في حالة سؤاله هو أني أجاوبه أم أمتنع؟
الشيخ: على ذلك المذهب يجب.
_________________
(١) الشيخ يوجه كلامه للشيخ علي حسن الحلبي.
[ ١١ / ٢٨٥ ]
مداخلة: ذلك نعم، على ما نقول.
الشيخ: لا ما يجب، طبعًا السؤال كما هو واضح جدًا: هل يجب أم لا، أما هل يحسن، فباب الإحسان ما شاء الله.
حلوة، وأنا أحب الحلو.
مداخلة: الأشرطة وسمعها وكنت أنا الشيخ شيخنا لعلي، أقول له: تصور أنت الآن ما فهموا من هذا الكلام وسماع كلام الشيخ هل يعزو شيء في هذا؟ قال:
علي حسن: قبل ما أقرأ الكتاب، لكن سبحان الله ذكر شيخنا أول ما تكلمنا عن حديث ثابت بن الحارث، لما قلت لك شيخنا: الحافظ ابن حجر في الإصابة وكذا وأنت تابعت الموضوع بعدها، هو كان هو الذي فتح المجال عندي للحديث في البحث، وإلا أنا قلت له لما اتصل بك قلت له: أنا ما عندي شيء في الحديث، قال: في الإصابة ما قال: صحابي، قال: رجاله كلهم ثقات، فلما رجعت إلى الإصابة فعلًا أنا لما اتصلت قلت لك شيخنا هذا كذا، فأنت بينت أن هذا ليس صحابي ولا تثبت صحبته، فهذه في الواقع لعلها أدق فائدة في كتابه وهو ما أشار إلى المصدر
الشيخ: وفيه تراجع صريح على ما كان عليه من قبل
مداخلة: آه طبعًا أنا أقول، لكن هو يبدو شيخنا أنه كان معله من قبله بعبد الرحمن بن شريح، إذا تذكر جاء بقول ابن سعد فيه، وقال ابن سعد منكر حديث،
[ ١١ / ٢٨٦ ]
مع أن كثير منهم وثقه عبد الرحمن بن شريح.
مداخلة: الحديث هذا
الشيخ: هذا بارك الله فيك حديث يمكن أن نعتبره حقيقة حديثًا عزيزًا من حيث الرواية، لأنه لم يرد في شيء من كتب السنة الستة وغيرها من الكتب والمسانيد والمعاجم المعروفة سوى أنه جاء في كتاب اسمه: مشكل الآثار لأبي جعفر الطحاوي، والحقيقة من يوم كنت مدرس مادة الحديث في الجامعة الإسلامية من قرابة نحو ثلاثين سنة، قلت للطلبة هناك: (أن هذا الرجل من نوادر علماء الحنفية، لأنه يجمع من السنة ما لا يوجد عند أهل الحديث،) الغرابة انظروا كيف الرجال تتمايز بالعلم، الأحناف بعامة مع الأسف نستطيع أن نصفهم بأنهم فقراء في علم الحديث، سواء قلنا فقراء في علم الحديث كمًا وإحاطة أو كيفًا من حيث معرفتهم بالصحيح والضعيف، هم فقراء في كل من المجالين الكم والكيف، ونادر جدًا فيهم من يخرج عن هذه القاعدة، ومن هؤلاء النوادر أبو جعفر الطحاوي، أنا أعرف فضله لأني أجد في كتابيه الأول: مشكل الآثار والآخر شرح معاني الآثار أحاديث لا أجدها في تلك الكتب المشهورة عند أهل الحديث، أو أجد أحاديث معروفة في تلك الكتب ولكن أجد فيها (انقطاع) أبي جعفر الطحاوي الحنفي
فإن وجدت في بعض الأحاديث الموجودة في كتب السنة المعروفة لكن أستفيد منه أيضًا أنني أجد فيه طريقًا لا أجده في كتب السنة، فيفيدنا إما أن نقوي ما يوجد في كتب السنة المعروفة من حديث بسند ضعيف فنستفيد من كتاب أبي
[ ١١ / ٢٨٧ ]
جعفر الطحاوي من سند جديد قوة لذاك الحديث الذي يأتي بسند ضعيف، أو نجد فيه بعض المتابعات كما يقال في علم المصطلح.
