فانظروا إلى ما كان عليه الأئمة المهديين والفرق بينهم وبين غيرهم من المتعصبين من أهل زماننا على موافقة أغراضهم ومخالفتهم لها، لكونهم انعطفوا على حب الدنيا وزخارفها، والتحبب إلى رؤساء أعصارهم حملهم١ على هذه الأمور المستبشعة فباعوا المقطوع بالمظنون ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
ونحن من ديننا: التمسك بكتاب الله ﷿ وسنة نبينا ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث المشهورين ونؤمن بجميع أحاديث الصفات، لا نزيد على ذلك شيئًا، ولاننقص منه شيئًا، كحديث قصة الدجال وقوله فيه:
" وإن ربكم ليس بأعور "٢.
وكحديث النزول إلى السماء الدنيا٣.
وكحديث الاستواء على العرش٤، وإن القلوب بين إصبعين من أصابعه٥
_________________
(١) ١ في الأصل: جهلهم. ٢ رواه البخاري (٣٠٥٧) ومسلم (١٦٩) . ٣ رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) . ٤ رواه البخاري (٧٤٠٤) ومسلم (٢٧٥١) . ٥ رواه مسلم (٢٦٥٤) .
[ ٦٧ ]
وإنه يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع١، ونقول بتصديق حديث المعراج٢ وبصحيح مافيه من الروايات وندين أن الله مقلب القلوب.٣ وما أشبه هذه الأحاديث جميعها كما جاءت بها الرواية من غير كشف عن تأويلها، وأن نمرها كما جاءت.
وأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] وإن الله يقرب من عباده كيف يشاء لقوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] وأشباه ذلك من آيات الصفات، ولا نتأولها ولا نكشف عنها بل نكف عن ذلك كما كف عنه السلف الصالح.
ونؤمن بأن الله على عرشه كما أخبر في كتابه العزيز ولا نقول هو في كل مكان، بل هو في السماء، وعلمه في كل مكان لايخلو منه مكان كما قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وكما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١١] .
وكما جاء في حديث الإسراء إلى السماء السابعة:" ثم دنا من ربه ".
وكما في حديث سوداء أريدت أن تعتق، فقال لها النبي ﷺ:" أين ربك؟ " فقالت: في السماء فقال:" اعتقها فإنها مؤمنة "٤.
وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة، نؤمن بذلك ولا نجحد شيئًا من ذلك.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٤٨١١) ومسلم (٢٧٨٦) . ٢ رواه البخاري (٧٥١٧) ومسلم (١٦٢) . ٣ رواه البخاري (٦٦١٧) . ٤ رواه مسلم (٥٣٧) .
[ ٦٨ ]
وقد روت الثقات عن مالك بن أنس أن سائلًا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَ﴾ [طه:٥] فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.١
فيا إله السموات والأرضين، ويا خالق الخلق أجمعين، أنت المطلع على البواطن وأنت الرقيب على كل خالق وساكن، أسألك أن تغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
فهذا: آخر ما أردنا ذكره من هذا المختصر من معتقد مصنفه، مما ذكره في كتابه كتاب" غاية المرام في مسألة الكلام" للشيخ أبي العباس أحمد بن الحسن الأرموي الشافعي، وهو الذي عليه الجمهور من السلف والخلف.
وهذا الذي ذكرناه جميعه من كلام الشيخ أبي العباس الأرموي – ﵀ -.
_________________
(١) ١ رواه اللالكائي في" شرح أصول الاعتقاد" (٦٦٤) والصابوني في" عقيدة السلف" (١/١١٠-١١١) وأبو نعيم في" الحلية" (٦/٣٢٥-٣٢٦) والدارمي في" الرد على الجهمية" (ص: ٢٨٠) وابن عبد البر في" التمهيد" (٧/١٥١) والبيهقي في"الاعتقاد" (ص:٤٠٨) بأسانيد لا يصح منها شيء.
[ ٦٩ ]
ثم نشرع
في كلامنا نحن
وهو القسم الثاني فيما نذكره فيما وضعناه في كتابنا المعروف"بالتبيان في آداب حملة القرآن" فلنذكر من الباب الأول أخبارًا في فضيلة تلاوة القرآن وحملته فهي كثيرة جدًا فمن جملتها:
عن عمر ﵁، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين " ١ رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ:" من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف [ولكن] ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف "٢ رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن عبد الله بن مسعود أيضًا قال:" اقرءوا القرآن. إن الله لا يعذب قلبًا وعى القرآن، وإن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن ومن أحب القرآن فليبشر"٣.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه "٤ رواه مسلم.
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: خيركم من تعلم
_________________
(١) ١ رواه مسلم (٢١٨) . ٢ رواه الترمذي (٢٩١٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ٣ رواه البخاري في" خلق أفعال العباد" (ص:٨٧) وابن أبي شيبة (٣٠٠٧٩) والدارمي (٣٣١٩) و٠٣٣٢٠) . قلت: صحح الحافظ بن حجر إسناده في" الفتح" (٩/٧٩) . ٤ رواه مسلم (٨٠٤) .
[ ٧٠ ]
القرآن وعلمه "١ رواه البخاري.
ومن الباب السابع منه: في آداب الناس كلهم مع القرآن:
ثبت في صحيح مسلم عن تميم الداري قال: إن النبي ﷺ قال:" الدين النصيحة".قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "٢.
قال العلماء النصيحة لكتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتنزيله لايشبهه شيء من كلام المخلوقين، ولا يقدر على مثله الخلق بأسرهم، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق لما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى ماذكرنا من نصيحته.
فصل
أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العظيم على الإطلاق، وتنزيهه وصيانته، وأجمعوا على أن من جحد منه حرفًا مما أجمع عليه. أو زاد حرفًا لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك، فهو كافر
قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض ٣ ﵀: اعلم أن من
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٥٠٢٧) . ٢ رواه مسلم (٥٥) . ٣ القاضي عياض، الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض الحيصبي الأندلسي وثم السبتي المالكي. ولد سنة (٤٧٦هـ) استبحر في العلم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق توفي سنة (٥٤٤هـ) "السير" (٥/٣٧-٣٨) .
[ ٧١ ]