الشاهد: فهذا كتاب جديد لمن يريد أن يشتغل بالسنة، وجدت فيه حديثًا سبقت الإشارة إليه آنفًا أن النبي - ﵌ - في إحدى الغزوات ولعلها غزوة الأحزاب، أم أحد؟ أحد، في غزوة أحد ذهب النبي - ﵌ - كما يقول الحديث والعهدة على الراوي، ذهب النبي - ﵌ - إلى اليهود وقال لهم: نحن أهل كتاب وأنتم أهل كتاب، فينبغي أن يعين بعضنا بعضًا، وطلب منهم ﵇ الإعانة، فهذا الحديث قد يستغل في المشكلة التي وقعت بين السعودية التي استعانت بالكفار فيستدلون به على جواز الاستعانة ويحاولون أن يدوروا على الحديث الصحيح المتفق على صحته والمروي من طرق عديدة، ليس فقط عند نفس أبي جعفر، بل وفي كتب السنة المشهورة ومنها صحيح الإمام مسلم، حيث أن فيه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي - ﵌ - في غزوة من غزواته جاءه رجل مشرك فطلب منه أن يقاتل معه المشركين، قال له ﵇: هل أسلمت؟ قال: لا، قال: «إنا لن نستعين بمشرك» والحديث له تتمة نكتفي الآن بهذا المقدار، إنا لن نستعين بمشرك، هذا نص صريح بعدم الاستعانة بالمشرك على مقاتلة المشركين الذين يتوجه الرسول - ﵌ - إلى قتالهم، فلما وقعت هذه الواقعة المؤسفة لفوا وداروا على هذا الحديث الصحيح فتأولوه بتآويل كثيرة، وإنما استندوا على روايات لا تدل لا من قريب ولا من بعيد على هذا النوع من الاستعانة كما يدل حديث أبي جعفر الطحاوي، لأن تلك الاستعانات التي يطلقون عليها لفظة الاستعانة ليست
[ ١١ / ٢٨٨ ]
في الاستعانة على مقاتلة المشركين مباشرة، كمثل مثلًا حديث معروف في السنن أنه استعار ﵇ من صفوان ابن أمية أدرعًا له، فهو ما قاتل مع الرسول، لكن عنده نوع من الأسلحة في ذلك الزمان فاستعار منه ﵇، فسموها استعانة، وأرادوا بها أن يضربوا بمثل هذه الاستعانة الاستعانة المصرح
بنفيها وبعدم شرعيتها في حديث مسلم: «إنا لن نستعين بمشرك».
أما حديث أبي جعفر فهو داخل في الصميم، لأنه ذهب إلى اليهود وطلب منهم الإعانة وعلل ذلك بأننا نشترك: نحن أهل كتاب وأنتم أهل كتاب، فوجدت المناسبة القائمة الآن ضرورة البحث في إسناد هذا الحديث الذي تفرد بروايته أبو جعفر الطحاوي، فخرج مني أن للحديث علتين اثنتين:
العلة الأولى: أن الصحابي كما يقال أنه صحابي ثابت بن الحارث، ذكروه في كتب الصحابة كالحافظ بن حجر في الإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب في أسماء الصحابة وغيرهما، فأنا لما درست ما ذكروه تبين لي أن حشر هذا الرجل في الصحابة لا وجه له إطلاقًا حسب تعريفهم للصحابي، لأن الصحابي عندهم اتفاقًا هو كل من صحب النبي - ﵌ - ولو ساعة من نهار، وطبعًا معلوم من القواعد ومعلوم من أصول علم الحديث أن مجرد رواية رجل عن النبي - ﵌ - حادثة ما أو حديثًا ما لا يمكن أن يعتبر هذا الراوي صحابيًا، وأنا أضرب الآن مثالًا برجل يتحدث الآن معكم ويقول: قال رسول الله، أنا أروي عن رسول الله، فهل معنى هذا أني أنا صحابي؟ وارجعوا إلى الوراء الآن، ارجعوا إلى القرن الأول، الذي ممكن أن من كان فيه يحتمل أن يكون أدرك الرسول ورآه وسمع منه، ويمكن
[ ١١ / ٢٨٩ ]
لا، كأن يكون مثلًا في الطائف والرسول في مكة والمدينة، وما أتيح له أن يأتي إلى الرسول ﵇، آمن به دون أن يراه، فهذا لا يكون صحابيًا؛ لأنه ما جلس إليه ولا سمع منه، هذا النوع من الناس الذين يمكن أن يكونوا أدركوا الرسول ولم يسمعوا هؤلاء يكونون من التابعين، فإذا قال التابعين، الآن أنا ضربت مثلًا الذي جاء بعد أربعة عشر قرن، الآن في القرن الأول، إذا قال التابعي: قال رسول الله، وهو يمكن أن تكون له صحبة، لأنه أدرك زمن الرسول ﵇، لكن ما جالسه، فهل إذا قال هذا النوع من التابعين: قال رسول الله تثبت به صحبته؟ الجواب: لا، لابد ما يقول: سمعت رسول الله، رأيت رسول الله، إلى آخر ما يفيد هذا اللقاء حتى يصير صحابيًا.
الحقيقة أنني عجبت أن أوسع من ترجم لهذا الرجل هو الحافظ ابن حجر، فقال: له ثلاثة أحاديث، ولم يذكر في حديث من هذه الأحاديث سمعت، أو رأيت، أو أي شيء يؤكد بأنه صحابي، على أنني أنا شخصيًا بالنسبة للحافظ أقول أنا على عجري وبجري استدركت عليه حديثًا رابعًا، مع ذلك لم يصرح في هذا الحديث بأنه لقي الرسول ﵇، فجزمت حينذاك أنه تابعي وليس صحابيًا، وأكدت هذا الجزم بطريقة أخرى، وهي أن الراوي عنه ينبغي لو كان هذا صحابيًا ينبغي أن يكون تابعيًا، يعني: الراوي عنه، وليس تابعيًا، وهو روى عنه، فإذًا: هذا يؤكد الجزم السابق بأنه ليس صحابي، فأنا الظاهر أنني تكلمت بهذه الحقيقة في شريط، ويمكن وصل هذا الشريط إلى صاحبك واتصل بك؟
مداخلة: أي نعم.
[ ١١ / ٢٩٠ ]
الشيخ: المهم أحد المشتغلين المحدثين اتصالًا بهذا العلم أظن اتصل قبل كل شيء مع أخينا أبي الحارث، بعد ذلك تجرأ هو واتصل معي، وقال لي: هذا مذكور بالإصابة وما أدري أيش على أنه صحابي، فأنا شرحت له نحو هذا الكلام الذي أتحدث به إليكم الآن، فالآن أتعجب أن هذا الكتاب الذي أعجبني بحثه في هذه النقطة في الرد على الذين يتأولون حديث: إنا لن نستعين بمشرك.
مداخلة: منك وإليك.
الشيخ: إيه، حقيقة (ظننت أن هذا مؤلف الكتاب هو أخونا أبو الحارث لأن الأفكار هي أفكاري تمامًا) لكن جزمت بأنه ليس هو لما رأيته أخطأ ذلك الخطأ الفاحش أن الجهاد الكفائي ما هو ضروري يستشير أباه أو أمه، قلت: (هذا ليس فقيهًا وليس عالمًا، ولا يمكن مثل أخينا أبي الحارث أنه يأتي يقع في هذا الخطأ، على الأقل سيتعاون معنا كما نتعاون معه، فلا يمكن أن يكون هو)، والآن عرفت من هو، وإذا هو ذاك السائل الذي جرى النقاش بيني وبينه، والآن أبو أحمد كما سمعت يقول: أنه أخذ الشريط الذي فيه تفصيل القول على هذه القضية، فسبحان الله العلم الشرعي ليس له بركة.
مداخلة: بركة العلم عزوه إلى قائله.
الشيخ: ليس له بركة وليس له آثار في أهل العلم إذا لم يتخلقوا بالأخلاق أخلاق أهل العلم، ومن ذلك أي: ليس من أخلاق أهل العلم أن يستفيدوا شيئًا من أهل العلم ثم لا يعزونه إلى صاحبه، وعلى هذا يقول العلماء في كتبهم: من
[ ١١ / ٢٩١ ]
بركة العلم عزو كل قول إلى قائله، هذا إذا كان هذا القول يعني له مزية، فيه أما أي قول ليس ضروري أن الإنسان أي قول يعزوه لقائله، لكن في العصر الحاضر وهذا يتكرر السؤال عنه أنا أنصح كل طالب للعلم يسأل عن سؤال فيجيب بما عنده من علم تلقاه من غيره ولم يصل هو لنفسه إليه، يعني: اجتهادًا واستنباطًا ما يقول: الجواب كذا، وبس، لأن السامع سيفهم من هذا الجواب أن هذا نابع من علمه ومن اجتهاده ومن كسبه، والأمر ليس كذلك، وعلى هذا أقول لإخواننا الناشئين في هذا المجالس: إذا سئلت عن شيء وصلت إليه بجهدك وتعبك فتقول: أنا أرى كذا أعتقد كذا جوابي كذا .. إلخ، أما إذا كنت استفدته من غيرك فالأولى بك سلبًا وإيجابًا أن تعزوا القول إلى قائله، إيجابًا لأن الفضل له، سلبًا قد يكون مخطئًا، فلماذا تحمل أنت خطأه، اعز القول إلى قائله، فإن كان صوابًا فالأجر له ثم لك، وإن كان خطأ فلا عليك من وزر خطئه شيء، وهكذا، هذا هو الحديث، ولا أنك عرفته إن شاء الله.
مداخلة: في الحديث علتان ذكرت العلة الثانية.
الشيخ: يعني: هذا الذي قيل إنه صحابي وخرج ثابت بن الحارث، وتبين أنه ليس بصحابي هو غير موثق أيضًا من أهل العلم، لأنه مجرد كون الرجل صحابيًا يغني الباحث أن يتطلب توثيقًا، لأن الصحابة كلهم عدول كما تعلمون، فإذا لم تثبت صحبته وجب حينذاك أن نعرف أنه ثقة ضابط حافظ، وهذا ليس فيه شيء من ذلك إطلاقًا، فهو إذًا تابعي هذه العلة الأولى فالحديث مرسل، وثانيًا: مجهول، ليس معروفًا بالعدالة، هذه العلة الثانية.
[ ١١ / ٢٩٢ ]
مداخلة: قد ذكر شيخنا في تعليقه لهذا الحديث جوابًا قويًا أيضًا في إثبات تابعيته بعد هذه الأدلة، وهي أنه وجد له رواية وقد أشار إلى ذلك، يروي فيها عن التابعين، هو نفسه يروي عن التابعين، فهو إن كان يقع من بعض الصحابة من باب رواية الأكابر عن الأصاغر أن يروي صحابي عن تابعي لكن هذا نادر، وبخاصة أن هذا لم تثبت صحبته، فمن باب أولى أن يكون تابعيًا يروي عن مثله والله أعلم.
(الهدى والنور/٤٧١/ ٠٦: ١٠: ٠٠)
[ ١١ / ٢٩٣ ]